حرية الصحافة 2026: تراجع عالمي غير مسبوق.. وموريتانيا تتفوق على أمريكا وبقية الدول العربية

كشف تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» لعام 2026 عن خريطة جديدة ومقلقة لحرية الصحافة حول العالم، عكست اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة في حماية حرية الإعلام وتلك التي تعاني من تدهور حاد في البيئة الصحفية، مع استمرار التراجع في عدد كبير من الدول العربية والأفريقية والآسيوية.

وفي هذا التصنيف، جاءت موريتانيا في المرتبة 61 عالمياً من أصل 180 دولة، لتتصدر الدول العربية في مجال حرية الصحافة، متقدمة ليس فقط على معظم الدول العربية، بل أيضاً على الولايات المتحدة التي تراجعت إلى المرتبة 64 في أول عام رئاسي جديد للرئيس دونالد ترامب، وفق ما أظهره التقرير.

الترتيب العالمي

على المستوى العالمي، حافظت النرويج على المركز الأول للعام العاشر على التوالي، تلتها هولندا في المرتبة الثانية، ثم إستونيا والدنمارك والسويد وفنلندا، بينما جاءت أيرلندا في المركز السابع، تليها سويسرا في المركز الثامن.

وفي المقابل، تراجعت ألمانيا إلى المرتبة 14، وجاءت المملكة المتحدة في المرتبة 18، بينما حلت فرنسا في المرتبة 25، ما يعكس تراجعاً نسبياً حتى داخل الدول الأوروبية الكبرى رغم استمرار تصدرها التصنيف العالمي.

بيئة عمل أكثر خطورة للصحفيين

يشير التقرير إلى أن تدهور حرية الصحافة يرتبط بعاملين رئيسيين: تصاعد النزاعات المسلحة من جهة، وتوسع الأنظمة القانونية المقيدة من جهة أخرى.

ففي مناطق النزاع، سجلت دول مثل العراق والسودان واليمن وفلسطين مستويات خطيرة من التراجع، حيث أدت الحرب في غزة إلى مقتل أكثر من 220 صحفياً منذ أكتوبر 2023، في واحدة من أكثر الفترات دموية للصحفيين في التاريخ الحديث.

وفي المقابل، تعيش دول أخرى تحت وطأة أنظمة سلطوية صارمة، مثل الصين وكوريا الشمالية وإريتريا، حيث يواجه الصحفيون الاعتقال الطويل والرقابة المشددة وغياب أي هامش للعمل الإعلامي المستقل.

كما أشار التقرير إلى أن روسيا تواصل استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والانفصال لتقييد الإعلام، بينما تتصدر دول أخرى في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى قوائم الانتهاكات، في ظل استمرار القمع وغياب الحريات الأساسية.

توسع عالمي في تجريم العمل الصحفي

يبرز التقرير أن أحد أهم الاتجاهات الخطيرة في نسخة 2026 هو التوسع غير المسبوق في تجريم العمل الصحفي، حيث تراجع المؤشر القانوني في أكثر من 110 دول من أصل 180، أي في أكثر من 60% من الدول المشمولة بالتقييم.

ويعزو التقرير هذا التراجع إلى: إساءة استخدام قوانين الأمن القومي، وتوظيف قوانين مكافحة الإرهاب لتقييد الصحافة، وانتشار الدعاوى القضائية الكيدية ضد الصحفيين، وغياب الحماية القانونية للمصادر الصحفية.

ويؤكد التقرير أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على الدول غير الديمقراطية، بل باتت موجودة أيضاً داخل دول تُصنف ديمقراطية، حيث يتم استخدام أدوات قانونية لتقييد التغطية الصحفية تحت ذرائع مختلفة.

العالم العربي: تباين حاد وتراجع واسع

يشير التقرير إلى استمرار تراجع حرية الصحافة في عدد من الدول العربية، في مقدمتها مصر التي اقتربت من القاع في التقرير محتلة المرتبة (169)، بصفتها تشهد بيئة قانونية شديدة التقييد، تعتمد على قوانين الطوارئ ومكافحة الأخبار الكاذبة في مواجهة العمل الصحفي.

كما يلفت إلى تراجع مؤشرات في دول أخرى في المنطقة، من بينها السعودية التي شهدت تراجعاً إضافياً، وسط بيئة إعلامية خاضعة لقيود مشددة ومخاطر أمنية على الصحفيين.

ويضع التقرير المنطقة العربية ضمن النطاقات التي تشهد تداخلاً بين القيود الأمنية والتشريعية، ما يحدّ من قدرة الصحافة على العمل بشكل مستقل.

ووفقًا للتقرير فقد تصدرت موريتانيا الترتيب العربي، تلتها جزر القمر في المرتبة 72، ثم قطر في المرتبة 75، والمغرب في المرتبة 105، ولبنان في المرتبة 115.

وجاءت الصومال في المرتبة 126، تليها سلطنة عمان في المرتبة 127، ثم الكويت في المرتبة 136، وتونس في المرتبة 137، وليبيا في المرتبة 138، وسوريا في المرتبة 141، ثم الأردن في المرتبة 142، والجزائر في المرتبة 145، وفلسطين (الضفة الغربية) في المرتبة 153.

وفي المراتب المتأخرة، جاءت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 158، ثم السودان في المرتبة 161، فالعراق في المرتبة 162، واليمن في المرتبة 164، وجيبوتي في المرتبة 167، قبل أن تأتي مصر في المرتبة 169، لتقترب من أسوأ عشر دول في العالم من حيث حرية الصحافة.

أسوأ الدول

أما أسوأ الدول ترتيباً فجاءت البحرين في المرتبة 170، ثم أذربيجان وروسيا وتركمانستان وفيتنام وأفغانستان، بينما جاءت المملكة العربية السعودية في المرتبة 176، تلتها إيران والصين، ثم كوريا الشمالية في المرتبة 177، وأخيراً إريتريا في المرتبة 180 كأدنى دولة في التصنيف العالمي.

تحول لافت لسوريا

أشار التقرير إلى تحول لافت في ترتيب سوريا، التي ارتفعت إلى المرتبة 141 بعد أن كانت لسنوات طويلة ضمن أسوأ عشر دول في العالم، حيث كانت تصل إلى المرتبة 177، ما يعكس تغيرات سياسية انعكست جزئياً على بيئة الإعلام رغم استمرار التحديات.

تراجع نسبي للولايات المتحدة وأوروبا

على الرغم من استمرار تصدر الدول الأوروبية لمؤشر حرية الصحافة، إلا أن التقرير أشار إلى تراجع ملحوظ في بعض الدول الكبرى، حيث سجلت دول أوروبية كبرى تراجعاً نسبياً، مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، رغم بقائها ضمن الفئات المتقدمة عالمياً.

كما يسجل التقرير تراجع الولايات المتحدة إلى المرتبة 64، بخسارة سبعة مراكز، في واحدة من أبرز حالات التراجع داخل الدول الديمقراطية.

ويشير إلى أن هذا التراجع ارتبط بتصاعد الاستقطاب السياسي تجاه الإعلام، وتزايد الضغوط على المؤسسات الصحفية، إضافة إلى تقليص دور بعض المؤسسات الإعلامية الدولية، ما أدى إلى إضعاف بيئة الإعلام داخلياً وخارجياً.

كما يربط التقرير هذا المسار بما وصفه بـ«تأثير النموذج السياسي» الذي انعكس على عدد من دول أميركا اللاتينية، حيث سُجلت تراجعات إضافية في الأرجنتين والسلفادور وبيرو، إلى جانب تصاعد العنف ضد الصحفيين.

انتهاكات إسرائيل ضد الصحفيين

يرصد التقرير تراجعًا ملحوظًا في وضع حرية الصحافة في إسرائيل والتي احتلت المرتبة (116)، حيث انعكست التطورات الميدانية المرتبطة بالحرب على غزة بشكل مباشر على بيئة العمل الإعلامي، لا سيما فيما يتعلق بسلامة الصحفيين وإمكانية الوصول إلى المعلومات.

وبحسب المعطيات الواردة، فقد شهدت الفترة منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 مقتل أكثر من 220 صحفيًا في قطاع غزة، من بينهم ما لا يقل عن 70 صحفيًا أثناء تأدية عملهم، في واحدة من أعلى الحصائل المسجلة عالميًا في سياق نزاع واحد خلال فترة زمنية قصيرة.

ويشير التقرير إلى أن هذه الأرقام تعكس مستوى غير مسبوق من المخاطر التي يواجهها الصحفيون في مناطق النزاع، خاصة في ظل العمليات العسكرية المستمرة، وما يصاحبها من صعوبات في الحركة، واستهداف للبنية التحتية، وقيود على التغطية الميدانية.

كما يلفت إلى أن التحديات لا تقتصر على المخاطر الأمنية المباشرة، بل تشمل أيضًا قيودًا على تدفق المعلومات، وصعوبات في وصول الصحفيين إلى مناطق الأحداث، إضافة إلى بيئة عمل تتسم بارتفاع مستوى المخاطر وانخفاض الضمانات المهنية.

أبرز المؤشرات والمفارقات

يشير التقرير إلى أن التراجع المستمر في حرية الصحافة منذ عام 2001 لم يعد يقتصر على الدول ذات الأنظمة السلطوية، بل امتد إلى عدد من الديمقراطيات التي شهدت تضييقاً متزايداً على حرية الوصول إلى المعلومات، في ظل توسع تشريعات تقييدية، وتنامي سياسات الأمن القومي، وتزايد استخدام القوانين لملاحقة الصحفيين.

كما سجل المؤشر القانوني أكبر تراجع بين المؤشرات الخمسة الرئيسية، بما يعكس تصاعد ظاهرة تجريم العمل الصحفي بشكل مباشر أو غير مباشر.

وأوضح التقرير أن متوسط تقييم الدول المشمولة بالتصنيف لم يسبق أن انخفض إلى هذا المستوى خلال ربع قرن، وهو ما يعكس تحولاً عالمياً تدريجياً لكنه متسارع في تقويض بيئة الصحافة الحرة.

ومن أبرز المؤشرات التي سجلها التقرير:

– ارتفاع نسبة الدول التي تعاني أوضاعاً «صعبة» أو «خطيرة» إلى أكثر من 52% من دول العالم، مقارنة بنحو 13.7% فقط في عام 2002.

– تراجع نسبة السكان الذين يعيشون في دول تُصنف أوضاع الصحافة فيها بأنها «جيدة» إلى أقل من 1%، بعد أن كانت 20% قبل 25 عاماً.

– استمرار تدهور المؤشرات الخمسة الأساسية: القانوني، السياسي، الأمني، الاقتصادي، والاجتماعي، مع تصدر المؤشر القانوني قائمة التراجعات.

ويخلص التقرير إلى أن حرية الصحافة تشهد تآكلاً تدريجياً في مختلف القارات، بفعل تداخل عوامل سياسية وأمنية واقتصادية وتشريعية.

تعليق
Exit mobile version