أميركا بالعربيسياحة وسفر

قصة تمثال الحرية.. لماذا رفضته مصر واستقبلته أمريكا؟

في مثل هذا اليوم، وتحديدًا في 17 يونيو 1885، وصل تمثال الحرية إلى ميناء نيويورك قادمًا من فرنسا، كهدية تذكارية، بهدف توثيق العلاقات بين البلدين بمناسبة الذكري المئوية للثورة الأمريكية.

ومنذ ذلك الحين استقر التمثال بموقعه المطل علي خليج نيويورك، ليكون في استقبال كل زائري البلاد، سواء كانوا سائحين أو مهاجرين.

قصص كثيرة تروى حول هذا التمثال الشهير، الذي يقبع في موقعه على خليج نيويورك منذ 134 عامًا، أشهرها أن هذا التمثال صنع ليجسد فلاحة مصرية، وكان من المنتظر أن يتم صنعه لمصر، على أن يتم وضعه في مدخل قناة السويس، التي كان قد تم افتتاحها حديثًا وقتها.

فما حقيقة هذه الروايات؟، ولماذا رفضت مصر استضافة هذا العمل الفني الشهير، الذي أصبح فيما بعد من أهم المعالم، ورمزًا للحرية في أمريكا والعالم أجمع؟!.

تمثال لمصر

الثابت تاريخيًا أن تمثال الحرية قام بتصميمه النحات الفرنسي فريدريك أوجست بارتولدي، بينما صمم هيكله الإنشائي جوستاڤ إيفل، مصمم برج إيفل.

وولد النحات فريدريك بارتولدي في مدينة كولمار في إقليم الألزاس الفرنسي المجاور للحدود مع ألمانيا، ثم توجه إلى باريس ليكمل دراسته في العمارة والرسم، وبعدها خرج في رحلة طويلة إلى مصر واليمن، حيث سمع بمشروع شق قناة السويس، وخطرت بباله فكرة إنشاء تمثال ضخم على مدخل القناة يقوم هو بتصميمه.

وتذهب الروايات التاريخية إلى أنه في عام 1869 قام فريدريك بارتولدي بتصميم نموذج مُصغر لمنارة على شكل فلاحة مصرية مسلمة، تلبس الثوب الطويل، وترفع يدها حاملة شعلة يخرج منها ضوء لإرشاد السفن، وتحمل شعار “ُEgypt Carrying the Light to Asia”، “مصر تحمل الضوء لأسيا”.

وذكر موقع “فرانس 24” أن باري مروينو، والذي ألّف العديد من الكتب عن تمثال الحرية، قال إنَّ مصمم التمثال “فريدريك بارتولدي” أخذ فكرة التمثال من شكل فلاحة مصرية محجَّبة، وذلك خلال الفترة التي زار فيها مصر بينَ عامي 1855-1856، وكان دليله على هذا الكلام هو وجود مخطوطات قديمة لبارتولدي توجد فيها تصميمات توضح ذلك.

بينما كانت أشعة الشمس على الرأس في التصميم مستقاة من عملة مصرية تاريخية تظهر بطليموس الثالث الحاكم الثالث من البطالمة في مصر.

وعرض بارتولدي النموذج على الخديوي إسماعيل، واقترح عليه أن يتم وضع التمثال في مدخل قناة السويس المفتتحة حديثا في 16 نوفمبر من نفس العام.

لكن الخديوي إسماعيل اعتذر عن قبول اقتراح بارتولدي نظرًا للتكاليف الباهظة التي يتطلبها هذا المشروع، حيث لم يكن لدى مصر السيولة اللازمة للإنفاق عليه، خاصة بعد تكاليف حفر القناة ثم تكاليف حفل افتتاحها، وقرر الخديوي بدلًا من ذلك بناء منارة بارتفاع 180 قدمًا.

إهداء لأمريكا

بعد فشل مفاوضات فريدريك بارتولدي مع خديوي مصر، فكر في تنفيذه بالولايات المتحدة، وخطرت له هذه الفكرة خلال إبحاره في ميناء نيويورك عام 1870، إذ خيل له أن يكون هناك تمثال من صنع الفرنسيين يمكث في وسط المياه يرحب به وبكل من يعبر.

ومن هنا بدأ عرض الفكرة التي لاقت استحسان البعض، والبعض الآخر لم يستوعب الفكرة ووجد صعوبة في تنفيذها.

وكانت الجمهورية الفرنسية الثالثة (1870-1940) في هذا التوقيت تتملكها فكرة إهداء هدايا تذكارية لدول شقيقة عبر البحار، من أجل تأصيل أواصر الصداقة بها.

لذلك تم التفكير في إهداء الولايات المتحدة الأمريكية هذا التمثال في ذكري احتفالها بالذكرى المئوية لإعلان الاستقلال، والتي كان سيحين موعدها وقتها في 4 يوليو 1876.

وبالفعل تم الاتفاق على أن يتولى الفرنسيون تصميم التمثال، بينما يتولي الأمريكيون تصميم القاعدة التي سوف يستقر عليها.

جمع التمويل

وبدأت حملة في كلا البلدين لإيجاد التمويل اللازم لمثل هذا المشروع الضخم؛ ففي فرنسا كانت الضرائب ووسائل الترفيه التي يستخدمها المواطنون وكذلك اليانصيب هي الوسائل التي استطاعت من خلالها فرنسا توفير مبلغ 2,250,000 فرنك لتمويل التصميم والشحن إلى الولايات المتحدة.

بينما كانت المعارض الفنية والمسرحية وسيلة الأمريكيين لتوفير الأموال لبناء قاعدة التمثال، وكان يقود هذه الحملة السيناتور وعمدة نيويورك ويليام إيفارتز الذي أصبح وزيرًا للخارجية فيما بعد.

كما قام جوزيف بوليتزر – صاحب جائزة بوليتزر فيما بعد – بحملة من خلال الجريدة التي كان يصدرها تحت اسم “أخبار العالم”.

أيضًا قامت به الشاعرة الأمريكية إيما لازاروس بتأليف قصيدة تسمي قصيدة التمثال الجديد في 2 نوفمبر 1883، لكن هذه القصيدة لم تصبح مشهورة إلا بعد ذلك بسنوات.

ففي عام 1903 تم وضع لوحة تذكارية من البرونز على حائط قاعدة البرج الداخلية مكتوبًا عليها كلمات الشاعرة لازاروس، وذلك بعد 20 عامًا من كتابتها في 1883.

تصميم وتنفيذ

وقام المعماري الأميركي ريتشارد موريس هنت بتصميم القاعدة، وانتهى منها في أغسطس من العام 1885 ليتم وضع حجر الأساس في الخامس من هذا نفس الشهر.  وبعدها بعام اكتملت أعمال بنائها في 22 إبريل 1886.

أما عن الهيكل الإنشائي، فكان يعمل عليه المهندس الفرنسي يوجيني لو دوك، لكنه توفي قبل الانتهاء من التصميم، فتم تكليف غوستاف إيفل ليقوم بإكمال ذلك العمل.

وبالفعل قام إيفل بتصميم الهيكل المعدني بحيث يتكون من إطار رئيسي للتمثال يتم تثبيته في إطار ثاني في القاعدة لضمان ثبات التمثال.

ومن المعروف أنه تم عرض أجزاء من تمثال الحرية في باريس وفيلادلفيا قبل وصوله كاملا إلى نيويورك في 1885.

حيث عرض رأس التمثال على حده، وكذلك الشعلة ويد التمثال، اللذان جرى عرضهما في فيلاديلفيا لمدة 10 سنوات، منذ 1876، حتى تم الانتهاء من التمثال بالكامل في عام 1884، وتم عرضه في باريس، حتى انتهت الولايات المتحدة من بناء قاعدة التمثال، وهي الجزء الوحيد الذي شاركت في صناعته أمريكا.

ويقال إن فكرة وجه التمثال استلهمها الفنان فريدريك بارتولدي من وجه أمه، بينما كان جسده يشبه تمامًا جسد حبيبته.

التمثال يصل أمريكا

لم تكن مهمة نقل التمثال إلى أمريكا بالأمر السهل، حيث كانت في غاية الدقة، إذ تم تعبئة التمثال على شكل أجزاء، وصلت إلى 350 قطعة، تم وضعها في 214 صندوقًا، وتم شحنها على الباخرة الفرنسية إيزري.

ووصلت الباخرة إلى ميناء نيويورك في 17 يونيو 1885، وتم إنزال أجزاء التمثال وتخزينها لحين انتهاء أعمال بناء القاعدة التي سيوضع عليها، والتي انتهت في وقت لاحق لوصول التمثال.

وفي 28 أكتوبر 1886 – أي بعد انتهاء اكتمال بناء قاعدة التمثال بـ 6 أشهر – قام الرئيس جروفر كليفلاند بافتتاح التمثال في احتفال كبير، ألقى فيه السيناتور وعمدة نيويورك الذي قاد حملة التبرعات – ويليام إيفارتز كلمة بهذه المناسبة.

وفي عام 1916 – في إطار الحرب العالمية الأولى – وقع انفجار في مدينة جيرسي ألحق أضرارا بالتمثال بلغت قيمتها 100 ألف دولار أمريكي، مما أدّى إلى تحديد حجم الزائرين حتى تم الإصلاح.

وفي 15 أكتوبر 1924 تم إعلان التمثال والجزيرة كأثر قومي، وتقوم بإدارتها إدارة الحدائق الوطنية، وهي تعتبر الجهة الفيدرالية المنوط بها إدارة المناطق الأثرية في جميع أنحاء الولايات.

وفي 28 أكتوبر 1936 تم الاحتفال باليوبيل الذهبي لإنشاء التمثال، حيث قام الرئيس فرانكلين روزفلت بإعادة إهداء التمثال، والاعتراف بفضله على الأمة الأمريكية.

وفي عام 1984، انضم التمثال إلى قائمة مواقع التراث العالمي التي تقوم بتصنيفها اليونسكو. وبعدها بسنتين في عام 1986 واستعدادا للاحتفال بمئوية التمثال، تم عمل ترميم شامل له وتم تركيب طبقة ذهبية جديدة للمشعل تتلألأ عليها أضواء مدينة نيويورك ليلاً.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، قامت السلطات الأمريكية بإغلاق التمثال والمتحف والجزيرة أمام الجمهور لمراجعة الإجراءات الأمنية وتطويرها.

ثم أعيد افتتاح الجزء الخارجي في 20 ديسمبر 2001. وظلت باقي الأجزاء مغلقة حتى تم افتتاح القاعدة مرة أخرى للجمهور في 3 أغسطس 2004 – أي بعد 3 سنوات من الإغلاق- لكن لا يـُسمح بعد بالدخول إليه.

ويتعرض الزائرين لتفتيش أمني مشابه لذلك المعمول به في المطارات ضمن الإجراءات الأمنية الجديدة.

وصف التمثال

الاسم الرسمي لهذا التمثال هو (الحرية تنير العالم)، أو ما يعرف بالإنجليزية: Liberty Enlightening the World، وهو يمثل الديمقراطية أو الفكر الليبرالي الحر Liberal Thought.

ويرمز التمثال إلى سيدة تحررت من قيود الاستبداد التي ألقيت عند إحدى قدميها. وتمسك هذه السيدة في يدها اليمنى مِشعلاً يرمز إلى الحرية، بينما تحمل في يدها اليسرى كتاباً نقش عليه بأحرف رومانية جملة “4 يوليو 1776″، وهو تاريخ إعلان الاستقلال الأمريكي.

بينما ترتدي على رأسها تاجًا مكونًا من 7 أسنة، تمثل أشعة ترمز إلى البحار السبع، أو القارات السبع الموجودة في العالم.

ويرتكز التمثال على قاعدة أسمنتية- جرانيتية يبلغ عرضها 47 مترًا (154 قدم)، ويبلغ طوله من القدم إلى أعلى المشعل 46 مترًا (151 قدم)، بينما يبلغ الطول الكلي بالقاعدة 93 مترًا (305 قدم). ويتكون من ألواح نحاسية بسمك 2.5 مم (0.01 إنش) مثبتة إلى الهيكل الحديدي، ويزن إجمالياً 125 طن.

ويحيط بالتمثال ككل حائط ذو شكل نجمي (نجمة ذات 10 رؤوس)، وقد تم بناؤه في عام 1812 كجزء من حصن وود، والذي استخدم للدفاع عن مدينة نيويورك أثناء الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865).

مشكلة الذراع

ويشتهر تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة، لكن مخططات مكتشفة حديثا كشفت أن هذه الذراع تم تعديلها في اللحظات الأخيرة، ما غيّر خطط المهندس الفرنسي جوستاف إيفل الذي ساعد في تصميمها.

وحدد إيفل كيفية جعل التصميم المرسوم لتمثال الحرية سليمًا من الناحية الهيكلية. ولم يكن ذلك سهلا بالنظر إلى أن ميناء نيويورك يعاني من رياح شديدة.

وتظهر المخططات التي تم تحليلها حديثًا أن إيفل صمم في الأصل ذراع تمثال الحرية لتكون أكثر قوة وعمودية، أي أكثر ثباتًا مما هي عليه اليوم، وفقا لمجلة Smithsonian magazine، التي غطت القصة لأول مرة.

لكن المخططات تكشف أن فريديريك بارتولدي الذي نحت التمثال، عدّل الذراع لتكون أكثر نحافة وميلاً إلى الخارج، ما يجعلها أكثر جمالية، ولكنها أيضًا أكثر هشاشة.

وفي الثمانينيات، اقترح المهندسون تحصين ذراع التمثال، لكن المحافظين تدخلوا قائلين إن التمثال لا ينبغي أن يميل عن رؤية بارتولدي.

زوار من كل مكان

ويستقر التمثال علي جزيرة الحرية الواقعة في خليج نيويورك؛ حيث يبعد مسافة 600 مترًا عن مدينة جيرسي بولاية نيوجيرسي، و2.5 كيلومترًا إلى الجنوب الغربي من مانهاتن، بمساحة إجمالية تقدر بـ 49,000 متر مربع.

ويتم الوصول إلي الجزيرة باستخدام العبارات، ثم يقوم الزوار بالصعود إلي التاج أعلي التمثال باستخدام السلالم، ومنه يطلون علي مشهد بانورامي لخليج نيويورك وما حوله.

ويمكن للزائر أن يتعرف علي تاريخ التمثال من خلال زيارة المتحف الموجود في قاعدة التمثال، ويتم الصعود إليه باستخدام المصاعد.

في الذراع اليمني الممسكة بالمشعل يوجد سلمًا يصعد لهذا التاج، لكنه مقصور فقط على العاملين بالتمثال؛ حيث يتم استخدامه في أعمال الصيانة اللازمة للإضاءة الموجودة بالتاج.

أما الصعود للمشعل فكان معمولا به حتى عام 1916 حيث أغلق أمام الجمهور. ويتعدي عدد زوار التمثال سنويًا حاجز ثلاثة ملايين زائر،.

وهناك مئات من تماثيل الحرية تم نصبها في أرجاء العالم، أشهرها تلك الموجودة في باريس، النمسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، الصين، وفيتنام، لكن العالم كله يعرف تمثالًا واحدًا للحرية، وهو تمثال نيويورك.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين