تقارير

السعودية وأميركا.. شراكة إستراتيجية أم صداقة مدفوعة الثمن؟

إعداد وتحرير: علي البلهاسي

علاقات تبدو في ظاهرها قوية متينة، لكنها في باطنها تعاني العديد من المشكلات، تقربها المصالح تارة وتبعدها المواقف تارة أخرى، تلك هي العلاقات الأمريكية التي شهدت خلال الأيام القليلة الماضية تصريحات وتصريحات مضادة عكرت الأجواء، وفتحت المجال لتساؤلات عدة حول حقيقة العلاقات بين البلدين، وهل هي علاقات إستراتيجية تربطها مصالح مشتركة، أم هي صداقة مدفوعة الثمن تقوى بالمال وتضعف بحجبه.

كعادته ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حجرًا في مياه العلاقات بين البلدين بتصريحات تضاف إلى سجله الطويل من التصريحات المثيرة للجدل، حتى أن مثل هذه التصريحات مع تكرارها باتت متوقعة، بعد أن كانت فيما سبق توصف بأنها غير مسبوقة.

الدفع مقابل الحماية

ترامب كشف مؤخرًا أنه طلب من العاهل السعودي دفع مزيد من الأموال نظير الحماية الأميركية لبلاده، في صفقة مفادها “ادفع وإلا نتركك تسقط”، مؤكدًا أن النظام السعودي لن يبقى في السلطة أسبوعين دون الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة، وأن هذه الحماية لن تكون بدون مقابل.

وللمرة الثالثة خلال أسبوع، تحدث ترامب خلال تجمع انتخابي للجمهوريين خاص بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في ولاية مينيسوتا، مساء الخميس الماضي، عن مطالبته للعاهل السعودي الملك سلمان بأن تدفع المملكة الأموال لأمريكا مقابل حمايتها، وذلك بعد تصريحات مماثلة في تجمعين بولاية ميسيسبي، الثلاثاء الماضي، وولاية ويست فيرجينيا، السبت قبل الماضي.

حيث قال ترامب في تجمع انتخابي للجمهوريين بولاية فرجينيا، إن “الملك سلمان بن عبد العزيز يمتلك تريليونات من الدولارات، ولكن من دون الولايات المتحدة الأميركية (الله وحده يعلم ماذا سيحدث) للمملكة”. وبحسب ترامب، فإنه أبلغ الملك سلمان خلال اتصال هاتفي تم مؤخرًا أنه “ربما لن يكون قادرًا على الاحتفاظ بطائراته، لأن السعودية ستتعرض للهجوم”، وتابع: “لكن معنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه”.

ثم عاد ترامب ليقول في تجمع انتخابي في ساوثافن بولاية “مسيسبي” الأمريكية: “قلت صراحة إلى الملك سلمان أنه لن يظل في الحكم لأسبوعين من دون دعم الجيش الأمريكي”. وأوضح ترامب أن هذا كان خلال ضغطه على السعودية من أجل كبح عملية ارتفاع العالمية.

وفي ولاية مينيسوتا قال ترامب: “نحن ندافع عن دول غنية جدًا ولا يدفعون مقابلا لذلك أو يدفعون نسبة ضئيلة، ونحن نتفاهم معهم بشكل جيد، خذوا السعودية كمثال، هل تعتقدون أن لديهم بعض المال؟ نحن ندافع عنهم بينما هم يدفعون نسبة ضئيلة في المقابل، إنهم يدفعون ما نسبته 30% فقط”.

وتابع: “قلت للملك سلمان وهو صديقي: اعذرني هل تمانع الدفع مقابل الجيش؟ فأجابه الملك: لم يطلب أحد مني ذلك من قبل، فقال ترامب للملك: أنا أطلب منك أيها الملك، فأجابه الملك سلمان: “هل أنت جاد؟، فرد عليه ترامب قائلا: أنا جاد للغاية… ثق بي في ذلك، ليقول متحمسًا وكاشفًا عن تعهد الملك سلمان بالدفع قائلا: “سيقومون بالدفع”، مشيرًا إلى أن الملك سلمان أخبره بأنه لا أحد تطرق لهذه النقطة سابقًا.

مسلسل أخطاء

تصريحات ترامب المهينة للسعودية لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبق أن قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مارس الماضي، إن “المملكة العربية السعودية دولة ثرية جدًا، وسوف تعطينا جزءاً من هذه الثروة في شكل وظائف أو شراء معدات عسكرية، كما نأمل”.

وخلال حملة ترشحه لرئاسة أمريكا عام 2016 أطلق ترامب تصريحات مشابهة، بل وربما أكثر قسوة، حيث وصف السعودية بالبقرة الحلوب، التي تدر ذهبًا ودولارات بحسب الطلب الأمريكي، مطالباً النظام السعودي بدفع ثلاثة أرباع ثروته كبدل عن الحماية التي تقدمها القوات الأمريكية لآل سعود داخلياً وخارجياً.

وتسببت هذه التصريحات في ردود فعل سلبية لدى الجانب السعودي حتى أن البعض اعتبر أن ترامب يقول مثل هذه التصريحات الخالية من الدبلوماسية أطلقها ترامب كما لو أنه واثق من عدم الفوز، أو أن المملكة ستختفي بمجرد فوزه بالرئاسة.

لكن خطط ترامب لسحب المليارات من الخزائن الخليجية ليست وليدة الأشهر والسنوات الماضية، وإنما تعود إلى 30 ثلاثين عاما خلت. ففي حوار أجرته معه المذيعة الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري، سنة 1988، يقول ترامب: “سأجعل حلفاءنا يدفعون ما عليهم من حصص، إنهم يعيشون كالملوك. أفقر شخص في يعيش كالملوك ومع ذلك لا يدفعون. نحن نوفر لهم إمكانية بيع نفطهم لماذا لا يدفعون لنا 25 في المائة مما يجنونه؟”. وخلال حملته الانتخابية في عام 2016، قال ترامب: “دول الخليج لا تملك سوى المال سأجعلهم يدفعون، نحن مدينون بـ19 تريليون دولار لن ندفعها نحن، هم سيدفعون”.

رد سعودي

في البداية لم تعلق السعودية على تصريحات ترامب حول الدفع مقابل الحماية، فيما أفادت وكالة الأنباء السعودية أن الملك سلمان تلقى اتصالا هاتفيًا من ترامب جرى خلاله “بحث العلاقات المتميزة وسبل تطويرها في ضوء الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، إلى جانب بحث تطورات الأوضاع في المنطقة والعالم”.

لكن بعد تكرار التصريحات في ثلاث مناسبات وأيام مختلفة جاء الرد السعودي على لسان ، ، وذلك في حديثه مع صحيفة “بلومبيرج” قائلًا: “السعودية كانت موجودة منذ عام 1744، أي قبل أكثر من 30 عامًا من وجود الولايات المتحدة الأميركية”. وأضاف: “السعودية تحتاج إلى ما يقارب ألفي عام لكي تواجه بعض المخاطر.. لذلك أعتقد بأن ذلك (تصريح ترامب) غير دقيق”.

وحول أن السعودية لن تستطيع الصمود لأسبوعين بدون الحماية الأمريكية قال بن سلمان: “في تقديري، وأعتذر إذا أساء أحد فهم ذلك، أن الرئيس أوباما خلال فترة رئاسته التي دامت 8 أعوام قد عمل ضد أغلب أجندتنا، ليس فقط في السعودية، وإنما في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة عملت ضد أجندتنا، إلا أننا كنا قادرين على حماية مصالحنا، وقد كانت النتيجة النهائية هي أننا نجحنا، وأن الولايات المتحدة الأميركية في ظل قيادة أوباما قد فشلت”.

وأكد بن سلمان أن المملكة لن تدفع شيئًا مقابل أمنها، قائلًا: “نعتقد بأن جميع الأسلحة التي حصلنا عليها من الولايات المتحدة الأمريكية قد دفعنا من أجلها، إنها ليست أسلحة مجانية فمنذ أن بدأت العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية؛ قمنا بشراء كل شيء بالمال. فقبل عامين، كانت لدينا إستراتيجية لتحويل معظم تسلحنا إلى دول أخرى، ولكن عندما أصبح ترامب رئيسًا قمنا بتغيير إستراتيجيتنا للتسلح مرة أخرى للـ 10 أعوام القادمة لنجعل أكثر من 60% منها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا السبب خلقنا فرصًا من مبلغ الـ 400 مليار دولار، وفرصًا للتسلح والاستثمار، وفرصًا تجارية أخرى. ولذلك فإن هذا يُعد إنجازًا جيدًا للرئيس ترامب وللسعودية. كما تتضمن تلك الاتفاقيات أيضًا تصنيع جزء من هذه الأسلحة في السعودية، وذلك سيخلق وظائف في أمريكا والسعودية، تجارة جيدة وفوائد جيدة لكلا البلدين، كما أنه نمو اقتصادي جيد، بالإضافة إلى أن ذلك سيساعد أمننا”.

واعتبر الأمير السعودي أن بلاده تقبل مسألة أن أي صديق سيقول أمورًا جيدة وسيئة، قائلاً: “أنتم تعلمون أنه يجب عليك تقبل مسألة أن أي صديق سيقول أمورًا جيدة وسيئة، لذلك لا يمكنك أن تحظي بأصدقاء يقولون أمورًا جيدة عنك بنسبة 100% حتى داخل عائلتك. سيكون هناك سوء الفهم لذا نحن نضع ذلك ضمن هذا الإطار”.

وفي تقييمه لما طرحه ترامب قال بن سلمان إن ترامب “كان يتحدث لشعبه داخل الولايات المتحدة الأمريكية عن قضية”. وحول ما إذا كان يعتقد أن العلاقات الأمريكية السعودية جيدة الآن كما كانت عليه قبل 24 ساعة من قول الرئيس ترامب لهذه الأمور قال بن سلمان: “نعم بالطبع، إذا نظرت إلى الصورة بشكل عام، سيكون لديك 99% من الأمور الجيدة ومسألة سيئة واحدة فقط”.

وأكد أنه يحب العمل مع الرئيس الأمريكي قائلاً: “أنا حقًا أحب العمل معه، ولقد حققنا الكثير في الشرق الأوسط خصوصًا ضد التطرف والأيديولوجيات المتطرفة، والإرهاب واختفاء داعش في فترة قصيرة جدًّا في وسوريا، نحن الآن ندحر المتطرفين والإرهابيين وتحركات إيران السلبية في الشرق الأوسط بطريقة جيدة، ولدينا استثمارات ضخمة بين كلا البلدين ولدينا تحسن في تجارتنا والكثير من الإنجازات، لذلك فهذا أمر عظيم جدًّا”.

أسعار النفط

طلبات الرئيس الأمريكي من السعوديين لا تقف عند حد دفع الأموال، فقد سبق أن طلب ترامب من العاهل السعودي الملك سلمان زيادة إنتاج النفط بنحو مليوني برميل يوميًا، وقال في تغريدة: “تحدثت للتو مع الملك السعودي سلمان، وشرحت له أنه بسبب الاضطرابات والخلل في إيران وفنزويلا، أطلب بأن تزيد السعودية إنتاج النفط، ربما حتى مليوني برميل للتعويض”، مضيفا أن “الأسعار مرتفعة للغاية! وقد وافق”.

وكان ترامب قد أعرب عن خشيته من ارتفاع أسعار النفط عالميًا بسبب قلة المعروض خصوصا جراء الاضطرابات التي تحدث في إيران وفنزويلا.

وسبق أن ربط ترامب الدعم الأمريكي لدول الشرق الأوسط بأسعار النفط، داعيا أوبك من جديد إلى خفض الأسعار. وقال ترامب على تويتر، ”نحمي دول الشرق الأوسط، ومن غيرنا لن يكونوا آمنين، ومع ذلك يواصلون دفع أسعار النفط لأعلى! سنتذكر ذلك. على منظمة أوبك المحتكرة للسوق دفع الأسعار للانخفاض الآن!“

ودعا ترامب السعودية، أكبر منتج في أوبك، لزيادة الإنتاج قائلا إن عليها مساعدة الولايات المتحدة في خفض أسعار الوقود بما أن تساعد الرياض في صراعها مع إيران.

وتخشى السعودية من أن توقد طفرة في أسعار النفط بسبب العقوبات شرارة انتقادات جديدة من ترامب. ويسعى الرئيس الأميركي إلى خفض أسعار النفط لتحقيق أهداف إستراتيجية في هذه المرحلة الحساسة لمستقبله السياسي.

ووفقاً لتحليل نشره موقع (زيرو هيدج) المصرفي الأميركي، فإن ترامب يرغب في خفض سعر الوقود في الذي بات يهدد مستقبل حصول الحزب الجمهوري على أغلبية في انتخابات الكونغرس المقبلة. وقد أضافت الزيادة في أسعار النفط خلال العام الجاري حوالى 400 دولار في المتوسط لفاتورة الوقود التي يدفعها المواطن الأميركي سنوياً.

وعلى الرغم من أن خفض أسعار النفط عبر زيادة الإنتاج سيضر بمصالح الشركات النفطية في أميركا، إلا أنه وحسب محللين، فإن هذه الشركات ستكون سعيدة بهذه التضحية لأنها تأتي في مقابل ضمان سيطرة الرئيس ترامب على الكونغرس في الفترة المقبلة وخدمة مصالحها النفطية على مدى أطول.

استجابة سعودية

وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير لها عن تغير في إستراتيجية السعودية في سوق النفط بعد الطلب الأميركي، فقد بدأت المملكة بزيادة إنتاجها النفطي بعد أن حرصت أكثر من عام ونصف العام على خفضه لدعم الأسعار. وذكرت الصحيفة في التقرير ونقلاً عن مصدر سعودي، أن السعودية زادت إنتاجها النفطي بأكثر من 100 ألف برميل من النفط في اليوم، وأنها ماضية في هذا النهج بما يساهم في طمأنة سوق النفط العالمية من مخاوف انقطاع إمدادات النفط الإيراني بسبب العقوبات الأميركية.

وحول تذمر ترامب من أسعار النفط عند سعر 80 دولارًا، قال بن سلمان في تصريحاته لـ”بلومبرج”: “على مدى تاريخ السعودية لم نقرر قط ما إذا كان سعر النفط صحيحًا أم لا. سعر النفط يعتمد على العرض والطلب وبناءً عليهما يتحدد سعر النفط. إن ما التزمنا به في السعودية هو التأكد من عدم وجود نقص في المعروض. لذلك نحن نعمل مع حلفائنا في أوبك والدول غير الأعضاء في أوبك للتأكد وجود معروض مستدام لدينا من النفط، وأنه ليس هناك نقص، وأن هناك طلب جيد، والذي لن يخلق مشاكل للمستهلكين وخططهم وتنميتهم”.

وحول طلبات ترامب من السعودية بشأن النفط قال بن سلمان: “الطلب الذي قدمته أمريكا للسعودية والدول الأخرى الأعضاء في أوبك هو التأكد من أنه إذا كان هناك نقص في المعروض من قِبل إيران فإننا سنوفر ذلك، وقد حصل ذلك؛ بسبب أن إيران مؤخرًا خفَّضت صادراتها بحوالي 700,000 برميل إن لم أكن مخطئًا. وقد قامت السعودية وشركائها من كبرى الدول الأعضاء وغير الأعضاء في أوبك بزيادة صادراتها بحوالي  1.5 مليون برميل يوميًا. لذلك نحن نصدر ما يُقدر بـ برميلين إضافيين مقابل أي برميل مفقود من طرف إيران مؤخرا، لذا نحن قمنا بعملنا وأكثر، نحن نعتقد بأن الأسعار المرتفعة لدينا في الشهر الماضي ليست بسبب إيران فهي على الأغلب بسبب الأمور التي تحدث في كندا والمكسيك وليبيا وفنزويلا وغيرها من الدول التي أدت إلى ارتفاع السعر قليلًا ولكن بسبب إيران بالطبع لا؛ وذلك لأنها خفضَت حوالي 700,000 برميل يوميًا ونحن قمنا بتصدير أكثر من 1.5 مليون برميل إضافي يوميًا”.

وحول حجم الإنتاج السعودي من النفط حاليًا قال بن سلمان: “اليوم ننتج حوالي 10.7 مليون برميل يوميًا إن لم أكن مخطئًا. ولدينا مخزونٌ احتياطي يقدَّر بـ 1.3 مليون برميل يوميًا دون أي استثمار؛ لذا فلدينا في السعودية 1.3 مليون برميل يوميًا جاهزة في حال احتاج السوق لذلك، ومع دول منظمة أوبك ودول خارج المنظمة نحن نعتقد أن لدينا أكثر من ذلك، أكثر من ذلك بقليل. وبالتأكيد هناك فرصة للاستثمار خلال ثلاثة إلى خمسة أعوامٍ قادمة. وما أعلنت عنه السعودية هو أنه إذا كان هنالك أي طلب، سوف نقوم بالإمداد مع الأخذ بعين الاعتبار قدرتنا على القيام بذلك، وما أعلناه في السعودية هو أننا مُستعدون للاستجابة لأي طلب وأي تغطية لعجز نفط إيران”.

دفع تكاليف

دفع الثمن لم يقتصر على دفع المال وشراء الأسلحة وزيادة إنتاج النفط، ولكن امتد لمناطق أخرى مثل سوريا، حيث أكد ترامب مرارًا على أن السعودية أولى بتحمل نفقات إعادة إعمار سوريا. وطالب الرئيس الأمريكي الدول الغنية في الشرق الأوسط، خاصة المملكة العربية السعودية، بتبني تمويل إعادة إعمار سوريا بعد إعلانه توقف الولايات المتحدة عن مساعدة سوريا.

ووصف ترامب، المعونة الأمريكية السنوية لسوريا من أجل إعادة إعمارها والتي تقدر قيمتها بـ 230 مليون دولار بـ “الهزيلة”، قائلا: “الولايات المتحدة ستوقف هذه المدفوعات السنوية الهزيلة البالغة 230 مليون دولار لإعادة إعمار سوريا، والسعودية ودول غنية أخرى في الشرق الأوسط ستبدأ في الدفع بدلا من واشنطن”.

وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قال في أبريل الماضي، رداً على طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بقاء القوات الأمريكية في سوريا، إن التدخل الأمريكي في تلك البلاد “مكلف ويخدم مصالح دول أخرى، وإذا كانت السعودية تريد بقاء القوات الأمريكية هناك فعليها دفع تكاليف ذلك”.

وبالفعل استجابت السعودية للطلب الأمريكي، وأعلنت تسديد أكبر مبلغ للتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن في سوريا، لتسدد بذلك 100 مليون دولار دعماً للقوات الأمريكية في سوريا، كأول فاتورة طلبها الرئيس الأمريكي مقابل بقاء قواته في سوريا، فيما تعهدت الإمارات بدفع 50 مليون دولار للغرض نفسه.

وفي الصدد، قال البروفيسور في كلية الحقوق بمدرسة الاقتصاد العليا، ألكسندر دومرين، لـ”فزغلياد”: “ينظر ترامب إلى البيت الأبيض كمشروع استثماري، والولايات المتحدة كشركة كبيرة. ومن هذا المنظور يتفاوض مع السعودية: “تريدوننا أن نبقى في سوريا- ادفعوا الثمن. إذا كنتم لا تريدون، فابقوا لوحدكم في مواجهة إيران والروس”.

ومن جهته قال، مدير مركز الشرق الأوسط وآسيا الوسطى للدراسات، سيميون باغداساروف، إنه على يقين من أن ترامب ينظم عمدا مثل هذا الابتزاز. فقال لـ”فزغلياد”: “هاتوا المال”- هذه هو تكتيك التداول النموذجي عند ترامب.

وأشار باغداساروف إلى أن البديل عن انسحاب القوات الأمريكية بالنسبة للرياض ليس وردياً: “إذا دفع السعوديون، فسوف يكون ذلك بمثابة ابتزاز دائم لهم. ويمكن للولايات المتحدة أن تستثمر في هذا البزنس طويلا”.

وهناك من يصف سياسة ترامب الخارجية بأنها تسير وفق عقلية التاجر، بل وحتى تقديم خدمات عسكرية مقابل المال، كما جاء في مقال إيشان ثارور، المعلق في صحيفة “واشنطن بوست”، والذي قال إن الطريقة التجارية التي تسيطر على ذهن ترامب غالبًا ما تقوده للحكم على الأمور.

أزمة اليمن وصفقات السلاح

تعتبر السعودية من أكبر الأسواق للأسلحة الأميركية. وتقدم الولايات المتحدة مساعدات استخبارية وخدمات التزود جوا بالوقود للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية في مواجهة الحوثيين في اليمن.

وقد بلغ حجم صادرات السلاح الأمريكي إلى المملكة العربية السعودية خلال فترة 2015 – 2017 أكثر من 43 مليار دولار. وشملت معدات وأسلحة عسكرية ومروحيات وسفن حربية ودبابات آبراهامز إضافة إلى طائرات حربية. ووقعت السعودية كذلك صفقة مع الولايات المتحدة لتوريد كميات مختلفة من المنظومات الصاروخية الدفاعية ومعدات لها.

وفي 20 مايو عام 2017، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باسم الولايات المتحدة صفقة أسلحة مع المملكة العربية السعودية بلغت قيمتها 350 مليار دولار أمريكي وتُعد هذه الصفقة أكبر صفقة أسلحة في التاريخ الأميركي.

وواصلت المملكة مضاعفة حجم ترسانتها من السلاح والذخيرة العسكرية خلال هذا العام، وذلك حسب موقع وكالة التعاون الأمني الدفاعي التابع للبنتاغون، إذ بلغ حجم صفقات السلاح من الولايات المتحدة خلال الأشهر الأولى من 2018 قرابة 3 مليارات دولار. وشملت الصفقة توريد مدافع ذاتية الحركة وطائرات عسكرية ومنظومات مضادة للدبابات، إضافة إلى دبابات وذخائر ومعدات عسكرية.

وكانت إدارة أوباما دائمة الانتقاد للسعودية بسبب الحرب في اليمن، لكن إدارة ترامب تجاهلت هذه الانتقادات وأعلنت دعمها لجهود التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، سواء من خلال مساعدات مباشرة أو من خلال صفقات الأسلحة. وأكد وزير الدفاع الأميركي أن “السعودية جزء أساسي من الحل السياسي في اليمن”، مضيفا “سنصل لحل في اليمن لصالح الشعب اليمني والاستقرار الإقليمي”.

وحذّر السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، دائم الانتقاد للدعم الأمريكية لحرب السعودية في اليمن، من المساعدات الأمريكية للسعوديين. وقال: “على إدارة ترامب أن تواصل توضيحها للسعودية أن الولايات المتحدة لن تدعم حملة تتعمد تجويع المدنيين لإخضاعهم”.

وأصبحت مبيعات الأسلحة للسعودية وغيرها من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قضية مثيرة للجدل داخل الكونغرس الأمريكي الذي يجب أن يقر هذه الصفقات. وصارت صفقات السلاح لدول الخليج تثير اعتراض بعض المشرّعين الذين يستنكرون إسهام أسلحة أمريكية الصنع في سقوط قتلى من المدنيين خلال الحملة التي تقودها السعودية في اليمن.

تعويضات 11 سبتمبر

من وقت لآخر تبرز إلى الواجهة قضية التعويضات السعودية لأمريكا نتيجة تورط المملكة السعودية بهجمات 11 سبتمبر 2001، حيث يرى البعض أن السعودية قد تدفع تعويضات مالية ضخمة جداً للولايات المتحدة جراء عملية “الابتزاز الأميركي”، وهناك تقديرات أولية تقول بأنها قد تصل إلى 3.3 تريليون دولار، بمعنى أنها لن تتوقف عند تعويض أسر الضحايا، وإنما قد تصل لخسائر افتراضية مادية ومعنوية ونفسية أيضا، فعمدة نيويورك وحده، يقدر خسائر ولايته بحوالي 95 مليار دولار، كما يجب أن نضع في حسابنا خسائر شركات الطيران، وربما حروب أمريكا في العراق وأفغانستان وتكاليفها التي جاءت كرد فعل على هجمات سبتمبر.

وكان الكونغرس الأميركي قد أصدر ما يسمى بقانون “العدالة ضد الإرهاب”، الذي يجيز لعائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من أيلول  “بمقاضاة دول مثل السعودية، ومطالبتها بتعويضات مالية ضخمة.

وكشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن الحكومة السعودية هددت “ببيع سندات خزانة وأصول أخرى بالولايات المتحدة قيمتها 750 مليار دولار” في حال إقرار الكونغرس لمشروع قانون يحمل المملكة المسؤولية عن أي دور في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وقالت الصحيفة إن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أبلغ مشرعين أمريكيين أن “السعودية ستجد نفسها مضطرة لبيع سندات خزانة وأصول أخرى بالولايات المتحدة قيمتها 750 مليار دولار خشية أن تتعرض للتجميد بأوامر قضائية أمريكية.”

علاقات الاقتصاد أقدم

حديث ترامب على المال كأساس في العلاقات بين السعودية وأمريكا ليس بالأمر الجديد، فالعلاقات بين البلدين بدأت أساسًا بالاقتصاد، وذلك قبل أكثر من 85 عامًا، حينما منحت المملكة حق التنقيب عن النفط في أراضيها إلى شركة أمريكية، وذلك في عهد الملك عبد العزيز عام 1931. وتعزّزت بزيارة أول وفد سعودي رفيع المستوى لأمريكا عام 1943، ثم بلقاء الملك بالرئيس فرانكلين روزفلت 1945. ووصفت صحف سعودية- آنذاك- علاقات الجانبين بأنها “تاريخ من الوِد المُتبادل”.

وشكلت اللجنة السعودية الأمريكية المشتركة للتعاون الاقتصادي التي أنشئت عام 1974 نقلة نوعية في علاقات التعاون بين البلدين، ولعبت دورا كبيرا في تطوير العلاقات بينهما. ووقع البلدان في 2003 اتفاقية لتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية بينهما، كما تم في سبتمبر 2005 في واشنطن التوقيع على الاتفاقية الثنائية بين المملكة والولايات المتحدة والخاصة بالنفاذ للأسواق في قطاعي تجارة السلع والخدمات المعنية بانضمام‌ المملكة للمنظمة. ويوجد في المملكة حاليا 357 مشروعاً أمريكياً سعودياً مشتركاً باستثمارات قوامها 82 مليار ريال وهذا الاستثمار جعل الولايات المتحدة أكبر مستثمر في المملكة، كما أنها تعد أكبر شريك تجاري للمملكة.

وترتبط المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية بعلاقات اقتصادية وتجارية قويــة، جعلت الولايات المتحدة الأمريكية أحد الشركاء التجاريين.

وقد بلغت قيمة التبادل التجاري بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية في عام 2017 نحو 135 مليار ريال “ما يعادل نحو 36 مليار دولار” مسجلا تراجعا نسبته 3 في المائة عن مستوياته في عام 2016 البالغة قيمته نحو 143.9 مليار ريال “38.4 مليار دولار أمريكي”.

وبحسب رصد وحدة التقارير في صحيفة “الاقتصادية” استند إلى بيانات أمريكية اطلعت عليها، فقد بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين خلال آخر عشر سنوات “2008 – 2017” نحو 2.08 تريليون ريال “555.4 مليار دولار أمريكي”.

ويظهر عمق العلاقات الاقتصادية المتجذرة بين البلدين، في توزع التبادل التجاري إلى صادرات سعودية إلى أمريكا بقيمة 1.38 تريليون ريال “نحو 368.1 مليار دولار أمريكي”، وواردات من الولايات المتحدة بقيمة 702.1 مليار ريال “187.2 مليار دولار أمريكي”.

وبعد أن كانت أولى الدول مع السعودية في قيمة التبادل التجاري طوال 30 عاما وتحديدا من عام 1984 حتى عام 2013، تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى المركز الثاني من حيث قيمة التبادل التجاري بينها وبين السعودية من عام 2014.

إشادة ترامب بالسعودية

مواقف ترامب تجاه السعودية لم تكن كلها انتقادات وإهانة، حيث لم تخل من الإشادة في كثير من الأحيان، لعل آخرها تأكيده أن المملكة العربية السعودية وبقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تعمل على تحقيق إنجازات ضخمة.

وقال ترامب، إن السعودية من الدول التي تقود تغييرات إيجابية مهمة وتعمل على رفاهية واستقرار شعوبها، حيث يسعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولى العهد إلى “إصلاحات جديدة جريئة”.

وثمن ترامب خلال كلمة الولايات المتحدة في المداولات العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مساء الثلاثاء التحولات الاقتصادية والتغييرات المهمة في المملكة، مؤكدا أن الولايات المتحدة تعمل مع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر على تأسيس تحالف استراتيجي إقليمي حتى تتمكن دول الشرق الأوسط من دفع عجلة الرخاء والاستقرار والأمن عبر منطقتهم الأصلية.

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين