تغطيات خاصةتقاريررمضان

قيود كورونا تحرم المسلمين من الاستمتاع بأجواء رمضان

هاجر العيادي

عرف العالم طوال العقود الماضية تطورات وتحولات كبرى متلاحقة، إلا أن كل هذه الأحداث بمجملها وأسوأها لم تؤثر يومًا ما في تغيير المظاهر الاجتماعية والدينية الراسخة لشهر رمضان،

لكن يبدو أن جائحة فيروس كورونا المستجد نجحت في رسم شكل جديد للشهر الكريم لم يعهده الجيل الحالي ولا حتى من سبقه من أجيال.

وعادة ما يتيح رمضان للمسلمين فرصة أكبر لممارسة الشعائر والعبادات الدينية الجماعية والإسلام، كعمرة رمضان التي تعادل حجة، والصلاة في المساجد، خاصة صلاة التراويح، وكذلك العادات الاجتماعية الخاصة بالإفطار والسحور الجماعي، وموائد الرحمن، والسهرات الرمضانية المختلفة.

كما حل رمضان هذا العام، في فصل الربيع، وهو فصل يتميز بأجواء ممتعة تناسب أغلب الصائمين وتخفف عنهم مشاق الصوم بعيدًا عن جوع الشتاء وعطش الصيف، كما يشجعم على الخروج والتجمع والتنزه.

كورونا يقيد التحركات

لكنّ فيروس كورونا النعرةف بـ “كوفيد- 19” فرض على العالم كله وعلى المسلمين بوجه خاص الكثير من القيود التي صاحبت حظر التجول وتعليمات البقاء بالمنزل لوقاية من العدوى، وهكذا باتت الدول العربية والإسلامية تواجه تحديات هذه الجائحة وتزامنها مع حلول شهر رمضان.

وتخيّم القيود على حركة المجتمعات المسلمة من جنوب شرق آسيا وصولًا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، في ظل حظر الصلاة في المساجد وحظر التجمّعات الكبيرة للعائلات والأصدقاء على موائد الإفطار والسحور.

رمضان بلا عمرة

ولأول مرة منذ عقود، لن يتمكن المسلمون من أداء العمرة في شهر رمضان، وهو ما يعني حرمان ملايين المسلمين من أداء العمرة التي تعادل حجة.

يذكر أن 7.5 مليون أجنبي أدوا العمرة في رمضان عام 2019، يضاف إليهم ملايين المعتمرين من الداخل وفق إحصائيات وزارة الحج والعمرة السعودية.

وكان من المنتظر أن يؤدي عدد أكبر العمرة خلال شهر رمضان لهذا العام لكن هذا لم يحدث، كما تم منع إقامة صلاة الجماعة والتراويح في مساجد المملكة، بما في ذلك المسجد الحرام والمسجد النبوي، حسب تصريح لمفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ.

وفي هذا الصدد، أظهرت صور التقطت بطائرة مسيّرة صحن الكعبة ومحيط المسجد الحرام فارغين تمامًا وسط شلل في الحركة في مكة، حيث تفرض السلطات حظرًا للتجول.

وقال العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز مخاطباً مواطنيه وعموم المسلمين بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك: “أصدقكم القول أني أتألم أن يدخل علينا هذا الشهر العظيم في ظل ظروف لا تتاح لنا فيها فرصة صلاة الجماعة، وأداء التراويح والقيام في بيوت الله، بسبب الإجراءات الاحترازية للمحافظة على أرواح الناس وصحتهم في مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد”.

وكحل وسط وافق العاهل السعودي على إقامة صلاة التروايح في الحرمين الشريفين، خلال شهر رمضان. وشملت الموافقة حسبما نشرته وكالة الأنباء السعودية، تخفيف صلاة التراويح إلى خمس تسليمات، وإكمال القرآن الكريم في صلاة التهجد، مع استمرار تعليق دخول المصلين؛ وذلك لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد.

القدس تعلق حضور المصلين

وفي القدس، ثاني أقدس الأماكن بالنسبة للمسلمين، التي تتميز كل عام بأجوائها الرمضانية، أعلن مجلس الأوقاف الإسلامية تمديد إغلاق المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، وتعليق حضور المصلين إلى الصلوات من جميع أبواب المسجد الأقصى.

إعلان يصاحبه دون شك اختفاء أجواء الاعتكاف والصلاة، لا سيما الفجر والتراويح، وكذلك صلوات الجمعة في رمضان التي يشارك فيها مئات آلاف المصلين من القدس والضفة الغربية والداخل الفلسطيني، وترسم لوحة فنية وإيمانية تتكرر كل عام في المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وساحاتهما.

حظر تجول وتحركات بمواعيد

وفي العراق حددت اللجنة العليا لمواجهة أزمة كورونا مواعيد فرض حظر التجول في البلاد خلال شهر رمضان، كما أعلنت اللجنة العليا أن فرض حظر التجول سيكون من الساعة السابعة مساء إلى السادسة صباحا، خلال الفترة الممتدة ما بين 21 أبريل و22 مايو المقبل.

فيما شهد إقليم كردستان العراق مواقف مختلفة رافضة لإلغاء صلاة الجماعة واغلاق المساجد طيلة مدة الأزمة.

وفي إمارة دبي التي كانت تخضع لحظر على مدار الساعة منذ 26 مارس الماضي، قالت السلطات إنها رفعت الحظر من السادسة صباحا وحتى العاشرة مساء.

وذكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي أنه تقرر فتح مراكز التسوق والمحلات التجارية اعتبارًا من الساعة 12 ظهرًا وحتى العاشرة مساء اعتبارًا الجمعة مع مراعاة الدخول بنسبة 30% من الطاقة الاستيعابية.

كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في الكويت، نفس الجدل بين المؤيدين لفرض حظر شامل في رمضان والرافضين له.

وفي السياق نفسه، قررت السلطات الأردنية تخفيف فرض حظر تجوال شامل، من يومين إلى يوم واحد، مع اقتراب شهر رمضان.

وقال متحدث الحكومة، أمجد العضايلة، بمؤتمر صحفي، أن “ساعات خروج المواطنين خلال شهر رمضان ستكون من الساعة العاشرة صباحاً وحتى السادسة مساءً، والجمعة المقبل سيكون حظراً شاملاً”.

من جهتها أعلنت الحكومة التونسية موقفًا مشابهًا للموقف الأردني من خلال مقابلة لرئيس الوزراء إلياس الفخفاخ، مع التلفزيون الرسمي، قال فيها إن “الحكومة قررت تمديد الحجر الصحي الشامل حتى 3 مايو المقبل، وتقليص ساعات حظر التجوال الجزئي خلال رمضان من 12 إلى 10 ساعات”.

في ليبيا، هي الأخرى قررت حكومة الوفاق، مساء الخميس، تخفيف حظر التجوال الشامل في مناطق سيطرتها اعتبارًا من الثلاثاء المقبل.

وأوضح المجلس، في بيان، أن ساعات الحظر ستبدأ من الساعة السادسة مساء وحتى الساعة السادسة صباحا، مع السماح باستخدام المركبات خلال ساعات التجوال.

وتضمن القرار، استمرار الإغلاق الكامل للمحال التجارية الكبيرة، ومواصلة العمل بالمؤسسات الإدارية بنسبة 10%.

بيتك مسجد في رمضان

في مصر هي الأخرى منعت وزارة الأوقاف فتح المساجد، كما منعت بث القرآن وصلاة التراويح فيها طوال شهر رمضان لمنع تجمع المصلين بما يعرضهم للعدوى، وتعددت ردود الفعل تجاه هذا القرار على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعالت دعوات تحت شعار “بيتك مسجدك” لإقامة صلاة التراويح والجمعة والجماعة فوق سطوح المنازل للالتفاف حول أوامر المنع الصادرة عن وزارة الأوقاف والحكومة.

في الأثناء، حذرت دار الإفتاء في بيان من تنظيم تجمعات كبيرة خلال شهر رمضان من أجل صلاة التراويح، مشددة على ضرورة البقاء في المنازل .

وعلقت على صفحة توتير قائلة:” صلاة التراويح تؤدي في البيت.. ولا يجوز التحايل بإقامة جماعات في أفنية البيوت أو فوق أسطحها أو غيرها تجنباً للعدوى”.

على صعيد آخر، قررت الجزائر تخفيف إجراءات الحجر الصحي اعتبارًا من الجمعة الأول من شهر رمضان، إذ تقرر تقصير مدة حظر التجول الليلي ورفع حالة العزل التام عن ولاية البليدة جنوبي العاصمة.

وقال مكتب رئيس الوزراء عبد العزيز جراد، الخميس، إنه “تقرر تخفيف العزل التام في البليدة ليصبح الحظر ساريًا من الثانية ظهرًا حتى السابعة مساء، في حين سيخفف الحظر الساري من الثالثة عصرًا إلى السابعة صباحًا في 9 ولايات، منها الجزائر العاصمة، بحيث يقتصر على الفترة من الخامسة إلى السابعة صباحًا.

قيود تؤثر سلبًا

من جهة أخرى، فرض كورونا سطوته على استعدادات المغاربة لشهر رمضان، واضطرهم إلى التخلي عن عادات كثيرة ألفوها وتقاليد درجوا عليها، وذلك على خلفية إجراءات مواجهة الوباء العالمي التي حدّت بشكل لافت من تحركاتهم اليومية.

وفي الوقت الذي اعتاد فيه المغاربة الإقبال الكثيف، منذ شهر شعبان، على الأسواق من أجل التبضّع والتهيؤ لإعداد موائد رمضان، بدا لافتاً أنّ تدابير حالة الطوارئ الصحية المفروضة في البلاد منذ 20 مارس الماضي قد أثّرت سلباً على الوضع هذا العام بسبب إغلاق محال تجارية عدّة.

لبنان لم يتزين كالعادة

لبنان أيضًا، فرض عليه فيروس كورونا المستجد والأزمة الاقتصادية التي يعيشها تغييرًا في إحياء شهر رمضان وطقوسه، مع اختفاء الزينة المعهودة من الشوارع، وإلغاء صلوات التراويح، واقتصار موائد الإفطار على أفراد الأسرة الضيقة في ظل حظر التجول والتزام الحجر المنزلي.

وفي مدينة طرابلس الذائعة الصيت بحلوياتها العربية التي تجذب اللبنانيين من المناطق كافة، يتوقّع سامر الحلاب، وهو مالك محل “قصر الحلو”، أن “تنخفض المبيعات في شهر رمضان لأكثر من 75 في المئة، مقارنة مع السنوات السابقة”.

طقوس وعادات تختفي

الأمر مشابه في روسيا، حيث كانت موائد الإفطار تنتشر قرب المساجد، لكنّها غابت هذا العام، بينما مُنع الصائمون في قرغيزستان وكازاخستان وأوزباكستان من الاجتماع مع أفراد أخرين من عائلاتهم في حال كانوا يقيمون في منزل آخر.

ونصحت طاجيكستان، التي لم تتّخذ إي إجراءات لمنع انتشار الفيروس، مواطنيها بعدم الصوم كي لا يتعرّضوا “لأمراض معدية”، بينما يسري رمضان في تركمانستان، أحد أكثر دول العالم انغلاقًا، من دون أي إجراءات استثنائية.

في المقابل، لن تشهد إندونيسيا، التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، الأجواء الحماسية التي تسود خلال رمضان عادة. وقد دعت السلطات الدينية هناك المسلمين إلى البقاء في بيوتهم.

تحدي صلاة التراويح

في المقابل، تحدّى رجال دين وشخصيات محافظة في دول عدّة بينها بنغلادش وباكستان وإندونيسيا قواعد التباعد الاجتماعي، رافضين التخلّي عن صلاة الجماعة في المساجد.

وحضر الآلاف صلاة التراويح يوم الخميس في أكبر جوامع إقليم آتشيه الإندونيسي، مع مشاهد مشابهة في العديد من المناطق الباكستانية.

غياب موائد الرحمن

يشار إلى أن العديد من الأنشطة الخيرية التي كانت تقام خلال رمضان، تأثّرت سلبًا، خصوصًا أنشطة توزيع الأغذية وغير ذلك من التبرّعات، وذلك بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي والتداعيات الاقتصادية لوباء كورونا العالمي.

كما أثرت إجراءات العزل بشكل خاص على الفقراء، حيث أن ملايين المحتاجين يعتمدون كل عام على المساعدات وموائد الإفطار المجانية التي كانت تقدّمها المساجد المغلقة هذا العام.

جدل بشأن الصيام

وفي ظل هذه الظروف، ارتفعت أصوات تقول إن الصيام يُنهك الجسد، وقد يسبب زيادة احتمال إصابة الصائمين بعدوى كورونا أكثر من غيرهم.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، لم تُجر دراسات حتى الآن لمعرفة ارتباط مرض كورونا بالصيام، لكنّها أكدت أن بإمكان الأشخاص الأصحاء الصوم، لكن يُنصح المرضى بكورونا بأخذ رخصة شرعية للامتناع عن الصوم، وذلك بالتشاور مع أطبائهم.

كما دعت منظمة الصحة العالمية إلى التوقّف عن بعض الأنشطة الرمضانية للتخفيف من خطر العدوى، بينما حذّرت سلطات دول عدّة من التهديد الذي قد تشكّله التجمّعات الدينية الكبيرة.

من الواضح أن رمضان 2020 سيبقى أغرب شهر صوم في تاريخ المسلمين، فجائحة كورونا جعلت اجتماع الناس أكبر خطر يهددهم بالعدوى بالفيروس، وهذا يلقي بظلاله على طقوس العبادة الاسلامية التي تقوم على الجماعة.

وعلى الرغم من ذلك، يظل رمضان محافظًا علىطقوسه وعاداته حتى في أضيق الحدود، فحتى إن منعنا كورونا من الذهاب الى المساجد وآداء صلاة التروايح فذلك لن يمنعنا من آدائها في بيوتنا، ودعوة الله إزالة هذا البلاء عما قريب.. وكل عام وأنتم بخير.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين