أحداث عالميةتقارير

الصحافة الرقمية في مواجهة الورقية .. البقاء لمن يواكب المستقبل

أحمـد الغــر

في عام 2009، بدأت في تشعر بالمعاناة بعد انتشار المواقع الإخبارية على . وكانت البداية مع صحف محلية صغيرة تعلن عن تحولها لنسخ إلكترونية على الانترنت فقط، أو على أقل تقدير تخفيض عدد النسخ المطبوعة.

وسرعان ما أعلنت بعض الصحف الكبرى عن اعتزامها الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين، ثم التحول نحو الرقمنة، حيث بدأ الصراع على حصة الإعلانات الرقمية، كونها باتت تمثل كعكة الإعلانات الكبرى.

هذا التطور لم يأت من فراغ؛ فالخبراء والمستثمرون والمهتمون في مجال الإعلام، وجدوا في السنوات الأخيرة، أن مؤسسات الأخبار الرقمية ذات الطابع السريع، هي التي تقود مستقبل صناعة الإعلام في العالم.

وفي ظل الأزمة التي تعيشها الصحف المطبوعة، بات التحول صوب ، والاستغناء عن النسخ الورقية هو السبيل للحفاظ على المنافسة، وبات البقاء لمن يواكب الزمن ويتطور مع خطواته المتسارعة.

أزمة الورق

انتهى العصر الذي كانت فيه صحافة الورق والحبر تحتكر الإعلام، وتتربع على عرش الأخبار، وانهارت صحف كبرى أصرت على أن الجريدة الورقية هي الباقية، ولم تعترف بحقيقة أن “وسائل الإعلام المكتوب” لا تناسب روح العصر، وحلَّ محلها بما تحمله من سرعة وحيوية في نقل الأحداث، مدعومة بالصور والفيديو والروابط المتشعبة.

دراسات عدّة صدرت خلال الأعوام الماضية، تتحدث عن قرب انقراض الصحف الورقية، وقد تحقق ذلك عمليًا من خلال إسدال الستار على النسخ الورقية لبعض الصحف، والاكتفاء بموقع إلكتروني للجريدة، فيما بقيت المطبوعات الورقية ـ خاصة الحكوميةـ التي لا تزال تُطبع وتوزع مستمرة، رغم الخسائر.

تتطور الأزمة مع معرفة أن قارئ الصحف المطبوعة سيختفي في غضون السنوات العشر المقبلة على أقصى تقدير، في ظل تسارع وتيرة التكنولوجيا وأنماط تداول المعلومة والخبر، كما أن الإعلانات ستختفي من في ظل عدم فاعليتها.

اختفاء الصحف التقليدية

كانت بداية الصحافة الورقية بشكلها الحديث منذ القرن السابع عشر، تحديدًا في أوروبا، حيث تم نشر صحيفة ألمانية لأول مرة عام 1605م، وتلتها كثير من الصحف، وبعضها مستمر ويصدر حتى يومنا هذا، ثم بدأت الصحافة في الولايات المتحدة في أواخر القرن السابع عشر من مدينة بوسطن.

أما في الوطن العربي، فقد كانت بداية الصحافة الورقية في مصر عبر جريدة “الوقائع المصرية”، والتي بدأ نشرها في 1828م، ثم تلتها جريدة “الأهرام” في 1875م، وفي السعودية كانت البداية من جريدة “أم القرى” والتي تختص بنشر الأخبار الحكومية، والتي نُشِرَت للمرة الأولى في 12 ديسمبر 1924م.

لـكـن تاريخ بعض الصحف الورقية العريق لم يشفع لها، حيث يزيد عمر بعضها على 200 عام، وبالرغم من ذلك لم تستطع منع تراجع تأثيرها وضعف نسب التوزيع والإعلانات.

لكن ثمة اتفاق بين الخبراء المتخصصين على أن الصحافة المطبوعة ستحافظ على وجود محدود ورمزي، وستواصل التراجع كميًا، مع زيادة التعرض للوسائط الإلكترونية، ولكن ستبقى حظوظها محدودة.

انفجار معلوماتي

نعيش اليوم عصر العولمة والانفجار المعلوماتي على جميع مستوياته وتنوعاته، بما يتيح التواصل المباشر بين المعطي والمتلقي، إذ تنشر الصحف الرقمية كل المستجدات وأحداث الساعة في لحظتها، وتستفيد من سرعتها في نقل الأحداث بتفاصيلها الدقيقة.

بينما الصحافة الورقية تنشرها في اليوم التالي، ولأن القارئ الذي يستخدم الإنترنت يكون قد اطلع على ما حوله من أحداث، تصبح مادة الجريدة الورقية في اليوم التالي وجبة منتهية الصلاحية، قليلة الدسم، وعديمة الطعم.

كل هذه الأسباب مكّنت من النمو السريع والانتشار المطرد، بفضل مزايا يصعب توفرها في الصحف الورقية.. فبالإضافة لسرعتها الآنية، فهي أكثر قدرة على النجاة من مقص الرقيب، والتواجد في كافة الدول والقارات (بنقرة زر)، ناهيك عن كلفتها الزهيدة، حيث لا ورق، ولا حبر، ولا حتى مبنى كبير!

أوكسجين المواقع

أيضًا تطوّرت وسائل الإعلانات في المواقع الإلكترونية وخدمات الإنترنت، ورغم أنّ مواقع الأخبار المتنوّعة لا تفرض على القارئ دفع أيّ ثمن لقراءة أخبارها، إلا أنها تكسب منه مادّيًا عندما يقوم بالنقر على الإعلانات التي تهمّه أو من خلال مشاهدته للإعلانات التي تنشرها على الموقع.

فالمعلنون يقومون بالتسويق لخدماتهم ومنتجاتهم من خلال المواقع الإخبارية، نظرًا لسهولة العمل على المنصّات الالكترونية، بالإضافة إلى قدرة المُعلن على توجيه الإعلان بطريقة مباشرة نحو الهدف، من خلال تحديد سنّ القرّاء، والأماكن التي يوجدون فيها، واهتماماتهم، وغيرها الكثير.

محتوى مدفوع

في المقابل؛ فإن بعض الصحف الإلكترونية قامت بالتحول من كونها مواقع مجّانية إلى مواقع مدفوعة، حيث تفرض على المستخدم دفع مبلغ مادّي مقابل الدخول وقراءة محتوياتها.

بعضها على سبيل المثال يوفّر للقارئ مثلاً 5 مقالات مجّانًا بشكل شهري، وإذا كان يريد تصفّح بقية المقالات، التي تنشر يوميًا، فيمكنه ذلك من خلال دفع اشتراك أسبوعي أو شهري أو سنوي، وأبرز الأمثلة على ذلك: صحيفتي “نيويورك تايمز”، و”لو فيجارو” الفرنسية.

من جهة أخرى، هناك بعض الصحف الإلكترونية التي ترفض إدراج الإعلانات، وتطلب من القراء التبرّع بالمال، وذلك من أجل الدعم لاستمرار تقديم خدمة الأخبار والمقالات بالمجان، وعلى مدار الساعة وتتابع التغطيات في مختلف المجالات، وهناك مواقع تجمع بين الإعلانات والتبرعات مثل صحيفة “الجارديان” البريطانية.

ذكاء اصطناعي

من أجل تخفيض النفقات، وتجنبًا لإغلاق النسخة الورقية، حاولت صحف ومجلات عديدة، استغلال الذكاء الاصطناعي وتقنيات الواقع المعزز AR، في تطوير أداء وديناميكية النسخ المطبوعة.

وذلك بأن تشترى النسخة الورقية، ثم تستخدم تطبيقات خاصة على الهاتف المحمول، فتتحرك المقالات والصور في الشاشة، وتتحول لفيديو أو أشكال ثلاثية الأبعاد، لذلك فالإخراج الصحفي عامل أساسي حاليًا في جذب القارئ للصحف التي تريد صنع مصداقيتها.

وبهذه الحيلة؛ يمكن للصحف الورقية أن تجد سبيلًا للبقاء، فعلى سبيل المثال نجد أن اليابان التي تعد من أهم المراكز التكنولوجية في العالم، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 127 مليون نسمة، يجري فيها توزيع الصحف بأعداد تتراوح بين 50 و60 مليون نسخة، وهو عدد كبير، ويدل على عدم موضوعية الاتجاه القائل بأن الصحف الورقية قد تختفي تمامًا.

المجانية هي الحل

من بين البدائل المطروحة أمام الصحافة الورقية كي تستمر وتبقى، هو التوزيع المجاني، الذي يستند إلى فكرة ضخ أموال للإنفاق على الصحيفة المطبوعة من خلال الإعلانات، دون النظر إلى ثمن الصحيفة التي ستكون بالمجان، كي تستطيع الاستمرار، ومواجهة التحدي المتزايد مع الصحافة الإلكترونية.

فالصحيفة المجانية سيتم تمويلها من الإعلانات بشكل كامل، وستحتوي على جميع الأبواب التي تهم القارئ (، ورياضة، واقتصاد، وفن) وغيرها، وسيحظى القارئ بالحصول على نسخة مجانية منها تحتوي في طياتها على إعلانات عديدة، وهذه فكرة تسويقية معتمدة على مبدأ أن الناس يقبلون على كل ما هو مجاني.

لكن ثمة عيب خطير يصيب الصحف الورقية المجانية، حيث أن غالبيتها قد فشل في اكتساب المصداقية لدى القارئ، لأنها تعتمد وتتبنى وجهة نظر المُعلن، الذي هو بمثابة الممول للجريدة، إلى جانب اعتماد تلك النوعية من الصحف على الإثارة.

لكن بعيدًا عن الصحافة الورقية التقليدية، والصحافة الإلكترونية المعهودة منذ عدة سنوات قليلة، فإن ثمة صحافة جديدة، بدأت على عجل، وانتشرت كالنار في الهشيم، وهي صحافة السوشيال ميديا، أو صحافة الأفراد العاديين التي تُعرف باسم “صحافة المواطن”، وهذه سنتناولها بشيء من التحليل في تقرير لاحق على موقعنا “راديو صوت العرب من ”.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: