
في ضوء فضائح إبستين وما كشفت عنه من نفاقٍ عميق داخل نخب سياسية ومالية وإعلامية في الغرب يتعين علينا فهم كيف يُنظر إلى هذا التحول من “الحداثة” إلى ما يمكن تسميته “النجاسة”، ويلزم التفريق بين الشعارات والواقع، وبين الفكرة والتطبيق.
فالوعد الأصلي للحداثة الغربية استند نظريًا على العقلانية وسيادة القانون وتحرير الإنسان من الاستبداد والعمل على حماية الكرامة الفردية، وأسهمت هذه المبادئ في حدوث تقدم علمي وتوفير إطار قانوني حقيقي يحفظ للمواطن كرامته في ظل سيادة القانون.
فكيف حدث الانحراف في الغرب والذي بلغ ذروته في فضيحة إبستين؟
ما كشفت عنه تلك الفضيحة لم يكن سقوطًا مفاجئًا بل نتيجة حتمية لمسار طويل من السقوط التدريجي نتج عن انفصال القيم عن السلوك الأخلاقي، حين تحولت الحرية في الغرب من مسئولية أخلاقية إلى إباحة مطلقة، وتمت إزاحة مفهوم الخير والشر لصالح الرغبات والانغماس في الملذات!
كما أن سيادة القانون سرعان ما أصبحت ضحية لفكرة سيادة النخبة الثرية وسموها على القانون، حيث أن إبستين لم يكن فردًا شاذًا بمفرده، وإنما كان بوابة فساد انخرط فيها سياسيون وزعماء وأمراء ومليارديرات وشخصيات بارزة من الغرب ومن الشرق!
ناهيك عما يشاع من ارتباط إبستين بالموساد، مما يلقي كثيرًا من الضوء على استغلال الفضائح الجنسية لترويض الشخصيات السياسية على أعلى المستويات لخدمة السياسات والأطماع الإسرائيلية.
ومما أسهم في انهيار منظومة القيم الغربية نزوع الرأسمالية المتوحشة إلى انتهاج أسلوب أن كل شيء قابل للشراء، النفوذ والجسد، بل والقاصرات والأطفال. وبطبيعة الحال عندما يصبح الإنسان سلعة تسقط كل قداسة، وتنهار القيم.
والعنصر الإضافي الذي أسهم في تحول الغرب من الحداثة إلى النجاسة هو صمت الإعلام الغربي حينما يتعلق الأمر بأصحاب السلطة والنفوذ، خاصة في ظل الفترة الرئاسية الثانية للرئيس ترامب ونزوعه إلى التطاول على وسائل الإعلام التي لا تمجد نرجسيته المفرطة!
ولكن لماذا يبدو الانهيار صادمًا؟
لأن الغرب طالما نصّب نفسه واعظًا أخلاقيًا للعالم، ودرج على محاكمة الآخرين باسم القيم، بينما هو غارق في الانحراف، وفاشل في محاسبة نفسه، فالسقوط الأخلاقي يكون أفدح حين يصدر ممن يدّعي الطهارة.
الخلاصة: ما جرى مع إبستين ليس انتقالًا من الحداثة إلى “النجاسة”، بل كان كشفٌا لحداثةٍ بلا أخلاق، وقوةٍ بلا محاسبة، وحريةٍ بلا ضمير
والدرس الأهم: لا حضارة تُقاس بتقدمها التقني، بل بقدرتها على محاسبة الأقوياء وحماية الضعفاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) محمد المنشاوي: باحث وكاتب متخصص في الشؤون الأمريكية، ظهرت كتاباته في كبريات الصحف الأمريكية مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز وفورين بوليسي وغيرهم، وعمل في عدد من مراكز الأبحاث بواشنطن.
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع



