ولاية ترامب الثانية: قلب الديمقراطية والتنمية والدبلوماسية رأسًا على عقب

للاطلاع على المقال في المصدر الأصلي (اضغط هنا)

خلال ولايته الثانية، انتهج الرئيس دونالد ترامب سياسة خارجية مثيرة للجدل قلبت الأعراف الدبلوماسية الراسخة والشراكات الاستراتيجية والأطر متعددة الأطراف رأسًا على عقب. فقد ركزت إدارته على مبدأ “أمريكا أولًا” وتوجهٍ نفعي أعاد تشكيل الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كبير.

وشملت هذه السياسات توسيع اتفاقيات أبراهام، فرض تعريفات جمركية، تعليق برامج مساعدات وتنمية متنوعة، والانسحاب من منظمات دولية رئيسية، فضلًا عن استعراض القوة العسكرية، وتوسيع نطاق نقل الأسلحة، واستخدام الضربات العسكرية ضد دول متعددة، وهو ما أعاد تعريف علاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي.

كما أن دعم الإدارة الثابت للحرب الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية، والتي وُصفت بأنها حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي للفلسطينيين، وانضمامها إلى الحرب على إيران رغم المخاوف القانونية والإنسانية الدولية، زاد من توتر النظرة العالمية لالتزامات الولايات المتحدة بحقوق الإنسان وحل النزاعات.

وفي الوقت نفسه، أدت النزاعات التجارية، وإعادة تقييم الضمانات الأمنية، وتجدد النقاشات حول شرعية المؤسسات الدولية ودورها، إلى تداعيات واسعة على الاستقرار العالمي والقيادة الأمريكية.

وعلى الصعيد الداخلي، انعكست هذه التوجهات على الخطاب السياسي الأمريكي، حيث أصبحت قضايا الحكم الديمقراطي، الحريات المدنية، التحالفات العالمية، والأمن القومي محورية في النقاش العام، خاصة قبيل انتخابات التجديد النصفي والانتخابات الرئاسية المقبلة.

Trump’s Second Term: Upending Democracy, Development, and Diplomacy – photo courtesy to Arab Center Washington D.C

نبذة عن المؤتمر

وفي هذا السياق، خصص المركز العربي واشنطن دي سي (ACW) مؤتمره السنوي الحادي عشر لدراسة نهج إدارة الرئيس دونالد ترامب في السياسة الخارجية وتداعياته على المعايير الديمقراطية والقانون الدولي وحقوق الإنسان، سواء في الشرق الأوسط أو داخل الولايات المتحدة.

وشارك في المؤتمر كبار الباحثين وخبراء السياسات لتحليل تبعات سياسة ترامب الخارجية خلال ولايته الثانية على النظام العالمي المتغير، وتقييم أثر تحولات التحالفات والتنافسات الإقليمية وإعادة صياغة العلاقات الأمريكية العربية على المشهد السياسي.

كما ناقش المؤتمر الآثار طويلة المدى لسياسات ترامب تجاه النزاعات الممتدة من غزة إلى اليمن وصولًا إلى إيران، وانعكاساتها على مصداقية الولايات المتحدة ونفوذها الاستراتيجي.

وطرحت الجلسات أسئلة محورية حول الإرث الذي قد يتركه ترامب على الدبلوماسية الأمريكية والمعايير الديمقراطية في الداخل والخارج، ومدى تأثر الرأي العام الأمريكي بقرارات السياسة الخارجية، إضافة إلى تأثير هذه السياسات على الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي والانتخابات الرئاسية المقبلة، بحث المؤتمر كيف يمكن لهذه القضايا أن تؤثر على المرشحين السياسيين وقرارات الناخبين ونتائج الانتخابات.

وناقش المشاركون كيفية استجابة الرأي العام الأمريكي لهذه التطورات، وكيف تُشكّل ديناميكيات السياسة الداخلية والخارجية مستقبل الحزبين الرئيسيين، فضلًا عن تأثير النقاشات حول التحالفات والصراعات العالمية – وخاصة حربي غزة وإيران – إلى جانب قضايا التجارة والأمن القومي، على مسار السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات القادمة.

شهد المؤتمر حضور أكثر من 3000 شخص، حضوريًا وعبر الإنترنت. وبعد انتهاء المؤتمر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة به أكثر من 400 ألف مشاهدة.

أما بالنسبة للتغطية الإعلامية، فقد غطت المؤتمر أكثر من 20 وسيلة إعلامية مختلفة، من بينها C-SPAN، والجزيرة، وروسيا اليوم، والعربي الجديد، وتاس، وCGTN، وعين الشرق الأوسط، وغيرها.

photo courtesy to Arab Center Washington D.C

عقيدة ترامب

افتتحت تمارا خروب، نائبة المدير التنفيذي وكبيرة الباحثين في المركز العربي واشنطن دي سي، أعمال المؤتمر بكلمة ترحيبية قالت فيها: “يسعدني أن أرحب بكم جميعًا في مؤتمر اليوم، حيث نتناول ما يمكن تسميته بعقيدة ترامب في السياسة الخارجية، وهي عقيدة تتميز بما يمكن وصفه بالاستثنائية القسرية.”

وأوضحت خروب أن هذه العقيدة، على الصعيد الداخلي، تتبنى موقفًا عرقيًا متطرفًا وتقوم على القسوة كسياسة، مع إيلاء اهتمام أكبر للاستعراض السياسي على حساب الحكم الفعلي. أما على الصعيد الدولي، فهي تفرض هيمنة مطلقة، مستخدمة القوة الاقتصادية والسياسية الأمريكية كسلاح لخدمة مصالح ترامب وحلفائه، دون أي اعتبار للديمقراطية أو حقوق الإنسان أو سيادة القانون.

Tamara Kharroub – photo courtesy to Arab Center Washington D.C

سياسة متقلبة

وأضافت أن سياسة ترامب اتسمت بالتقلب بين انسحاب دبلوماسي عدواني، تجلى في تعليق برامج المساعدات والتنمية والانسحاب من المؤسسات الدولية، وبين انخراط عسكري مفرط، عبر صفقات أسلحة موسعة دعمت الحروب الإسرائيلية، وشن حرب على إيران، فضلًا عن تهديدات وعمليات تدخل في مناطق متعددة من العالم، من غرينلاند وكندا وقناة بنما إلى فنزويلا وكوبا والمكسيك. كما شملت هذه السياسات محاولات تغيير أنظمة، السيطرة على الموارد الطبيعية، وفرض عقوبات على أي جهة تسعى لمساءلة واشنطن عن انتهاكات حقوق الإنسان.

وأكدت خروب أن هذه الإجراءات مجتمعة أدت إلى زعزعة بنية السياسة العالمية وقلب المعايير الدبلوماسية والأطر القانونية الدولية رأسًا على عقب، كما أعادت تشكيل مشاركة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بشكل كبير، وزادت من توتر مكانتها ونفوذها العالميين.

العلاقة مع إسرائيل

ألقى جون ميرشايمر، عالم السياسة الأمريكي والباحث في العلاقات الدولية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، الكلمة الرئيسية في المؤتمر، حيث ركّز على الحرب الإيرانية في سياق أوسع من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وأوضح أن المنطقة كانت تُعد تاريخيًا إحدى ثلاث مناطق استراتيجية كبرى بالنسبة للولايات المتحدة، إلى جانب أوروبا وشرق آسيا، بسبب النفط. ومع مرور الوقت، تراجعت أهمية النفط كعامل رئيسي، ليحل محله اليوم العامل الأهم: العلاقة الخاصة والفريدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي وصفها ميرشايمر بأنها غير مسبوقة في التاريخ، وتتحكم بها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

وأشار ميرشايمر إلى أن الاستراتيجية الكبرى لإسرائيل في المنطقة تقوم على ثلاثة أهداف رئيسية: أولًا، توسيع حدودها نحو ما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”، بما يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وأجزاء من لبنان وسوريا وربما سيناء.

ثانيًا، تنفيذ سياسة تطهير عرقي في الأراضي المحتلة، خاصة في غزة والضفة الغربية، حيث يسعى الإسرائيليون إلى تقليص الوجود الفلسطيني بشكل جذري.

ثالثًا، إضعاف جيرانها عبر ضمان تبعيتهم للولايات المتحدة أو السعي لتدمير دول مثل إيران وتقسيمها أو تغيير نظامها.

وفي حديثه عن غزة، أوضح ميرشايمر أن ما حدث بعد السابع من أكتوبر منح إسرائيل فرصة لتطهير القطاع عرقيًا، عبر حملة قصف وتجويع تحولت إلى إبادة جماعية، في محاولة لإجبار الفلسطينيين على الرحيل، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

John J. Mearsheimer – photo courtesy to Arab Center Washington D.C

الحرب على إيران

أما فيما يتعلق بالحرب على إيران، فقد بيّن ميرشايمر أن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلا الحرب بأربعة أهداف رئيسية: وقف تخصيب اليورانيوم، التخلص من الصواريخ بعيدة المدى، إنهاء دعم إيران لحلفائها الإقليميين مثل الحوثيين وحماس وحزب الله، وأخيرًا تغيير النظام.

لكنه أكد أن أيًا من هذه الأهداف لم يتحقق، إذ لا تزال إيران تحتفظ بقدراتها النووية والصاروخية، وتواصل دعم حلفائها، فيما بقي النظام الإيراني قائمًا. وأضاف أن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز تُعد كارثة استراتيجية للولايات المتحدة، وأن أي اتفاق نهائي قد يُفضي إلى انسحاب أمريكي أو رفع للعقوبات، وهو ما يراه هزيمة مذلة لواشنطن.

وختم ميرشايمر بالتأكيد على أن ما يجري يمثل فشلًا واضحًا في تحقيق الأهداف المعلنة، وأن الولايات المتحدة تواجه واقعًا جديدًا في الشرق الأوسط، حيث لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق.

ضغوط إسرائيلية

تحدث تريتا بارسي، المؤسس المشارك ونائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم الرشيد، عن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال ولاية ترامب الثانية، مشيرًا إلى أن ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز يعكس بدقة ما كان يجري خلف الكواليس.

وأوضح أن البيت الأبيض تبنى رواية إسرائيلية مفادها أن إيران “نمر من ورق” على وشك الانهيار، وأن الخيار الأفضل هو خوض حرب تنتهي بالإطاحة بالنظام. هذا التصور، بحسب بارسي، جعل أي مسار دبلوماسي محفوفًا بخطر الانهيار السريع، حيث كان الاستسلام الإيراني هو الشرط الوحيد المقبول في أي مفاوضات.

وأضاف بارسي أن الإسرائيليين بذلوا جهدًا كبيرًا للتأثير على ترامب، عبر إقناعه بأنه يمكن أن يكون الرئيس الذي يطيح بالنظام الإيراني بعد عقود من الصراع، وأن هذا الإنجاز سيُسجل له تاريخيًا. وأشار إلى أن هذا الخطاب كان فعالًا للغاية في دفع الإدارة نحو الحرب، بدلًا من البحث عن تسوية دبلوماسية.

photo courtesy to Arab Center Washington D.C

خطأ إيراني كبير

كما لفت بارسي إلى خطأ جسيم ارتكبته إيران حين رفضت التواصل المباشر مع ترامب، رغم أنها تواصلت مع وسطاء مثل ويدكوف وكوشنر. من وجهة نظر الإيرانيين، كان ذلك دليلًا على قوتهم، لكن ترامب اعتبره دليلًا على ضعفهم، مما عزز قناعته بأن إسقاط النظام سيكون أسهل مما هو عليه في الواقع.

وأوضح بارسي أن ترامب كان يرى في استعداده للتحدث مع أي طرف، من كيم جونغ أون إلى قادة آخرين، علامة على قوته، بينما اعتبر رفض الإيرانيين للحوار المباشر معه دليلاً على هشاشتهم.

وختم بارسي بأن هذه التصورات الخاطئة في البيت الأبيض، إلى جانب النفوذ الإسرائيلي الكبير، عجّلت بانزلاق الولايات المتحدة نحو الحرب مع إيران، بدلًا من فتح مسار دبلوماسي واقعي كان يمكن أن يجنّب المنطقة مزيدًا من التصعيد.

تأثير على القرار

أجابت لارا فريدمان، رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط، على سؤال حول موافقة المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على أكثر من 30 مشروعًا استيطانيًا، وعن الجهات المؤثرة على الرئيس ترامب والسياسة الأمريكية في المنطقة، موضحة أن هذه القضايا أصبحت واضحة للكثيرين ممن يتابعونها عن كثب.

وأشارت إلى ما ذكره البروفيسور جون ميرشايمر بشأن دور نتنياهو والموساد في صنع القرار المتعلق بإيران، مؤكدة أن الرئيس ترامب هو المسؤول المباشر عن القرارات التي يتخذها، وأن تحليل تأثير إسرائيل على هذه القرارات ليس معاداة للسامية، بل قراءة سياسية واقعية.

وأضافت فريدمان أن أفضل مؤشر للسلوك المستقبلي لهذه الإدارة هو النظر إلى إرثها السابق، حيث شكّلت اتفاقيات أبراهام الإنجاز التاريخي الأبرز لولاية ترامب الأولى، وهو ما تبنته لاحقًا إدارة بايدن باعتبارها إطارًا رئيسيًا للسياسة الأمريكية في المنطقة.

اهتمام بإسرائيل

وأوضحت أن السياسة تجاه إسرائيل وفلسطين اليوم تتشكل إلى حد كبير وفق ما رسخته إدارة ترامب الأولى، مع استمرار غياب أي ضغط فعلي على إسرائيل بشأن المستوطنات أو عنف المستوطنين، رغم الحديث المتكرر عن “حل الدولتين”.

وأكدت أن إدارة ترامب، بشكل علني، دعمت التوسع الاستيطاني والتطهير العرقي في الضفة الغربية، بالتوازي مع محو غزة والتوسع في لبنان وأجزاء من سوريا، وهي سياسات كانت قائمة بحكم الأمر الواقع لكنها أصبحت أكثر وضوحًا وعلانية في عهد ترامب.

ورأت أن اهتمام ترامب بإسرائيل لا ينبع من قضاياها الداخلية بقدر ما يرتبط بعلاقاته مع ممولين وشخصيات نافذة مثل شيلدون أدلسون، الذين يدفعون باتجاه مشروع “انتصار إسرائيل 1948″، وهو تصور يقوم على إنهاء الحرب الأولى عبر تحقيق نصر حاسم على جميع أعداء إسرائيل.

وختمت فريدمان بأن فهم هذه الديناميكيات يتطلب النظر إلى تداخل النفوذ المالي والسياسي، إلى جانب تأثير التيارات الإنجيلية المسيحية الصهيونية، مع رئيس يرى أن القواعد التقليدية لا تنطبق عليه، وهو ما يفسر المسار الذي اتخذته السياسة الأمريكية في المنطقة خلال ولاية ترامب الثانية.

جائزة التميز لعام 2026

قام خليل جهشان، المدير التنفيذي للمركز العربي واشنطن دي سي (ACW)، بإدارة جلسات المؤتمر وتقديم جائزة التميز لعام 2026. وأوضح في كلمته أن المركز قرر استحداث هذه الجائزة السنوية لتكريم المواهب والإسهامات المتميزة في المجالات التي تعكس جوهر رسالة المركز. وأكد أن الجائزة تُسلط الضوء كل عام على مجالات تأثير مختلفة، وتُكرم الأفراد والمنظمات الذين يسهم عملهم في تعزيز قضايا حقوق الإنسان والعدالة والسلام والحكم الديمقراطي وحماية الحريات الأساسية.

وأضاف جهشان أن هذه القيم تمثل جوهر البحث العلمي والمشاركة العامة في المركز، وأن الجائزة دليل على التزام المركز بدعم من يسعون جاهدين للحفاظ عليها في المجتمع العربي، وفي الولايات المتحدة، وحول العالم.

نورا عريقات

وأعلن جهشان أن الفائزة لهذا العام تجسد هذه القيم خير تجسيد، وهي المحامية والباحثة والناشطة الحقوقية نورا عريقات.

وقدم جهشان نبذة عن إنجازاتها، مشيرًا إلى أنها أستاذة مشاركة في قسم الدراسات الأفريقية وبرنامج العدالة الجنائية بجامعة روتجرز في نيو برونزويك، ومؤسسة مشاركة لمجلة “جدلية” الإلكترونية التي تُبرز الأصوات النقدية من المنطقة، والتي غالبًا ما تغيب عن وسائل الإعلام الأمريكية. كما عملت مستشارة قانونية للجنة فرعية في مجلس النواب الأمريكي، ومدافعة قانونية في مركز بديل للموارد المعني بحقوق اللاجئين الفلسطينيين.

حصلت على الدكتوراه في القانون من جامعة كاليفورنيا – بيركلي، والماجستير في الأمن القومي من جامعة جورج تاون، وقدمت منذ ذلك الحين أعمالًا رائدة في مجالات القانون الدولي الإنساني، وقانون اللاجئين، والأمن القومي، والعدالة الاجتماعية، ونظرية العرق النقدية.

وختم جهشان بالقول إن نورا عريقات تُعد من أبرز الأصوات الفكرية الشابة المؤثرة عالميًا في مجال حقوق الإنسان، وأن تكريمها بجائزة التميز لهذا العام يعكس مكانتها كصوت رائد في الدفاع عن العدالة والحرية.

الحرب والانتخابات

في الجلسة الختامية، ناقش المشاركون العلاقة بين السياسة الخارجية لإدارة ترامب الثانية وتأثيرها على الداخل الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

وأوضحت كاري دان، رئيسة تحرير Cook Political Report، أن تأثير السياسة الخارجية على الانتخابات الأمريكية يظل محدودًا عادةً، لكنها أشارت إلى أن الحرب مع إيران تمثل استثناءً مهمًا نظرًا لانعكاساتها المباشرة على حياة الناخبين.

وأكدت أن هذه الحرب لا تحظى بشعبية، إذ لا يتجاوز التأييد لها 40%، مع تزايد القلق الشعبي بشأن أسعار الوقود والخسائر البشرية المحتملة، حيث أظهر استطلاع لمركز بيو أن 70% من الأمريكيين قلقون من تأثير الصراع على دخلهم، و60% قلقون من الخسائر البشرية في الخارج.

قضية فلسطين

من جانبه، أشار جيمس ج. زغبي، المؤسس المشارك ورئيس المعهد العربي الأمريكي، إلى أن قضية فلسطين لعبت دورًا في الانتخابات السابقة، مستشهدًا بمواقف المرشحين الديمقراطيين في انتخابات 2020 عندما طُرحت أسئلة حول حقوق الإنسان والانتهاكات الإسرائيلية.

وأوضح أن بعض المرشحين اكتفوا بتكرار عبارة “حل الدولتين”، بينما برزت أسماء مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، بيرني ساندرز، كيث إليسون، وكامالا هاريس في طرح القضية الفلسطينية بشكل أوضح. وأضاف أن هاريس كانت تدرك أن ذكر القضية الفلسطينية يثير تفاعلًا جماهيريًا قويًا، وهو ما ظهر في خطاباتها آنذاك.

وأكد زغبي أن القضية الفلسطينية ظلت مثيرة للجدل داخل الحزب الديمقراطي حتى قبل أحداث أكتوبر 2023، وأنها لا تزال تمثل اختبارًا لمدى صدقية المرشحين أمام جمهورهم.

ومع استمرار الحرب في غزة وإيران، يرى زغبي أن هذه القضايا ستظل حاضرة في النقاشات الانتخابية المقبلة، ليس فقط كملفات خارجية، بل كعوامل تؤثر على الداخل الأمريكي من خلال الاقتصاد، الطاقة، والخطاب السياسي العام.

انعكاسات على الداخل

تحدث تشارلز دبليو دن، الزميل الأول غير المقيم في المركز (ACW) والدبلوماسي الأمريكي السابق، عن انعكاسات الحرب على إيران في الداخل الأمريكي، مستندًا إلى نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة.

وأوضح أن تقريرًا بحثيًا أظهر أن نحو 60% من الأمريكيين لا يوافقون على طريقة تعامل الرئيس ترامب مع الحرب، فيما اعتبر نفس العدد تقريبًا أن قرار خوض الحرب باستخدام القوة ضد إيران كان خطأً من الأساس.

كما أشار إلى استطلاع آخر لوكالة أسوشييتد برس كشف أن 59% من الأمريكيين يرون أن استخدام القوة في هذا الصراع كان مفرطًا.

ولخص دن هذه النتائج بأنها تعكس معدلات الموافقة المتدنية على السياسة الخارجية في عهد ترامب، حيث أظهر استطلاع لشبكة CNN في مارس أن 36% فقط يوافقون على طريقة تعامله مع الشؤون الخارجية، و31% على تعامله مع الاقتصاد، وهي أدنى مستويات الموافقة خلال ولايته الثانية.

رد فعل الشباب

وأضاف أن زاوية مثيرة للاهتمام تكمن في رد فعل الشباب الجمهوري، إذ أظهر الاستطلاع أن نسبة كبيرة منهم – أقل من الأغلبية – لا يوافقون على تعامل ترامب مع الصراع، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في القاعدة التقليدية للحزب.

وأشار دن إلى أن هذا التوجه ظهر بوضوح في مؤتمر Turning Point USA الأخير، حيث عبّر عدد من المشاركين الشباب عن فزعهم من الحرب ووصفوها بأنها “عهد منتهك”، بل وبدأ بعضهم يربط بين ترامب وإسرائيل في تحميل المسؤولية عن قرار خوض الحرب.

وأكد أن هذا التحول بين الشباب الجمهوري، الذين أصبحوا أكثر انتقادًا للدعم الأمريكي القوي لإسرائيل منذ حرب غزة عام 2023 وصولًا إلى حرب الـ12 يومًا عام 2025، يُهدد بزعزعة الولاءات التي كانت تُعتبر راسخة داخل الحزب الجمهوري.

اتجاهات الرأي العام

وفي النهاية، أدلى يوسف منير، رئيس برنامج فلسطين/إسرائيل وكبير الباحثين في المركز العربي واشنطن دي سي (ACW)، بتصريحات تناول فيها كيفية وصولنا إلى المرحلة الراهنة. وأوضح أن التحول الكبير في الرأي العام الأمريكي خلال العقد الأخير نتج عن ثلاثة اتجاهات متصاعدة ومتشابكة.

أول هذه الاتجاهات هو تصاعد وتيرة العنف والقمع الإسرائيلي ضد الفلسطينيين خلال السنوات الماضية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا على صورة إسرائيل في الوعي العام الأمريكي.

أما الاتجاه الثاني فيتمثل في تغير الرأي العام استجابةً لهذه الأحداث، حيث باتت قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية وأكثر تعاطفًا مع القضية الفلسطينية.

الاتجاه الثالث، بحسب منير، هو تصاعد محاولات القمع والتأثير السافر لوقف هذا التحول في الرأي العام، سواء عبر الضغط السياسي أو الإعلامي أو عبر جماعات الضغط التي تسعى لتقييد النقاش العام حول هذه القضايا.

وأكد منير أن هذه الاتجاهات الثلاثة متداخلة بشكل كبير، وأنها تشكل معًا السياق الذي يفسر الموقف الأمريكي الحالي من الصراع في فلسطين وإسرائيل، كما أنها تُلقي بظلالها على السياسة الخارجية الأمريكية وعلى النقاشات الداخلية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.


(*) تم ترجمة المقال إلى العربية (بتصرف) بواسطة فريق راديو صوت العرب من أمريكا

ملحوظة: الآراء الواردة في هذا المقال تُعبّر عن رأي كاتبه وحده، ولا تعكس بالضرورة عن موقف المركز العربي بواشنطن دي سي (المصدر الأصلي)، ولا موقف موقع راديو صوت العرب من أمريكا (الناشر للترجمة العربية).

تعليق
Exit mobile version