تقاريرتقارير قضايا عربيةفن وثقافة

لماذا لا يتم تكريم العلماء والمبدعين قبل وفاتهم؟!

مُبدع الشرق يموت حيًا ويحيا ميتًا.. فلتمت كي نُكَرّمْك!

إعداد ـ أحمد الغـر

قبل وفاته بأشهر قليلة؛ تم تكريم الشاعر الفلسطيني الكبير “محمود درويش” بإطلاق اسمه على أهم ميادين مدينة “رام الله”، فقال حينها: “ليس من المألوف أن يُكرَم الأحياء، فالموتى لا يحضرون حفل تأبينهم، وما استمعت إليه اليوم هو أفضل تأبين أود أن أسمعه فيما بعد”.

فثمة ظاهرة منتشرة في الأوساط الثقافية والفنية والعلمية بشكل واسع، وهي تكريم المبدعين، سواء أدباء أو شعراء أو ، والاحتفاء بهم، لكن بعد رحيلهم، وليس وهم أحياء!

وأغرب ما في الأمر هو أن هؤلاء المشاهير الذين يتم تكريمهم بعد وفاتهم ظلوا بعيدين عن دائرة الأضواء والجوائز طيلة حياتهم، حتى في فترات مرضهم لم يتذكرهم أحد!،

إذن ما فائدة التكريم المتأخر؟، هل هو شعور بالذنب وتأنيب للضمير، أم أننا قد اعتدنا تكريم الأموات وإنكار إنجازاتهم وهم على قيد الحياة؟

ظاهرة قديمة متجددة

من الطبيعي والمعمول به في الدول المتقدمة كافة، أن التكريم للمبدعين يتم أثناء حياتهم الإبداعية، وكلما أنجزوا أعمالًا مهمة ولافتة للنظر، عكس ما يحدث في أوطاننا العربية، إذ يتذكرون المبدع في حال وفاته فقط، فأمتنا العربية تمجد الأموات على حساب الأحياء، وتحب أن تعيش الماضي على الحاضر والمستقبل.

خلال العام الماضي؛ وفي الدورة الـ 40 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، تم تكريم الفنان “”، بجائزة الفنانة الراحلة فاتن حمامة، خلال فعاليات المهرجان، حينها لم يتمالك حسني نفسه من الفرح، معلنًا أن سعادته تكمن في تكريمه وهو مازال حيًا، فالتكريم بعد وفاته لا قيمة له مقارنة بتكريمه وهو حي.

هذا الموقف أعاد للأذهان مئات، بل ربما ألاف التكريمات، التي تمت بعد رحيل الرموز وأصحاب الإبداع، وبدلًا من أن يتم تكريم صاحب الإنجاز ويتسلم تكريمه بنفسه، يأتي أهله وذويهم ليقطفوا ثمرة نجاحه، التي تمنى لو رآها وهو حي.

مجاملات فجّة

من الأمور الفجة أيضًا؛ أن المظاهرات الإعلامية التي تصاحب المبدع أو مرضه، ليست تكريمًا ولا دلالة على عمق إنتاج المريض أو الفقيد، بل هي نوع من المجاملات، ويدرك الجميع أنها مظاهر حزن وليست تقييم لمنجز.

فمع الأسف نعيش ازدواجية كبيرة، إذ يكون بيننا العالِم والمفكر والمبدع، ولا أحد يهتم به أو بعبقريته، لكن بعد وفاته تبدأ احتفاليات النفاق والتهليل، والتأكيد على أن الراحل كان من أنجب أبناء الأمة.

ظاهرة اللحاق بالـتريند، أو مواكبة الحدث مراعاةً لاهتمامات الجمهور به، هي ما ظهرت مؤخرًا بوضوح عند وفاة الفنان الشاب “”، والذي لم يتم التركيز عليه إلا بعد وفاته وحيدًا في مسكنه، حينها سُلِّطَ الضوء بكثرة على حياته وحياة والده ووالدته الراحلين.

طلب التكريم!

قبل عدة أعوام؛ وجّهت الفنانة “فلّة الجزائريّة” رسالة مؤثرة إلى المسئولين في بلدها الجزائر، وخاصة مسئولي وزارة الثقافة، عبر  مقطع فيديو تم تصويره في منزلها في العاصمة الجزائرية، ظهرت فيه باكية بعدما وصفت حالها بالمتشردة، وقالت: “أنا فلة بنت هذه البلاد، لقد شردوني من بلد إلى بلد ولا أحد يتصل بي”.

وأعربت عن استيائها من تجاهل تكريمها أو مشاركتها بحفلات غنائية في الجزائر، قائلة: “أنا متشردة وقلبي يحترق، ماذا عملنا لكم؟، لو ذبحتونا كلنا لوجدتم العلم الوطني داخل أجسادنا، هل تنتظرون وفاتي لكي تكرموني”.

ظاهرة طلب التكريم باتت شائعة بعد انتشار الشللية والأهواء الشخصية في إعطاء التكريمات لمن هم أحياء من الرموز والمبدعين في كل المجالات، فالأمر لا يقتصر على الفن فقط، بل يمتد إلى مجالات الأدب والثقافة والعلوم أيضًا، لكن إذا خرج مبدع أو اثنان ليطالبوا به، فهناك المئات غيرهم ممن يتعففون في طلبه أو الإفصاح عن استحقاقهم لتلك التكريمات.

تخليدًا للذكرى

على الجانب الآخر نجد أنه في عام 2016م؛ احتفلت بريطانيا بذكرى مرور 400 عام على وفاة ، فهل كان ذلك ينطوي على اعتذار متأخر؟

من يؤيدون هذا الرأي يرون أن الاحتفاء بالمنجزات الأدبية بعد وفاة الأديب أمرٌ شائع، فالكثير من الأعمال حازت على التقدير في حياة أصحابها، وهذا ينطبق على الفائزين بجوائز عالمية مثل نوبل والبوكر وغيرها، أو  الجوائز المرموقة التي تقدَّم للمبدعين في معظم دول العالم.

لكن هنا لابد من الالتفات إلى مسألة هامة، وهي أن المنجز الأدبي يحتاج إلى فترة زمنية حتى ينال الاعتراف، لكن ماذا عن الاختراعات والاكتشافات الهامة؟

فالأمر يحمل غصة ومرارة عميقة، إنْ تعرض المبدع للتهميش والإهمال ورحل وفي نفسه ألم دفين، فالمبدع أو المخترع أو الفنان لا يبحث عن تكريم معنوي، ففرحه الأكبر في إبداعه متحقق، لكنّ تجاهله يخلّف غصة كبيرة تحجب عنه الفرح.

تكريم الرموز يؤتي ثماره لو تجسد بشكل مبادرات جادة لمؤازرته وتحفيزه، وذلك عبر تيسير سبل إيصال رسالته إلى هدفها، والتعريف به وتقديمه للأجيال بإدراج ما يستحق في المناهج الدراسية.

وبتسليط الضوء على التجارب القيمة وإيصالها إلى محاضن البحث، وتكريس اسمه في المجتمع بتسمية شوارع بأسماء هؤلاء الرموز، حينها نستطيع القول ـ بمصداقية ـ أننا نكرم المبدعين والرموز.

تكريم فاقد للمعنى

تكريم المبدع بعد موته هي أمور لا تكرّس إلاّ عطفًا واهتمامًا مزورًا لمبدع لم يلقَ في حياته أيّ تكريم أو اهتمام فعّال، فتكريم الرموز يجب أن يكون في حياتهم وفي قمة حيويتهم، لنضاعف عطاءهم، ونحميهم من مشاعر الخيبة والإحباط والتهميش، التي تغص بها أوراق العلماء والأدباء والمثقفين وكل المبدعين.

الفنان الكبير “”، وأثناء حصوله على جائزة الدورة الـ12 من مهرجان الشارقة للإبداع المسرحي العربي العام الماضي، عبر عن حزنه وألمه من عدم تكريم مصر له على مدار 70 سنة.

وأضاف أنه كتب وصيته وقد جاء فيها بأن يرفض أبنائه وكل من يحبه، أن يتم تكريمه بعد وفاته، مستطردًا: “لأنه لا يصح أن يرى كل فنان في حياته الأدنى منه وهو يكرم في حياته”.

شوارع الموتى وطوابع بريد الراحلين

من أشكال التكريم الذي تقوم به الدول نحو مبدعيها، أن تخلدهم بتماثيل ونصب تذكارية، أو أن تطلق أسمائهم على الشوارع الهامة، أو تدشن جائزة تحمل اسمهم، أو أن تضع صورهم على العملة أو طوابع البريد.

وتعد بريطانيا هي أول دولة تصدر طوابع البريد في العالم وذلك عام 1840، وقد كرمت عددًا كبيرًا من أدبائها وعلماءها ونوابغها بإصدار خاصة بهم.

عربيًا؛ فإن طباعة صور الفنانين أو الشعراء أو العلماء والنوابغ على طوابع البريد أو العملة، ليست من صور التكريم الدارجة بكثرة، وأغلب الطوابع التي تحمل اسم كتّاب أو فنانين أو علماء صدرت بعد وفاتهم بسنوات.

ففي مصر على سبيل المثال، والتي تعدّ من أوائل الدول التي أصدرت طوابع بريد لتكريم مبدعيها، نجد أن “” هو أول من أصدر له طابع بصورته في مصر من أهل الفن والموسيقى والإبداع، وكان ذلك بمناسبة مرور 35 عامًا على ذكرى وفاته!

 

وجاء بعد الطابع البريدي لدرويش، طابع آخر للشيخ “سلامة حجازي”، والذي صدر عام 1967، بمناسبة مرور نصف قرن على رحيله، و”أم كلثوم” صدر لها أول طابع في نفس عام وفاتها 1975.

فمن النادر أن يصدر طابع لفنان أو عالم أو مفكر وهو حي. وما ينطبق على طوابع البريد ينطبق على صور التكريم الأخرى، مثل تسمية الشوارع، والتي غالبًا ما تتم بعد رحيل الشخص المُكرَم.

“يموت حيًا، ويحيا ميتًا”!

وقد قال : “الأديب في الشرق يموت حيًا ويحيا ميتًا”، فنحن نجهل قيمة المبدع حينما يكون بيننا؛ لأننا لا نحس بفقده، ولا نشعر بقيمته الحقيقية إلا بعد رحيله، فالأمر أشبه ببيت الشعر القائل: (لا ألفينك بعد الموت تندبني.. وفي حياتي ما قدمت لي زادا).

حينما دُعِى الكاتب والسياسي الشهير “جورج برنارد شو” إلى حفل تكريمه قال: “إن هذا يشبه أن ترمي طوق النجاة لرجل غارق، لكن بعد وصوله إلى الشاطئ”.

فظاهرة تكريم الراحلين باتت من التقاليد العربية المألوفة، فنحن لا نعرف قيمة هذا العالم ولا مكانة ذاك الفنان إلا بعد فقدانه، حينها تتسابق الهيئات والمؤسسات الثقافية سواء الحكومية أو الخاصة للمشاركة في حفلات وداعه، فلتمت كي نُكَرّمْك!

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: