الراديوتغطيات خاصة

الأسوة الحسنة.. كيف نقتدي بالنبي محمد في ذكرى مولده؟

أجرى الحوار: سامح الهادي ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

كل عام والأمة الإسلامية بخير بمناسبة ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، راديو صوت العرب من أمريكا احتفل معكم بهذه الذكرى العطرة في حلقة خاصة، حيث ناقش الاعلامي سامح الهادي مع ضيوف الحلقة مظاهر الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وكيفية جعل المناسبة دعوة مفتوحة للمسلمين للاقتداء بنبيهم الكريم في أقواله وأفعاله وأخلاقه، امتثالًا لقول الله تعالى: “لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ”.

كما تعرضت الحلقة لكيفية تناول علماء ومفكري الغرب لسيرة النبي محمد، وعناصر القوة في شخصيته كإنسان وقائد ونبيّ، وكيف تم وصفه بأنه أعظم الرجال الخالدين في ذاكرة العالم، من وجهة نظر مفكرين غربيين من المسيحيين واليهود.

ضيوف الحلقة من ميشيغان؛ الدكتور موفق الغلايينى، إمام المركز الإسلامي بمدينة Grand Blanc بميشيغان، والدكتور فاتح حسني محمود عبدالكريم الصافوطي، أستاذ القرآن وعلومه في عدة جامعات، وعضو هيئة التدريس وأستاذ الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بمينيسوتا في أمريكا.

رسول للعالمين
في بداية الحلقة؛ بدأ الدكتور فاتح حسني الصافوطي، حديثه عن أهمية الاحتفال بمولد النبي محمد ﷺ ومدى دلالة ذلك، حيث أكد أن النبي محمد ﷺ ليس مجرد شخص عابر في حياتنا، بل هو منقذ في حياتنا للبشرية جمعاء، فهو رسول للعالمين أجمعين وليس للعرب خاصة، حيث قدم للبشر حلولًا تنير حياتهم في كل المجالات، وجعل من الشارد مهديًا ومن الضال عارفًا، فشخصيته ليست عابرة، ونحن حين نحتفل بمولده ﷺ فإن هذا ليس إجراءً عباديًا، بل إجراءً احتفاليًا، نزيد التذكر بالنبي من خلاله، ونعرّف العالم وغير المسلمين به، وكيف نتقرب من الله به أكثر، وكيف نهتدي به أكثر.

وحول التطرف الموجود في صور الاحتفال بمولده ﷺ قال الصافوطي إن قضية اختلاف صور وأشكال الاحتفال ترجع إلى أنه لم تردنا من الرسول ﷺ طريقة معينة للاحتفال، فهناك من يقيم الذكر والابتهالات، وهناك من يلقي الخطب والدروس حول سيرته ﷺ، وهناك من يقيم مهرجانًا للاحتفاء ويكون فيه الإنشاد حول سيرته ﷺ، وهكذا تتعدد صور الاحتفالات وتختلف بحسب العادات، فالاحتفال بحد ذاته ليس قضية دينية بحتة، فنحن علاقتنا بالنبي محمد علاقة دينية بالتطبيق العملي.

وأكد الصافوطي أن الاحتفال الحقيقي بمولد النبي ﷺ هو من خلال التمسك بخلقه وسلوكياته وتطبيقها وتقديمها إلى العالم، مضيفًا أننا نريد فقط ممن يقرأ سيرته ﷺ أن يقرأها بإنصاف ودون تحيز، “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”، كل ما نريده فقط هو الإنصاف عند قراءة السيرة النبوية الشريفة، وتناول الصافوطي بالشرح السبب الحقيقي للغزوات والتصوير الخاطئ لها الآن من قبل البعض.

التقويم الهجري
وحول سبب عدم أخذ تاريخ مولد النبي محمد كبداية للتقويم الإسلامي، بدلًا من التقويم الهجري الذي يعتمد على الهجرة كبداية له والذي اعتمده الخليفة عمر بن الخطاب، قال الصافوطي إن ميلاد النبي ﷺ حدث جميل ورقيق على القلوب، ولكن هناك دين أعظم من النبي ﷺ، ولذلك عندما جاء سيدنا عمر (رضي الله عنه) ليتخذ تقويمًا للمسلمين، بدأه بمرحلة الهجرة لأن الهجرة تمثل تحولًا من مرحلة استضعاف إلى مرحلة استخلاف، فتلك المرحلة كانت فارقة للإسلام كله وللمسلمين أجمعين، نحن أمة لا تتعلق بشخص كشخص، فعلاقتنا بمحمد ﷺ كهدي وتبلغ ورسالة، ثم بعد ذلك كشخص على الرؤوس.

عبقرية محمد
أشاد الكاتب البريطاني المرموق برنارد شو بالنبي ﷺ، وهذه الشهادة مجرد إقرار حق، فالنبي لا تنقصه شهادته أو شهادة غيره، وقال شو إن “محمد هو الشخص الوحيد القادر على حل الكثير من المشكلات التي يعيشها العالم الآن، بينما يتناول فنجان قهوة”، فلماذا قدّمه برنارد شو كشخص قادر على حل المشكلات ولم يقدمه كداعية سلام أو مطور تنمية بشرية أو ناشر للدين؟.

أجاب الصافوطي بالقول، إن “برنارد شو هو واحد من بين آلاف ممن أنصفوا النبي ﷺ، برنارد شو حين تحدث عن انهيار الكنيسة في العصور الوسطى وغرق المجتمع في المشكلات، فإنه كان يخاطب أناس تحيط بهم المشكلات في كل شيء في حياتهم، ومن المؤسف أن الناس في تلك المرحلة هناك كانوا قد تدربوا على كراهية محمد ﷺ، ولكن شو قال إن هذا النبي هو المخلص للبشرية، هكذا قالها حين كانت الشعوب غارقة في الفوضى والجهل والمشكلات”.

وأضاف الصافوطي أنه “ربما لو لم تكن تلك الظروف هي المحيطة ببرنارد شو لتحدث أكثر عن شخصية النبي محمد، وتعمق في دراستها، هو فقط أشار إلى الجانب العلاجي للوضع الذي كانت بلاده تعيش فيه حينها، وفي الواقع فإن النبي محمد ﷺ جاء ليخلص العالم أجمع من مشكلاته وعثراته في كل العصور.

ذو خلق عظيم
في الجزء الثاني من الحلقة؛ شارك الدكتور موفق الغلايينى، إمام المركز الإسلامي بمدينة Grand Blanc بميشيغان، حيث دار الحديث حول شخصية محمد ﷺ والسمات والصفات التي تحلى بها، وكيف أثرت هذه الصفات على قدرته لتبليغ الرسالة التي كان مكلفًا بها وأداء المهمة.

حيث قال إن النبي ليس بحاجة لمديحنا بعد أن قال الله سبحانه وتعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وفي آخر سورة الطور قال (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)، لكن المديح يرقق القلوب ويذكرنا بحق المصطفى ﷺ علينا وبصفاته، لكن الاقتصار عليه لا يؤدي حق النبي ﷺ، بل لا بد من إضافة ذكر خلق وسلوكيات النبي ﷺ وأثره في بيئته وفي العالم”.

وذكر الغلايينى الكثير من صفات النبي ﷺ من صدق وأمانة وخلق عظيم، وكونه من قبيلة ذات قوة مثل قريش، وعندما اختلفوا في وضع الحجر الأسود بالكعبة وكادوا أن يقتتلوا، جاؤوا إلى محمد ﷺ ليستشيرونه في الأمر، فأجابهم بحكمته وذكائه بالطريقة المثلى لوضعه كي يتقاسم الجميع هذا الشرف.

وقد قدم النبي ﷺ نموذجًا قياديًا متميزًا، فوصفه الله سبحانه تعالي بـ”الأسوة الحسنة”، وليس بـ”القدوة الحسنة”، وحول هذا التدقيق في الوصف قال الغلاييني إن المعنى متقارب، ولكن الأسوة فيها نوع من البلاغة أكثر، ففيها شمول لكل جوانب الحياة، فهو أسوة بكونه أب وزوج وقاضي وغيرها، حيث يُقتدى به في كل المجالات، أما القدوة فهو قدوة في مجال معين فقط.

أسوة حسنة
الأطر والنماذج التي كان يتعامل بها النبي محمد ﷺ مع أمته منذ أكثر من 1400عام، بتنا نراها الآن نماذج مهمة يطمح العالم لتطبيقها، لا سيما في مجال حقوق الإنسان، وخاصة في التعامل مع النساء والحفاظ عليهن وإعطائهن حقوقهن كاملة، وفي هذا الإطار قال الغلاييني إن هناك للأسف خلطًا بين الموروث الاجتماعي والعادات والتقاليد وبين الشأن الديني، فكثير من المعاملات الخاطئة بحق المرأة هي ليست من الدين الإسلامي، وإنما من عادات خاطئة موروثة، وقد تلصق بالخطأ بالدين، أي دين وليس الإسلام فقط.

وأشار الغلاييني إلى خطأ علمي ومنهجي موجود في مفهومنا للعصمة، فعصمة النبي ﷺ تكون عن الفواحش، حيث حماه الله عز وجل منها، وحتى من قبل بعثته، وهذا الأمر ينطبق على الأنبياء جميعا، وكذلك فإن الأنبياء لا يخطؤون في تبليغ الرسالة، أما كبشر فيجتهدون وقد يخطؤون، فكم مرة نرى في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى قد صحح اجتهادًا للنبي ﷺ؟.

وهنا يجب أن نقول إن الاجتهاد الخاطئ كان في الأمثلة القرآنية في الأمور الدعوية، أي عندما كان يمارس الدعوة إلى الله، ويتعامل مع الآخرين في بيئات مختلفة، وبأحوال مختلفة، وكانت تظهر رحمته الفائقة في اجتهاده، مثل أخذ الفداء من أسرى بدر، بالرغم من تقليد قتل الأسرى الذي كان منتشرًا في ذلك الزمن.

الإسلام والدولة المدنية
عن العناوين التي أرسى بها النبي ﷺ شكل التواصل بين المسلمين وغير المسلمين، كتعاملاته مع جيرانه والمعاهدات التي أقامها، وغيرها من أشكال العلاقة التي وضعها وأرسى قواعدها، فيما يمكن تسميته الآن بالتوافق المجتمعي، قال الغلاييني إن النبي ﷺ كان يحث أتباعه بالصبر على الإيذاء في سبيل الدين، ويتحمل هو نفسه الأذى في سبيل نشر الدعوة وإيصال الرسالة، وعندما وصل النبي إلى المدينة عقد المعاهدة الشهيرة مع اليهود، وهي ما يمكن تشبيهها الآن بالقانون المدني المجتمعي الذي يعطي حق المواطنة لكل من يعيش في المنطقة، فله حق الحماية وحق الدفاع عنها أيضا.

ولم يكن النبي ﷺ هو البادئ في مخالفة هذه الوثيقة، بل خالفها الآخرون، فكانت النتيجة حينها مختلفة، إما الدخول في الإسلام أو دفع مبلغ من المال أو القصاص، لأن ذلك كان خيانة عظمى، فاليهود خانوا المسلمين في وقت الحرب، وهذا معروف الآن هنا في أمريكا، ففي وقت الحرب إذا خان أحد البلاد ووقف مع عدوها، فإن عقوبته منصوص عليها في القانون، وفي معظم القوانين حول العالم. ونحن في سوريا، كان هناك مناطق لليهود، وكانت مصانة، شأنهم شأن المسيحيين، فالجميع حقوقهم وحياتهم كانت مصانة تحت الحكم الإسلامي، وكانت لهم كل الحقوق، وهذا منذ عهد النبوة وإلى الآن.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين