تقارير

معركة الجدار تشتعل.. ترامب يعلن الطوارئ وتوقعات بحدوث صدام دستوري

علي البلهاسي

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حالة الطوارئ الوطنية من أجل ضمان تمويل بناء جدار على الحدود الجنوبية لبلاده مع المكسيك.

وقال ترامب – خلال مؤتمر صحفي عقده اليوم الجمعة، بالبيت الأبيض – إن إعلانه لهذا الأمر يتسق مع الإجراءات التي اتخذها ممن سبقوه من الرؤساء بشأن هذا الصدد، مضيفًا أنه سيوقع على سجل حالة الطوارئ وهو أمر ليس بجديد، حيث تم توقيع على هذا السجل عدة مرات من قبل من جانب رؤساء آخرين.

وأوضح ترامب أنه اتخذ هذا الإجراء للتصدي لما وصفه بـ “غزو” بلاده بالمواد المخدرة، وعمليات الاتجار بالبشر، مؤكدًا أن السلطات الأمريكية ستواجه “الأزمة الأمنية القوية” على الحدود الجنوبية لبلاده.

وأوضح ترامب أنه سيوقع الورقة النهائية لإعلان حالة الطوارئ الوطنية لتمويل الجدار بمجرد عودته إلى المكتب البيضاوي، متوقعًا أن يكون هناك طعن قانوني على هذا الإجراء.

وأعرب ترامب عن أسفه لعدم تمكنه من بناء الجدار في وقت سابق من فترة رئاسته، ملقيًا باللائمة في ذلك على من وصفهم بـ”أنهم لم يتحركوا خطوة”، مؤكدًا “نحن الآن نأخذ هذه الخطوة”.

ترامب والطوارئ

كان ترامب قد قال خلال اجتماع وزاري سابق، إن هناك بالفعل حالات طوارئ معمول بها للرؤساء أوباما وكلينتون وبوش، مشيرًا إلى أنهم “أعلنوا الكثير من حالات الطوارئ”.

لكن الطوارئ التي يعتزم ترامب إعلانها نادرة؛ لأن الرؤساء الذين استشهد بهم لم يستخدموا سلطة الطوارئ لتمويل مشروعات لا يدعمها الكونجرس، ولأن الطوارئ التي أعلنها هؤلاء الرؤساء كانت لأغراض التصدي لأزمات، من بينها حظر وصول التمويل لكيانات إرهابية وحرمان دول من استثمارات بسبب ارتكابها انتهاكات حقوقية.

وقال إندرو بويل، من برنامج الأمن القومي بمركز برينان من أجل العدالة التابع لجامعة نيويورك، إن حالات الطوارئ التي أعلنها الرؤساء السابقون ذات طبيعة مختلفة، مشيرا إلى أنه من النادر جدًا أن يعلن رئيس حالة الطوارئ الوطنية في محاولة لتمويل مشاريع بناء محلية.

وبحسب ما ذكره مركز برينان فقد سبق أن أعلن ترامب 3 حالات طوارئ وطنية بموجب قانون حالات الطوارئ، أولها كان في ديسمبر/كانون الأول عام 2017، عندما فرض عقوبات على 13 شخصًا بسبب انتهاكات حقوقية وفساد باستخدامه أمرًا تنفيذيًا، وكثير منهم كانوا جنرالات ورؤساء دول متهمين بارتكاب حالات قتل جماعي، من بينها عملية التطهير العرقي ضد الروهينجا في ميانمار.

والثانية جاءت في سبتمبر/أيلول 2018، حيث أوردت مجلة “بوليتيكو” الأمريكية أنها تضمنت فرض عقوبات على أشخاص وجد أنهم متورطون في عمليات قرصنة وحملات عبر شبكات التواصل الاجتماعي للتأثير على الانتخابات، لكن تلك الحالة تعرضت لانتقادات خلال هذا الوقت.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن ترامب حالة الطوارئ الوطنية الثالثة بسبب نظام رئيس نيكاراجوا دانييل أورتيجا و”استخدامه العنف العشوائي والأساليب القمعية ضد المدنيين”.

مصادر التمويل

ويأمل ترامب أن يستخدم الصلاحيات التي ستخولها له حالة الطوارئ للحصول على المال اللازم لبناء الجدار. ونقلت شبكة “سي إن إن” عن مسئول في البيت الأبيض، أن مصادر التمويل المتوقع أن يستغلها ترامب، تشمل الآتي:

– 1.375 مليار دولار من مخصصات وزارة الأمن الداخلي، إلا أنه لن يستطيع استخدامها لبناء جدار حدودي، ولكن يمكن بناء حواجز حدودية أخرى.

– 600 مليون دولار من من صندوق مصادرة المخدرات التابع لوزارة الخزانة.

– 2.5 مليار دولار من برنامج مكافحة المخدرات التابع لوزارة الدفاع.

– 3.5 مليار دولار من ميزانية البناء العسكري لوزارة الدفاع.

أموال البنتاجون

فيما قالت مجلة “فورين بولسى” الأمريكية إن البيت الأبيض يسعى لتحويل التمويلات الخاصة بالجيش لبناء الجدار الذي طالما وعد به ترامب على الحدود الأمريكية المكسيكية.

ومن المتوقع أن يستخدم ترامب مادة قانونية تسمح للرئيس بإعادة توجيه أموال البناء العسكري في حالة الحرب أو الطوارئ الوطنية.

وخلال مؤتمره الصحفي لإعلان الطوارئ ودافع ترامب عن قراره بسحب أموال من ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية المخصصة للتشييد العسكري من أجل بناء جدار حدودي، معربًا عن اقتناعه بأن بعض الجنرالات العسكريين يعتقدون أن هذا الأمر أكثر أهمية، مشيرًا إلى أنه رفع الميزانية العسكرية خلال السنوات الأخيرة.

ويعتقد الكونجرس أن البنتاجون لديه 21 مليون دولار من التمويل الخاص بالبناء العسكري الذي لم يتم الالتزام به، وأن الرئيس يمكن أن يستخدمها لبناء الجدار، في ظل الاعتراضات داخل الكونجرس.

وأوضحت “فورين بولسى” أن الأموال تأتي من أموال في ميزانية وزارة الدفاع تم تخصيصها لمشروعات بناء عسكرية مختلفة على مدار السنوات الخمسة الماضية لكن لم يتم إنفاقها، منها 10 مليار دولار للعام المالي 2019، والباقي من الأعوام الأربعة السابقة.

لكن المشكلة أن الأموال التي سيتم أخذها لن يتم سدادها حتى يمرر الكونجرس قانون آخر لمخصصات الدفاع، وهو ما قد يترك التطوير الضروري للبنية التحتية في مأزق. ووفقًا لحالة الطوارئ الوطنية، فإن النص القانوني يشير إلى ضرورة استخدام الأموال لدعم القوات المسلحة.

الكونجرس يتأهب

كان الكونجرس الأمريكي قد أقر قانون تمويل لتأمين الحدود مع المكسيك يدعمه الحزبان الديمقراطي والجمهوري، ويهدف إلى تفادي إغلاق جديد للحكومة. وسبق أن وافق مجلس الشيوخ على القانون مساء الخميس بأغلبية ساحقة بلغت 83 صوتاً مقابل 16، وأحاله لمجلس النواب الذي أقره صباح الجمعة بأغلبية 300 صوت مقابل 128، وأرسله إلى الرئيس دونالد ترامب لتوقيعه ليصبح قانونًا ساريًا.

ويأتي القانون الجديد بعد اتفاق تم التوصل إليه بين مشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي يتضمن تمويل بحوالي 1.4 مليار دولار لإقامة حواجز جديدة عند جزء من الحدود الأميركية المكسيكية، بدلاً من التمويل الذي طالب به ترامب وقدره 5.7 مليار دولار.

لكن زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي ميتش ماكونيل، قال إن الرئيس دونالد ترامب​ سيعلن حالة الطوارئ الوطنية حتى يتمكن من تجاوز الكونجرس، وبناء جداره الذي وعد بنائه أثناء حملته الانتخابية”.

وأفاد ماكونيل بأنه يؤيد الرئيس، لكن آخرين في المعسكر الجمهوري أعربوا عن تحفظات عميقة بخصوص مسألة إعلان الطوارئ. وقال السناتور الجمهوري المخضرم تشاك غراسلي في بيان: “لدي مخاوف بشأن السابقة (القانونية) التي ستوضع باستخدام إجراءات الطوارئ لإعادة تخصيص الأموال”.

وكانت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي قد أبدت اعتراضها حول مسألة إعلان الطوارئ قائلة: “قد يحدث تحدّ قانوني في حال إعلان ترامب حالة الطوارئ الوطنية.. سوف ننظر في الخيارات”.

وأضافت بيلوسي: “ما يحدث على الحدود لا يعتبر حالة طارئة وإنما أزمة إنسانية”، في إشارة إلى تدفق آلاف المهاجرين عبر الحدود الأمريكية المكسيكية. كما أشارت رئيسة مجلس النواب إلى أنها ستجهز للرد بشكل ملائم، في حال أعلن الرئيس الأمريكي حالة الطوارئ.

وذكرت بيلوسي وزعيم الأقليّة الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر في بيان مشترك إنّ “إعلان حالة الطوارئ الوطنية سيكون عملاً خارجًا عن القانون وإساءة جسيمة للرئاسة، ومحاولة يائسة للتشويش على حقيقة أن ترامب خالف وعده الأساسي بأن تدفع المكسيك ثمن جداره”.

وأضافا: “إنه دليل آخر على الازدراء الفاضح من جانب الرئيس ترامب لحكم القانون. هذه ليست حالة طوارئ.. وسيدافع الكونجرس عن سلطاتنا الدستورية”.

صدام دستوري

ويتوقع مراقبون ومحللون سياسيون أن يثير قرار ترامب بإعلان الطوارئ معركة قضائية في المحاكم، وربما يقود لمعركة سياسية جديدة وصدام دستوري بين ترامب والمشرعين الأمريكيين.

وأشارت شبكة “سي إن إن” الأمريكية، إلى أن هذه الخطوة ستثير خلافًا دستوريًا، حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي قد تخطى صلاحياته. وأشارت إلى أن نهاية معركة الرئيس مع الكونجرس، ستمثل بداية معركة أخرى، فبدلا من المساومة على التمويل الحكومي، ستتحول المعركة إلى نقاش حول تجاوز الرئيس سلطاته الدستورية.

وأعلنت رئيسة مجلس النواب نانسي بلوسي نيتها الانضمام إلى الطعون القضائية في شرعية إعلان حالة الطوارئ. كما أعلن بعض المسئولين الديمقراطيين في مدن وولايات أميركية أنهم سيعملون على منع الرئيس من استعادة أموال فيدرالية خُصصت سلفًا لتمويل جهود الإغاثة في حالات الكوارث الطبيعية.

ويخول قانون حالات الطوارئ الوطنية الكونغرس حق إلغاء حالة الطوارئ عبر تمرير قرار بعدم الموافقة بثلثي أصوات أعضاء مجلس الشيوخ وتخطي الفيتو الرئاسي.

وبعد إعلان ترامب حالة الطوارئ فمن المتوقع أن يمرر مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، مشرع قرار يسمى “قرار عدم الموافقة”. وهذا القرار يفرض تلقائيا على مجلس الشيوخ طرحه للتصويت.

ورغم سيطرة الجمهوريين على الأغلبية في مجلس الشيوخ فإن عددًا منهم غير مقتنعين بوجود أزمة تستدعي إعلان حالة طوارئ، علاوة على مخاوفهم من ترسيخ سابقة في توظيف الصلاحيات الرئاسية.

ما هي حالة الطوارئ؟

من المعروف أن حالة الطوارئ هي أمر يعلنه الرئيس الأمريكي ويمنحه صلاحيات خاصة، بموجب قانون الطوارئ الوطني لعام 1976.

ففي عام 1976 وقع الرئيس الأسبق جيرالد فورد “قانون حالات الطوارئ الوطنية” الذي يهدف إلى منع فرض حالات طوارئ مفتوحة الأمد، وتعزيز سلطات الكونغرس في مراقبة صلاحيات الرئيس تحت هذه الظروف.

ومرر الكونجرس الأمريكي قانون الطوارئ، منظمًا السلطات التي يمكن للرئيس استخدامها عقب إعلانه، وحدد القانون مدة الطوارئ بعام واحد، لكنه يسمح بتجديدها سنويًا.

وطبقًا لمركز برينان من أجل العدالة التابع لجامعة نيويورك، أعلن عدد من الرؤساء الأمريكيين 58 حالة طوارئ وطنية، من بينها 31 حالة معمول بها اليوم.

وأعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان حالة الطوارئ لأول مرة خلال الحرب الكورية، واستمر العمل بها حتى حاول الكونجرس تنظيم هذه السلطة بعد سنوات، طبقا لمعهد “لوفير” الأمريكي المعني بدراسات الأمن القومي.

وفي عام 1979، أعلن الرئيس جيمي كارتر حالة الطوارئ لأول مرة بموجب القانون الذي مرره الكونجرس؛ لتجميد الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة خلال أزمة الرهائن، وفقا لمركز برينان، وتم تجديدها مؤخرا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

وأكد كارتر حينها أن هذا الوضع مثل كثير مما تبعه، استوفى معايير كونه “تهديدًا غير عادي واستثنائيا على الأمن القومي”، بحسب مجلة “باسيفيك ستاندرد” الأمريكية.

وأوضح المركز أن الكثير من حالات إعلان الطوارئ علقت تعاملات تجارية وأصول وغيرها من المعاملات مع دول تمتد من ليبيا إلى بنما، غير أن معظم تلك الحالات انتهت مع تغيير النظام في تلك الدول، مشيرا إلى أن من الـ31 حالة طوارئ المعمول بها حاليا، تعالج قضايا تقليص الانتشار النووي والاتجار بالمخدرات والإرهاب.

وأعلن الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش 13 حالة طوارئ، من بينها ما تم إعلانه إبان هجمات 11 سبتمبر 2001، فيما أعلن باراك أوباما 12 حالة، معظمها لا يزال ساريا، طبقا لشبكة “سي إن إن” الأمريكية.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين