تقارير

جون ماكين.. بطل الحرب الذي هزمه “الجليوبلاستوما”

إعداد: علي البلهاسي- راديو صوت العرب من أمريكا

** عن عمر يناهز 81 عامًا رحل ، السيناتور الأميركي، والمرشح الرئاسي السابق. رحل بطل الحرب والطيار المتقاعد من سلاح البحرية الأمريكي، الذي تم إسقاط طائرته في أجواء هانوي فوق فيتنام الشمالية عام 1967 خلال مهمة قصف، وتم احتجازه كأسير حرب لأكثر من خمس سنوات، ونجا من كل هذه المخاطر ليهزمه مرض السرطان في النهاية ويودي بحياته.

 وذكر بيان صدر عن مكتب ماكين أنه توفي في الساعة (04:28) من مساء السبت بالتوقيت المحلي (23:28 بتوقيت جرينتش). وأوضح البيان أن زوجته سيندي والعائلة كانت بجواره عندما فارق الحياة، مضيفا أنه خدم بإخلاص على مدى 60 عامًا.

 الإصابة بالسرطان

كان ماكين قد أعلن في يوليو 2017 أنه يعاني من ورم سرطاني خطير. فأثناء جراحة أجراها في أريزونا في ذلك الوقت لإزالة تكتل دموي خلف العين اليسرى، اكتشف الأطباء إصابة ماكين بنوع شرس من سرطان الدماغ.

وذكرت شبكة «سي.إن.إن» أن نتيجة التحاليل بعد ذلك كشفت إصابته بسرطان الدماغ المعروف باسم «الجليوبلاستوما»، لافتة إلى أن ماكين كان ‏يعاني من الإرهاق الشديد وازدواج في الرؤية قبل تشخيص إصابته بالمرض.‏

 ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم تشخيص إصابة السياسي الأميركي البارز بمرض السرطان، ففي عام 2000، اكتشف إصابته بسرطان الجلد، وخضع لعملية جراحية ناجحة لإزالة الأنسجة السرطانية.

وبعد أقل من أسبوعين من اكتشافه لإصابته لسرطان الدماغ عاد ماكين إلى واشنطن، وخالف رغبة حزبه بالتصويت في اقتراع قضى على جهود لرفض خطة الرعاية الصحية التي طرحها أوباما.

وبعدها لم يحضر ماكين جلسات المجلس منذ عدة أشهر، إذ لازم منزله في أريزونا للراحة وتلقي العلاج.

 وقف العلاج

كانت أسرة ماكين قد أعلنت قبل أيام أنه توقف عن تلقي علاج سرطان الدماغ بعد 13 شهرا من الكشف عن إصابته بالمرض. وقالت عائلته في بيان: “في العام الذي تلا ذلك، تجاوز جون التوقعات ببقائه على قيد الحياة، ولكن تقدم المرض والتقدم الحتمي للعمر حسما القرار”. وأضاف البيان: “وبقوة إرادته المعتادة، اختار الآن أن يوقف العلاج الطبي”.

 وترك قرارا وقف العلاج صدى واسعًا في الأوساط السياسية الأميركية بمختلف أطيافها، وأبدى الكثيرون تعاطفهم مع السياسي البارز، الذي يحظى بتقدير كبير في كل أرجاء .

 الجليوبلاستوما القاتل

بعد توقفه عن العلاج بأيام قليلة توفي ماكين بعد أن خسر معركته مع ورم دماغي خبيث يسمى بـ«الجليوبلاستوما»، ‏اكتشف الأطباء إصابته به العام الماضي.‏

وسلطت شبكة «سي.إن.إن» الإخبارية الأمريكية، الضوء على ذلك المرض، مشيرة إلى ‏أنه يمثل 15.4% من الأورام الدماغية ويعد أشرسهم.‏

وبحسب الجمعية الأمريكية للأورام الدماغية، فإن «الجليوبلاستوما» ورم شديد العنف ‏يغزو أنسجة المخ.

وعلى عكس الأورام الدماغية التي تبدأ في أنسجة أخرى من الجسم ‏ثم تنتشر إلى الدماغ، «الجليوبلاستوما» يبدأ في الانتشار من أنسجة المخ بداية من ‏الخلايا النجمية (التي تدعم الخلايا العصبية) ثم يغزو الأنسجة السليمة.‏

ولفتت الشبكة الأمريكية إلى أن هذا النوع من الأورام الدماغية أدى إلى وفاة ، شقيق الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي، وأيضا ‏بيو بايدن نجل جو بايدن، نائب .‏

ووفقا للجمعية الأمريكية للأورام الدماغية، توجد أعراض عديدة للإصابة ‏بـ«الجليوبلاستوما»، ومنها: (الدوار – الغثيان – الصداع المستمر – ضعف في نصف ‏واحد من الجسم – ضعف الذاكرة – اضطرابات التخاطب والرؤية)، مشيرة إلى أنه لا ‏يوجد علاج محدد للمرض سوى بعض التدخلات المحدودة جدا من قبل الأطباء مثل ‏العلاج الكيميائي والإشعاعي.‏

وبحسب الجمعية، فإن دراسة أجريت عام 2009 أفادت بأن 10% من المرضى ‏المصابين بـ«الجليوبلاستوما» يمكنهم التعايش مع هذا الورم لمدة 5 سنوات أو أكثر.‏

من هو ماكين؟

ولد ماكين في 29 آب/أغسطس عام 1936 في مركز عسكري أميركي في “منطقة قناة بنما” حيث كانت تتمركز الأسرة في ذلك الوقت. والأب والجد كلاهما كانا ضابطين في البحرية، وحصلا على رتبة “أدميرال”.

عاش ماكين فترتي الطفولة والمراهقة متنقلا برفقة عائلته بين القواعد البحرية في الولايات المتحدة وخارجها.

ووفقًا لما أوردته”رويترز” فقد كان ماكين طالبًا جامحًا، بل ومولعًا بالتشاجر في المدرسة الداخلية التي التحق بها في منطقة واشنطن.

ولأنه ينحدر من عائلة عسكرية اقتفى ماكين خطوات أبيه وجده، حيث التحق بالأكاديمية البحرية عام 1954، وتخرج منها بعد أربع سنوات، وفيها واصل التمرد على اللوائح وتخرج ضمن أواخر الدفعة.

ووفقًا لـ”رويترز” فقد عمل ماكين لحساب موزع للبيرة في أريزونا هو والد زوجته الثانية سيندي هينسلي. ولدى ماكين سبعة أبناء، أربعة من زوجته سيندي، وثلاثة (اثنان بالتبني) من زوجته الأولى كارول شيب.

بطل الحرب

خدم ماكين في سلاح البحرية الأمريكية حتى عام 1981. وخلال خدمته، تطوع للعمل كطيار بحري مقاتل، وشارك في العمليات القتالية خلال حرب فيتنام. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1967، أسقطت طائرته في أجواء هانوي، وتم أسره وقام خاطفوه بالاعتداء عليه، ما أدى إلى كسر ذراعيه وساقه وكتفه.

وقضى ماكين 5 خمس سنوات ونصف في سجون فيتنامية مختلفة، من بينها منها عامان في الحبس الانفرادي بسجن “هانوي هيلتون” سيئ السمعة، حيث تعرض للضرب والتعذيب، مما ألحق به عاهة مستديمة. وربما كان ذلك هو السبب في أنه كان في مجلس الشيوخ الأميركي ينتقد أساليب الاستجواب القاسية مثل أسلوب محاكاة الغرق للمشتبه بهم في أعمال إرهابية.

وفي عام 1999، نشر كتابه Faith of My Fathers الذي تناول فيه تاريخ عائلته العسكري وتجربته مع الأسر.

وبعد انتخابه في مجلس الشيوخ، زار فيتنام عدة مرات سعيا لإعادة رفات الجنود الأميركيين الذين قضوا في تلك الحرب. في مقابلة مع “صوت أميركا” أجريت معه عام 2016، قال ماكين إنه كان يسعى لإعادة العلاقات بين واشنطن وهانوي لطبيعتها و”تضميد الجراح”.

العمل السياسي

بعد تقاعده من الجيش، دخل ماكين مضمار العمل السياسي عام 1982 عندما انتخب في مجلس النواب عن ولاية أريزونا، وظل محتفظا بهذا المقعد لفترتين، وفي 1986 فاز بمقعد في مجلس الشيوخ، وظل محتفظا به 6 دورات.

وقضى ماكين 35 عاما في ممثلا لأريزونا، شارك خلالها بقوة في نقاشات حول الحرب والسلام والتوجهات الأخلاقية للأمة.

وكان ماكين مؤيدًا لمجتمع الأعمال، ومن دعاة سياسات السوق الحرة ومعارضي الإجهاض، وصوّت ضد الأغلبية الجمهورية في مشروعات قوانين عدة كان لها صدى واسع.

وعمل السيناتور الراحل على عدة قضايا أبرزها تشديد القوانين المتعلقة بالتبغ، وإصلاح نظام تمويل الحملات الانتخابية الذي عمل على إصلاحه بعد تبرئة ساحته في فضيحة تبرعات انتخابية في الثمانينيات. كما أيد قرار حرب العراق عام 2003، وفي عام 2007 ساند قرار زيادة عدد القوات الأميركية هناك.

ورغم أن ماكين كان حاد الطباع، إلا أنه كان يتمتع بشعبية في أوساط الديمقراطيين، نظرًا لآرائه الليبرالية إزاء بعض القضايا، رغم كونه محافظًا، كما كان أيضًا منفتحًا على الرأي العام والصحافة.

وكان معروفًا عنه أسلوبه المباشر والصريح في الحديث عن القضايا المختلفة، ما أدخله في عدة معارك كلامية، كان نادرًا ما ينسحب منها بسهولة.

الترشح للرئاسة

في عام 2000، حاول ماكين نيل ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة، وبالفعل تصدر السباق على منافسه جورج بوش الابن في الجولة الأولى، لكنه لم يحقق نتائج طيبة في التصفيات اللاحقة، وخسر السباق في النهاية وسلم بالهزيمة أمام بوش بعد حملة مريرة.

وفي عام 2008، خاض ماكين الانتخابات الرئاسية كمرشح عن الحزب الجمهوري المحافظ، أمام الرئيس السابق باراك أوباما، لكنه خسر الانتخابات أمام أوباما الذي حصل علي 53 بالمائة من الأصوات، مقابل 46 بالمائة لماكين الذي تعرض لانتقادات ‏واسعة وقتها بسبب تسميته سارة بايلن المثيرة للجدل لمنصب نائب الرئيس.‏

معارك ضد ترامب

من منطلق الولاء للحزب أيد ماكين ترامب عندما فاز بترشيح الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة. لكنه سحب تأييده في أكتوبر 2016 بعد الكشف عن تسجيل يتباهى فيه ترامب بالتحرش بالنساء. وظل ماكين منذ ذلك الحين من منتقدي رئاسة ترامب.

وصوّت العام الماضي ضد استبدال قانون الرعاية الصحية المعروف باسم (أوباما كير)، ودخل في معارك مع الرئيس ترامب الذي كان يدعم الاستبدال.

وبعد أن انتقد ماكين الخطاب العنيف لترامب تجاه الهجرة غير الشرعية، أبدى ترامب استخفافه بالتاريخ العسكري لماكين قائلا إنه يفضل “الأشخاص الذين لم يقعوا في الأسر”.

تكريمات

رغم خسارته مرتين في الانتخابات الرئاسية، يعتبر ماكين واحدًا من أبرز السياسيين في واشنطن وأمريكا، وكان يشغل منصب رئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، وتقديرا لجهوده تم إطلاق اسمه على قانون ميزانية وزارة الدفاع.

وفي 2017 نال ماكين “وسام الحرية” من مركز الدستور الوطني، وسلمه له جو بايدن، نائب الرئيس السابق باراك أوباما، وحصل أيضا على العديد من الشهادات الشرفية من جامعات أميركية وأجنبية.

ومن بين الأوسمة التي تقلدها ماكين 3 من ميداليات النجمة البرونزية، ونال وسام القلب الأرجواني مرتين، ووسام الاستحقاق مرتين، ووسام النجمة الفضية، وصليب الطيران المتميز.

أمريكا تنعي ماكين

نعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السيناتور جون ماكين، وقال ترامب ـ في تغريدة، حسبما أفادت قناة (الحرة) الإخبارية، إن “تعازينا الحارة واحترامنا وقلوبنا مع أسرة السيناتور ماكين”. وأمر ترامب بتنكيس العلم فوق البيت الأبيض حدادا على وفاة جون ماكين.

 كما نعى وفاة السيناتور ماكين، وأعرب في تغريدة على موقع التدونيات المصغرة (تويتر) عن تعازي عائلته لأسرة ماكين بالكامل، كما أعرب عن تقديره للدور الذي لعبه ماكين في خدمة الشعب الأمريكي في الحياة العامة والعسكرية.

أيضًا نعى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما السناتور جون ماكين، ونقلت مجلة “تايم” الأمريكية عن أوباما قوله فى تغريدة على موقع تويتر : “أنا وجون ماكين ننتمى لأجيال مختلفة، ولكل منا مرجعيته الخاصة، التي تختلف عن الآخر، وتنافسنا في قمة الهرم السياسي، لكن لدينا قاسما مشتركا وهو الإخلاص لشيء أسمى وهو المثل العليا، التي حارب من أجلها أجيال من الأمريكيين، لقد رأينا هذا البلد كمكان يمكن أن يكون فيه أي شيء ممكنًا – والمواطنة هي التزامنا الوطني لضمان بقائها إلى الأبد على هذا النحو”.

من جانبها نعت ، المرشحة الديمقراطية السابقة على مقعد الرئاسة الأمريكية، ‏السيناتور جون ماكين . ووصفت هيلارى، ‏ماكين، بأنه عاش حياته لخدمة بلده، بدءًا من بطولته في البحرية، و35 سنة في ‏الكونجرس. وتابعت: “كان سياسيا قويا، وهو زميل موثوق به، ببساطه لن يكون هناك ‏شخص آخر مثله”. وأكملت ناعية أسرة ماكين:” أفكاري وصلاتي مع سيندى وعائلته ‏بأكملها”.‏

كما نعى وفاة ماكين، قائلا “إنه وضع المبدأ قبل السياسة، كما أنه وضع مصلحة البلاد أمام مصلحته الخاصة، وكان واحدًا من أكثر الرجال شجاعة في القرن”، واصفا يوم وفاته بـ”اليوم الحزين للولايات المتحدة الأمريكية”.

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

error:
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين