سياحةسياحة العالم العربي

الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية.. شاهد على التاريخ

قصص وحكايات ومواقف تاريخية هامة عن الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية

السر وراء إطلاق قول “الدم حيبقى للركب”

حكاية رأس وجسد القديس مرقس في الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية

الكاتدارئية تحتوى على لوحات من الموزاييك تحكي قصة كفاح القديس مرقس، والكرسي البابوي الذي جلس عليه بابوات الإسكندرية في القرن 19 و20

أجرى الحوار/ حسام عبد القادر

“يا حظ مصر، زارها السيد المسيح والعائلة المقدسة، وذكر اسمها في الكتاب المقدس عدة مرات” هذا ما ذكرته الملكة فيكتوريا الأم ملكة إنجلترا في قول مشهور عن مصر، فمصر هي أول بلد زارها السيد المسيح والسيدة العذراء، ويوسف النجار “العائلة المقدسة”، وهو ما يجعل مصر دائما محط أنظار واهتمام العالم، وكل الأديان.

كما توجد نبوءة في سفر أشعياء حبث ذكر وعد الله “هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر.. في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر، وعمود للرب عند تخمها”، وقد تحقق الجزء الأول من النبوءة بمجئ العائلة المقدسة إلى مصر حيث كرس المسيح بنفسه مذبح الكنيسة الواقعة في دير السيدة العذراء المعروف بالمحرق في وسط أرض مصر.

أما الجزء الثاني فقد تحقق بمجئ القديس ماري مرقس الرسول عام 61 ميلادية إلى الإسكندرية، عند حدود مصر حيث بشر أهلها بالمسيحية مؤسسا كرسي الإسكندرية الرسولي المعروف باسم الكنيسة القبطية.

وللكنيسة القبطية والكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية قصة طويلة ومواقف تاريخية هامة تشهد على عصر من أهم العصور التي مرت بمصر.

وتقع الكاتدرائية المرقسية في محطة الرمل وسط الإسكندرية، وهي واحدة من أكبر وأقدم الكنائس في أفريقيا والشرق الأوسط، وشاهد على التاريخ، وعلى اضطهاد الرومان للمسيحيين في عصر من أسوأ عصور الظلام التي شهدتها مصر، وهو العصر الذي تم فيه قتل المسيحيين علنا في الشوارع وسالت دماؤهم في مذبحة تعد من أكبر مذابح التاريخ.

حتى أن القول المصري الشهير “الدم حيبقى للركب” جاء من حادثة تاريخية، أثناء حكم الإمبراطور الروماني إقليديانوس، وهو من أشهر أباطرة الرومان الذين عذبوا المسيحيين، وفي يوم أصدر أوامره بقتل المسيحيين وأمر جنوده ألا يتوقفوا عن القتل حتي يصل دم المسيحيين إلى الركب، وظل الجنود يقتلون المسيحيين حتى تعبوا، ثم حدث أن وقع حصان على الأرض فوصل الدم إلى ركبته، فأوقفوا القتل، ومن هنا جاء التعبير الشهير.

تاريخ الكاتدرائية المرقسية

ويروي القس أبرام إميل ناجي الكاهن بالكاتدرائية المرقسية وسكرتير مجلس الكهنة بالإسكندرية والمنسق الإعلامي لإيبارشية الإسكندرية حكاية هذه الكنيسة العريقة وأهميتها التاريخية، ففي سنة 61 ميلادية جاء القديس ماري مرقس إلى الإسكندرية، وكان من عائلة غنية من شمال أفريقيا، نزحت إلى فلسطين وهناك تقابل وهو شاب مع السيد المسيح وأصبح واحدا من السبعين رسولا، الذين اختارهم المسيح للكرازة حيث سمع تعاليمه، وهو كاتب الإنجيل المعروف باسمه.

ثم جاء ماري مرقس إلى مصر عن طريق شمال أفريقيا وبالتحديد ليبيا، وعندما وصل إلى الإسكندرية كانت وقتها مدينة مشهورة بالثقافة والفلسفة اليونانية وكان بها العديد من الفلاسفة.

وحدث أن تمزق حذاؤه أثناء سيره في الطريق، فذهب إلى إسكافي يدعى “أنيانوس” وعند إصلاح الاسكافي للحذاء جُرح، فصرخ قائلا “أيها الله الواحد” متأثرا بعقيدة التوحيد المصرية القديمة حيث كانوا يعتقدون في وجود إله واحد، فسأله ماري مرقس عن معرفته بالله الواحد، وبدأ يعرفه تعاليم المسيحية حتى آمن، فحول بيته ليكون أول كنيسة في أفريقيا والتي عرفت باسم كنيسة “بوكاليا”، ومن المرجع وفقا لمعظم المصادر أن مكانها هو مكان الكاتدرائية المرقسية الحالية.

وأصبح أنيانوس هو البطريرك رقم 2 بعد القديس ماري مرقس، واستمرت سلسلة البطاركة وأصبح البابا شنودة رقم 117، والبابا تواضرس رقم 118.

وعند رجوع ماري مرقس من روما وجد كنيسته الوليدة في نمو مستمر، مما آثار حفيظة الوثنيين فقاموا بالهجوم على الكنيسة ليلة عيد القيامة عام 68 ميلادية واقتادوا القديس من أمام المذبح وجروه في الشوارع مربوطا في الخيل حتى تهرأ جسده، وواصلوا تعذيبه بمنتهى الوحشية حتى انفصلت رأسه عن جسده وانطلقت روحه إلى السماء فأخذ المؤمنون الرفات ووضعوه في كنيستهم.

وتعرض جسد القديس ماري مرقس للسرقة بواسطة بحارة من فينسيا في القرن التاسع ونقلوه إلى هناك وبنوا له كاتدرائية ضخمة وصار شفيعا لدولتهم من ذلك الوقت، ولكن الرأس حفظت بالإسكندرية في كنيسته.

وفي عام 1968 وفي عهد البابا كيرلس السادس الـ116 تم استرجاع جزء من الجسد من فينسيا ليوضع في مزار خاص تحت الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة.

مراحل التطوير

وتهدمت الكاتدرائية المرقسية عدة مرات وأعيد بناؤها، والكنيسة الحالية أنشئت عام 1870 ميلادية على الطراز البيزنطي، مزينة بعدد كبير من الأيقونات.

وفي عام 1950 أصبحت بعض أجزاء الكنيسة آيلة للسقوط فتم هدمها وإعادة بنائها من جديد وأشرف على الترميم المهندس أنيس يوسف، وفي 1952 افتتح البابا يوساب الثاني (رقم 115) الكتدرائية الجديدة والمصلى والقداس، وقد تم الاحتفاظ بحامل الأيقونات الرخامي والإنبل والكرسي البابوي مع باقي الأيقونات الأثرية بالكنيسة، كما تم نقل الأعمدة الرخامية الستة التي كانت ترتكز عليهم الكنيسة إلى المدخل، وتم الاحتفاظ بالمنارات بعد تعليتها وتزيينها بنقوش قبطية جميلة وتقويتها بقمصان من الخرسانة.

وفي عام 1985 بدأ في عهد البابا شنودة الثالث احتياج لتوسيع الكنيسة نظرا لزيادة عدد المصلين، وقام بالتوسعة المهندس وفيق أنيس أبن المهندس الراحل أنيس يوسف والذي قام بترميمها عام 1950، واستطاع أن يقدم عملا هندسيا مميزا حيث احتفظ بنفس الطابع المعماي للكنيسة القديمة.

وفي 1990 قام البابا شنودة الثالث “البطريرك الـ117” بافتتاح التوسعة، وأصبحت الكاتدرائية واحدة من أضخم الكنائس في أفريقيا والشرق الأوسط، إذ تسع حوالي 1200 مصليا جلوسا، وحوالي 1500 آخرين وقوفا.

ويضيف القس أبرام إميل ناجي أن الكنيسة تتكون من سبعة مذابح، ثلاثة في صحن الكنيسة، واثنين في بلكونات الكنيسة، الأولى على اسم الأنبا انطويوس الشهير بأب الرهبنة، والثانية على اسم القديس ماري مينا العجايبي، وهو أحد الشهداء المشهورين بالكنيسة.

وهناك مذبح على اسم الأنبا ابرام اسقف الفيوم المتنيح، وهو مذبح ملحق بكنيسة صغيرة، بالإضافة لمذبح آخر على اسم القديس أبانوب، وهو قديس شهيد من القرن الرابع الميلادي استشهد في سن الطفولة.

فالكنيسة الأرثوذكسية في مصر تتوج على عامودين رئيسيين: الأول الرهبنة، والثاني: الشهداء، حيث قدمت شهداء في العصر الروماني، وشهداء الكنيسة المصرية أكبر من كل شهداء الكنائس في العالم.

مزار سياحي

وبالكنيسة مزار سياحي هام، ففي منتصف الكنيسة من الناحية الجنوبية يوجد مدخل المقبرة الأثرية الشهيرة التي تضم رفات عدد كبير من الآباء بطاركة الكرسي السكندري في الألفية الأولى الذين كانوا يدفنون أسفل الكنيسة، وتوجد لوحة رخامية مدون عليها أسمائهم باللغات القبطية والعربية والإنجليزية، كما يقول التقليد أن رأس القديس ماري مرقس مدفونة تحت الكنيسة.

ويقول القس أبرام أن هذا المزار يزوره عدد كبير من السياح من مختلف الجنسيات، ولذلك نتمنى أن يتم وضع الكنيسة المرقسية على خريطة السياحة السكندرية، مثلها مثل المتاحف والمزارات السياحية الأخرى.

كما أن هناك بهوا صغيرا به مجموعة من اللوحات الموزاييك التي تقص حياة القديس مارمرقس، صممها في السبعينيات المرحوم الدكتور إيزاك فانوس.

ويجد أيضا حامل الأيقونات الأثري وأمامه الكرسي البابوي وهو من الخشب المعشق وينتمي إلى الفن القبطي ويظهر أمامه أسدان “رمز القديس مرقس الرسول” وهذا الكرسي هدية من الإكليروس والشعب السكندري إلى البابا شنودة الثالث البطريرك 117، ويعود تاريخه إلى عام 1994.

وتحتفظ الكتدرائية أيضا بالكرسي البابوي الأثري والذي جلس عليه العديد من بابوات الإسكندرية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ومنهم البابا كيرلس الخامس أطول من جلس على كرسي مارمرقس (52 سنة و9 شهور)، والبابا كيرلس السادس والذي يطلق عليه رجل الصلاة والمعجزات.

ويوجد على اليسار بالكنيسة “الإنبل” وهو من بقايا الكنيسة الأثرية وكان يستخدم قديما للوعظ والتعليم، ولم يكن هناك ميكرفونات وقتها.

وفي الجانب الشمالي الشرقي من الكنيسة مقصورة بها جزء آخر من جسد القديس مرقس وتعلوه أيقونة أثرية للشهيد مغطاة بالفضة.

كما تحتوي المقصورة على أجزاء من رفات القديس انيانوس البطريرك الثاني وشهداء أخميم والفيوم والقديس أبوللو، وهناك أيضا أيقونة أثرية للسيدة مريم العذراء.

وفي الجهة الشماة الغربية للكنيسة نجد سلما نازلا يقودنا إلى حجرة المعمودية وهي مصممة على الطراز القبطي وبها أيقونة من الموزاييك تمثل السيد المسيح وهو يعتمد من يوحنا في الأردن، كما توجد بها أيقونة من الزجاج المعشق تمثل دفن السيد إذ أن المعمودية ما هي إلا دفن وقيامة مع المسيح.

وبجانب المعمودية نجد كنيسة القديس أبانوب وهي كنيسة مخصصة للأطفال تقام فيها القداسات الخاصة بهم، ويأخذون بها دروس التربية الدينية والألحان الكنسية فيرتبطون بالكنيسة من صغرهم ويحبون العبادة منذ نعومة أظافرهم.

ملحق أيضا بالكاتدرائية كنيسة صغيرة على اسم الأنبا ابرام أسقف الفيوم الذي اشتهر بعمل الرحمة مع الفقراء والمساكين، وتقع الكنيسة أسفل الجانب الشمالي الشرقي للكاتدرائية بجوار مدفن القمص شنودة عبد المسيح والقس شنوده حنا.

وملحق بالكنيسة المقر الباباوي وهو مقر قداسة البابا وبه مكان الإقامة الخاص بالبابا عندما يزور الإسكندرية وقاعة الاجتماعات ودراسة الكلية الإكليركية التي تدرس علم اللاهوت، ومسرح للأنشطة الكنسية.

أيضا ملحق بها الديوان البطرايركي والذي يوجد به الموظفين والإداريين الذين يقومون بتسهيل الخدمات الخاصة بالشعب المسيحي.

ويخدم بالكنيسة خمسة من الآباء الكهنة، وهم: القمص إبراهيم فهمي نوار، القمص مرقس جبرا، القس ابرام إيميل، القس كيرلوس فتحي، القس مكاريوس وهيب، وخرج منها العديد من الكهنة الذين يخدمون حاليا في كنائس خارج مصر، ويقدمون العظات للمهاجرين.

ويوجد بها عدد كبير من الشماسة، والشماس هو من يقرأ القراءات أثناء الصلاوات في الكنيسة وهو الذي يقول الألحان الكنسية، أما الخدام فمهتمهم هي التربية الكنسية، حيث يحضرون الأطفال والشباب من كل المراحل ويعطونهم دروسا في مباديء الإنجيل وتاريخ الكنيسة ويعلمونهم تعاليم قائمة على مباديء الإنجيل مثل احترام الآخر، والتعايش السلمي، وتعاليم تفيدهم بالمجتمع.

وعن أسباب هجرة الأقباط يقول القس أبرام أن هجرة الأقباط دائما مرتبطة بالظروف السياسية والاقتصادية، ففي بعض الأوقات تزيد الهجرة، إلا أنها تقل عند الاستقرار والشعور بالأمان وهو ما نشهده حاليا.

احتفالات الأعياد

وعن طريقة الاحتفال بالأعياد وعيد القيامة يقول القس أبرام أميل أن رأس السنة الميلادية مناسبة نحب أن نبدأها بوجودنا بحضرة الله، فنشجع الناس أن تبدأ السنة الجديدة داخل الكنيسة خلال صوات وشكر إلى الله، وتضرع أن يعطينا الله سنة مليئة بالسلام والفرح، فنبدأ ليلة رأس السنة بالصلاوات، وتنتهي بالقداس الأليحي عند وقت الفجر.

أما بالنسبة لعيد الميلاد، فالاحتفال به مقسم إلى جزئين: الأول في المساء ويكون بالقداس الإلهي وينتهي بعد منتصف الليل، وبعد القداس يمكن أن يفطر الصائمين، وفي هذا القداس يكون فرصة بكل الكنائس لاستقبال الأخوة المسلمين المهنئين بالعيد، وكل الكنائس يكون بها وفود رسمية أو شعبية، بعد عظة القداس.

أما الجزء الثاني، يكون يوم العيد صباحا، وتقام فيه أنشطة واحتفالات بالعيد تخص خدمة التربية الكنسية وتخص أيضا الفئات المرضى وكبار السن والأيتام والمعاقين، وزيارات للملاجيء والمستشفيات.

خدمات مجتمعية

ويؤكد القس ابرام أميل أن الكنيسة المصرية القبطية تقدم خدمات مجتمعية كثيرة في خدمة الفئات الضعيفة مثل ذوي الاحتياجات الخاصة من مرضى، وتخدم المجتمع ولا تفرق بين مسلم أو مسيحي، وتقدم خدمة المستشفيات التابعة للكنائس، وتقدم خدمة بأسعار غير هادفة للربح، ولا تفرق بين أفراد المجتمع الواحد.

أيضا خدمة المدارس التي تقدم التعليم القائم على المبادئ الانسانية والتي ترتقي بفكر الإنسان وتزرع فيه المبادئ مثل قبول الآخر، والتعدد دون النظر إلى دين.

الوسوم

اعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.