تقارير

الانتخابات الرئاسية الجزائرية.. ولاية خامسة لـ”بوتفليقة” أم بداية لخليفته؟

إعداد وتحرير: علي البلهاسي

بعد طول انتظار أعلنت أن الانتخابات الرئاسية في البلاد ستجري يوم 18 أبريل المقبل، لتقطع بذلك الطريق أمام التكهنات باحتمال تأجيلها. وسينطلق السباق الرئاسي رسميًا في ظل إجراءات ضمن دستور 2016، حيث سيتم اختيار رئيس لولاية مدتها 5 سنوات تنتهي عام 2024م.

وسيكون الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة آخر رئيس جزائري بفترات رئاسية مفتوحة، بعد أن تم تحديد مدة الرئاسة بفترتين (10 سنوات) حسب الدستور الجزائري.

ويرى كثيرون أن تحديد موعد للانتخابات الرئاسية في هو بحد ذاته حدث “في غاية الإيجابية”، ويحافظ على المكسب الديمقراطي الذي حققته بعد الخروج من الحرب الأهلية، ويؤشر إلى أن هذا البلد يسعى بالفعل إلى الخروج من الأزمة العميقة الناجمة عن مرض الرئيس بوتفليقة الذي لم يعلن عن ترشحه رسميًا حتى الآن، مما أثار الكثير من التكهنات والتساؤلات بشأن ترشحه ومستقبل البلاد بعده في حال عدم ترشحه.

وقبل إعلان الرئاسة الجزائرية، كانت الساحة السياسية الجزائرية تتحدث عن 3 سيناريوهات متعلقة بالانتخابات، أولها أن يتم إجراؤها، مع ترشيح بوتفليقة نفسه لولاية خامسة، وهو المرجح حتى الآن.

أما السيناريو الثاني، فهو أن تتم الانتخابات في موعدها مع استبعاد ترشح بوتفليقة، لكن احتمال هذا السيناريو يبدو ضئيلا، في ظل غياب شخصية تحظى بإجماع من يوصفون بـ”صانعي القرار” في البلاد من جهة، وبمرشحين من المعارضة يملكون القدرة على استقطاب قاعدة انتخابية واسعة من جهة أخرى.

وكان السيناريو الثالث عبارة عن مبادرة حزبية تدعو إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية والتمديد للرئيس بوتفليقة، لكنه قوبل برفض من قبل المعارضة، كما أنه يخالف الدستور الذي ينص صراحة على أن تأجيل الانتخابات لا يتم إلا في حالة الحرب.

استعدادات حكومية

من جانبه تعهد رئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات الجزائرية ، عبد الوهاب دربال، أن تجري الانتخابات الرئاسية في هدوء وشفافية، وأوضح أنه سيتم تطهير ، مؤكدًا أنه يرفض التهويل بهذا الشأن، من خلال جعل هذه القضية حجة للتشكيك في نزاهة الانتخابات.

وأكد أن الهيئة ستكون على مسافة واحدة من المرشحين دون تمييز ولا مفاضلة، وستقف على الحياد التام، دون أن تدخر جهدًا في تطبيق الصلاحيات المخولة لها من أجل تحقيق انتخابات جادة وجدية وهادئة.

فيما أعلن ، أن عملية مراجعة القوائم الانتخابية ستستمر 15 يومًا طبقا لقانون الانتخابات، مضيفًا أن “كل المواطنين مدعوون إلى التقدم للمصالح البلدية من أجل تسجيل أنفسهم”.

من جانبه أكد ، رئيس الأركان الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، جاهزية الجيش لتأمين الانتخابات الرئاسية بما يسمح للمواطنين من أداء واجبهم وحقهم الانتخابي في ظروف عادية وطبيعية”.

وأشار إلى أن أفراد الجيش الجزائري يسعون – بقوة – إلى أن يوفـوا بواجباتهم الوطنية نحو بلادهم بما في ذلك القيام بالواجب الانتخابي رفقة إخوانهم المواطنين، وفقا للإجراءات والقوانين السارية المفعول”.

وقال “إن هذا على الرغم من بقاء بعض الأصوات، مع الأسف الشديد متمسكين بإعادة طرح ذات الأسئلة، فتارة يتساءلون لماذا ينتخب أفراد الجيش داخل الثكنات، وعندما أصبحوا منذ سنة 2004 يمارسون واجبهم وحقهم الانتخابي خارج الثكنات أي مع إخوانهم المواطنين بدأت نفس هذه الأصوات، تطرح أسئلة لا أساس لها ولا مبرر”.

ترشح بوتفليقة

الإعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية في الجزائر جدد التساؤلات حول موقف الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة من الترشح، خاصة وأن فترة ولايته الرابعة ستنتهي في أواخر أبريل المقبل.

ويحكم بوتفليقة (82 عامًا) الجزائر منذ العام 1999، وبقي في سدة الحكم لأربع ولايات متتالية ولم يعلن حتى الآن نيته للترشح لولاية خامسة، رغم أن تصريحات من دوائر مقربة منه في الأشهر الأخيرة تفيد بنيته الترشح.

وأصيب بوتفليقة بجلطة دماغية عام 2013، الأمر الذي أثر كثيرًا على حالته الصحية، حيث يظهر في السنوات الأخيرة خلال الأحداث العامة وهو على كرسي متحرك. ومنذ مايو/أيار 2012، لم يخاطب بوتفليقة الجزائريين، وغاب عن الأنظار عن عدة محطات تعود حضورها، كما لم يقم بأي نشاط في الخارج.

ويحتفظ بوتفليقة بورقة المناورة والترقب بين يديه، كونه لم يعلن عن موقفه من الترشح حتى الآن، أسوة بالتقليد السياسي الذي دأب عليه خلال الاستحقاقات الرئاسية الماضية، حيث كان يؤجل الإعلان عن ترشحه إلى الأيام الأخيرة من مهلة تقديم ملفات الترشح لهيئة المجلس الدستوري، من أجل الضغط على منافسيه والتعرف على ردود فعل الطبقة السياسية.

وأمام بوتفليقة فترة 45 يوما للإعلان عما إذا كان سيترشح للفوز بفترة خامسة أم لا، لكن المؤكد أن دخوله السباق الانتخابي مجددًا سيجعل منه نسخة طبق الأصل لانتخابات 2014، التي فاز فيها بأكثر من 80 بالمائة من الأصوات، وناب عنه قادة أحزاب الموالاة في تنشيط حملته الدعائية بسبب وضعه الصحي.

وفي الفترة الأخيرة تعززت المؤشرات على توجه السلطة في الجزائر نحو مسار الولاية الخامسة للرئيس بوتفليقة، إذ جدّدت أحزاب الموالاة تمسكها بإعادة ترشيح بوتفليقة للاستمرار في الحكم، وبدأت مرحلة حشد الرأي العام في الجزائر وإقناعه بوجود مصلحة عامة في بقاء بوتفليقة في الرئاسة لفترة أخرى، عبر التركيز على تعداد ما أنجزه طيلة ولاياته الرئاسية الأربع، وقدرته على تجنب الأجندات الخارجية والتصدي للتحديات الداخلية، والحفاظ على استقرار البلاد.

وسبق أن أعلن ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. وقال ، ، إن الحزب ليس لديه أي مرشح بديل في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن خيارهم الوحيد هو الرئيس بوتفليقة.

وكان الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي الذي يشكل الأغلبية الثانية في البرلمان، أحمد أويحيى، قد دعا بدوره بوتفليقة، إلى الاستمرار لولاية خامسة.

فيما أكد رئيس ، عمار غول، المقرب من محيط الرئيس، أنّ أحزاب التحالف الرئاسي تساند الرئيس بوتفليقة للترشح للانتخابات الرئاسية، من أجل “استكمال مسيرته”، مؤكدا أنه “لا يمكنها التخلي عنه بسبب وعكة صحية صغيرة أصابته”.

أما الدعم اللامشروط واللا محدود في ولاية جديدة لبوتفليقة، فقد جاء في بيان رئيس المنظمة الوطنية للزوايا، أكبر تجمع للطرق الصوفية.

 مؤيد ومعارض

وما بين مؤيد ومعارض سيطر الخلاف بشأن ترشح بوتفليقة على المشهد السياسي في الجزائر،  ففي صحيفة “رأي اليوم” اللندنية، يدافع الدكتور “قادة جليد” عن قرار ترشح بوتفليقة قائلاً: “صحيح أن الرئيس مريض ولا يتمتع بالصحة الكاملة كما كان من قبل، لكن هذه الصحة أفناها في خدمة الوطن مجاهدًا وقائدًا، والشعب يعرف ذلك جيدًا، ولا ينسى رموزه وصناع تاريخه، وبهذه القناعة سيذهب الشعب الجزائري بقوة إلى الاستحقاق السياسي القادم لانتخاب الرئيس بوتفليقة من أجل مستقبله ومستقبل أبنائه، ومن أجل الجزائر بعيدًا عن الليبرالية المتوحشة وبعيداً عن السفسطائيين الجدد والمعارضة الدونكيشوتية”.

فيما يأمل البعض في أن “يتمسّك الرئيس الجزائري، أو على الأصح أولئك الذين يشكلون الحلقة الضيقة المحيطة به، برفض الولاية الخامسة، مشيرين إلى أن بوتفليقة حقق إنجازًا كبيرًا على مدار 20 عامًا، تمثّل في “تحقيق السلم الأهلي بعد 10 سنوات من الاضطرابات”.

وقالوا إن بوتفليقة سيقدّم بذلك خدمة أخيرة إلى بلده الجزائر، ويؤكد أنه استطاع بالفعل وضع البلد على طريق التعافي، بعيدًا عن المصالح الشخصية لمجموعة من الشخصيات تمارس حاليًا دور الرئيس.

وأكدوا أنه يجب على الدولة الجزائرية أن تنظم انتخابات حقيقية يوم 18أبريل.. وعندئذ يمكن أن تنشأ علاقة جديدة بين السلطة من جهة، والشعب من جهة أخرى كما حدث في الثورة التحريرية، وهنا تبدأ ثورة جديدة متمثلة في ثورة تطوير البلاد في جميع المجالات.

واعتبر الناشط الحقوقي، عبد الغني بادي، في تصريح لـ “العربية.نت” أن “كل المؤشرات تتجه نحو ترشيح بوتفليقة وليس ترشحه بمحض إرادته”، موضحًا أن “السلطة التي تهيمن على مفاصل الدولة المختفية وراء كرسي الرئيس، خاصة محيط الرئيس والمقربين من عائلته، لا يمكنهم أن يتقبلوا ترك السلطة، وسيستمرون ببوتفليقة إلى حين وفاته أو تدهور صحته إلى أسوأ مما هي عليه”.

من جهته تساءل خير الله خير الله في “العرب” اللندنية، قائلاً: “إذا كان عبد العزيز بوتفليقة لا يستطيع لأسباب كثيرة الاستفادة من دروس تجربة بومدين، ما الذي يمنعه من تفادي الوقوع في الفخ الذي أوقع فيه نفسه فانتهى ‘المجاهد الأكبر’ بالطريقة التي انتهى بها”.

وقال إن بورقيبة كان عليه “الانسحاب من الحلبة السياسية قبل أن يتقدم به العمر وقبل أن يصبح أسير سيدات القصر”، معتبرًا أن تقدمه في السن وفقده القدرة على اتخاذ القرارات السليمة تسبب في الانقلاب الذي نفذه زين العابدين بن علي. وأضاف “يبدو بوتفليقة حاليًا في وضع شبيه بذلك الذي كان عليه بورقيبة”.

المرشحون للرئاسة

أعلنت وزارة الداخلية الجزائرية أنها تلقت 32 طلبًا للترشح لانتخابات الرئاسة موضحة أن المرشحين من بينهم 9 من رؤساء الأحزاب، و23 من المرشحين المستقلين. لكن هناك أسماء قليلة بارزة أعلنت ترشحها ومن بينها رئيس الوزراء الأسبق، على بن فليس، الذي أعلن عزمه خوض سباق انتخابات الرئاسة، وأوضح أن مسألة ترشحه من عدمه سيفصل فيها حزبه، طلائع الحريات، خلال الدورة المقبلة للجنته المركزية.

وكان بن فليس، 74 عامًا، مديرًا لحملة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات عام 1999، ثم رئيسا للوزراء عام 2000، واستقال من منصبه في 2003، ونافس بوتفليقة في سباق 2004، إلا أنه أخفق في الفوز بالرئاسة، كما نافس على انتخابات 2014، وحل ثانيا بنسبة 12% من الأصوات، ثم أسس حزب طلائع الحريات في 2015.

أيضًا أعلن المعارض والناشط السياسي المقيم بفرنسا رشيد نكاز، 47 عامًا، ترشّحه للانتخابات الرئاسية، وتمسك نكاز باقتراح مرشح موحد للمعارضة لإنشاء ما وصفه بـ”دولة القانون بالجزائر”.

كما أعلنت حركة «مجتمع السلم» (حمس)، أكبر حزب إسلامي في الجزائر، إطلاق عملية جمع التوكيلات لدخول السباق على أن يحسم اجتماع لمجلسها الشورى بعد أيام في القرار النهائي واسم مرشحها في السباق الذي يرجح أن يكون رئيسها عبد الرزاق مقرى.

وقدم الحزب دعمه لبوتفليقة في انتخابات 1999 و2004 و2009. لكن سحب منه هذا الدعم في انتخابات 2014. بعد أن غادر وزراؤه الحكومة في 2012. معلنًا انتقاله إلى المعارضة، على خلفية أحداث «الربيع العربي». وأطلق «مجتمع السلم» مساعي لتأجيل الانتخابات، وبحث رئيسه عبد الرزاق مقري هذا الخيار مع رئاسة الجمهورية، لكنه فشل في تحقيقه.

وكان عبد العزيز بلعيد، رئيس «جبهة المستقبل»، أعلن اعتزامه الترشح للسباق، وسبق أن شارك في اقتراع 2014 وحصد 3% من الأصوات.

فيما قال جلول جودي، المكلف بالإعلام في “حزب العمال” الجزائري، إن الحزب سيجتمع نهاية الأسبوع لدراسة موقفه من الانتخابات الرئاسية وسيقرر ما إذا كان سيدفع بمرشح أو سيدعم أحد المرشحين من عدمه.

وسبق لعدد من الشخصيات الحزبية والمستقلة، التعبير عن نيتها في خوض الاستحقاق الرئاسي، على غرار النائب البرلماني السابق طاهر ميسوم، وفتحي غراس، وغاني مهدي، ورئيس حزب الجزائر للعدالة والبناء عبد الرحمن الهاشمي هنانو، لكن النخب السياسية والشخصيات الفاعلة ما زالت تلتزم الصمت، بسبب مخاوف الإغلاق المبكر للعبة إذا تم ترشيح بوتفليقة.

مرشح مثير للجدل

لكن المرشح الذي أثار الجدل هو الجنرال المتقاعد علي غديري (64 عامًا) والذي أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية قائلاً في بيان لوسائل الإعلام الجزائرية: “قررت أن أقبل التحدي.. وهذا التحدي الكبير ينطوي على طرح أسئلة دون أي محظورات على النظام القائم”.

ومن شأن ترشح غديري أن يثير الكثير من الجدل والتساؤلات، خاصة وأن هذا اللواء المتقاعد لم يكن معروفًا من قبل، وقفز اسمه إلى الواجهة خلال الأسابيع الماضية، عندما خرج بمقالات في الصحافة، يتحدث فيها عن الوضع السياسي وعن دور المؤسسة العسكرية”.

وكان غديري قد انتقد تكهنات حول إمكان تأجيل الانتخابات وتمديد ولاية الرئيس بوتفليقة، قائلا إنه يتوقع أن يوقف الجيش خطوة مماثلة، داعيًا قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح إلى تحمل مسؤولياته، وعدم السماح بخرق الدستور.

وأثارت هذه التصريحات حفيظة رئيس الأركان الذي رد عليه ردًا عنيفًا تضمن تهديدًا ووعيدًا له بمقاضاته إذا خرق القواعد المتعلقة بسلوك العسكريين المتقاعدين، ووصفه (بدون تسميته) بكل الأوصاف والنعوت، واتهمه بأن دافعه هو طموحات غير مبررة، وأنه مدفوع من طرف مجموعة، في إشارة إلى عسكريين سابقين.

ويبدو أن غديري يطرح نفسه كمرشح قوي كأحد قادة الجيش السابقين وبديلاً من داخل النظام  بدلا من خيار الولاية الخامسة للرئيس بوتفليقة.

ويرى بعض المراقبين أنه مرشح وصيف لمرشح النظام في حال ما إذا وقع شيء غير منتظر، فيما يرى آخرون أن مشاركته تأتي في إطار صفقة لإعطاء مصداقية للانتخابات الرئاسية المقبلة”.

المرشح التوافقي

وخلافًا للانتخابات الرئاسية السابقة والتي كان يملك فيها النظام مرشحًا متفقًا عليه من قبل الجميع وهو عبد العزيز بوتفليقة، يبدو أنه لم يبرز على الساحة السياسية حتى الآن أي اسم لشخصية سياسية توافقية ترضى عنها المؤسسة العسكرية و”المقربين” من دائرة الرئيس بوتفليقة.

وحتى اسم أحمد أويحيى، الوزير الأول الحالي الذي شغل هذا المنصب عدة مرات ومنصب مدير ديوان بوتفليقة، لا يحظى بتوافق من الجميع. فالأحزاب الإسلامية تنظر إليه على أنه “راديكالي” في مواقفه إزاء الأحزاب الإسلامية، فيما تعتبره المعارضة “جزءًا من النظام كونه شارك في إدارة شؤون البلاد خلال سنوات عديدة”.

وعبر أحمد أويحيى عن تذمره ممن هاجموه بسبب رغبته المفترضة الترشح للرئاسة قائلاً إن «أطرافًا عديدة بالجزائر تثير احتمالات سياسية تخص مصيري في السياسة، وقضايا أخرى مرتبطة بي». مشيرا إلى أنه «تسبب في إحداث أرق لهذه الأطراف».

ومن هذه «الأطراف» التي يقصدها أويحيى «جبهة التحرير الوطني»، حزب رئيس الجمهورية، الذي يعيب عليه «إخفاء طموح سياسي لخلافة الرئيس». ويعد هذا الطموح بالنسبة لمعظم الموالين للرئيس بمثابة «خطيئة»، لأنه في مفهوم هؤلاء أنه «ما دام بوتفليقة في الحكم فلا يجوز لأحد أن يفكر في أخذ منصبه»، خصوصًا إذا كان موظفًا في الدولة، ويعود الفضل لبوتفليقة في تعيينه.

وسبق لـ”أويحيى” أن صرح بأنه لا يفكر أبدا في الترشح للرئاسة، طالما أن بوتفليقة هو الرئيس. وأكد في كل المناسبات بأن دعمه لبوتفليقة غير مشروط. وقد كان حزبه (التجمع الوطني الديمقراطي) قطعة أساسية في كل الحملات الانتخابية الخاصة بالرئيس، منذ أول انتخابات شارك فيها عام 1999. وأصدر الحزب مؤخرًا بياناً طالب فيه باستمرار مسار البناء تحت قيادة بوتفليقة، مطالباً إياه بإعادة الترشح.

هل تقاطع المعارضة؟

تبدو المعارضة الجزائرية متحمسة للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، إلا أنها ترهن موقفها بموقف الرئيس بوتفليقة من الترشح، حيث أكد الدكتور جيلالى سفيان، رئيس حزب جيل جديد، أن ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة سيكون له تداعيات سلبية نظرًا لظروفه الصحية التي تجعله غير قادر على إدارة البلاد، مؤكداً مقاطعة المعارضة للانتخابات في حال حدوث ذلك.

ويرى المراقبون أنه في حال عدم مشاركة بوتفليقة في الانتخابات، سيصبح هناك بصيص أمل للمعارضة قد يدفعها لخوض السباق رغم عدم جاهزيتها. ويقول الباحث في علم الاجتماع السياسي، الدكتور ناصر جابي إن التيار الغالب سيكون لمقاطعة هذه الانتخابات الرئاسية إذا ما ترشح الرئيس بوتفليقة، لأن ترشحه سيحسم نتيجة هذه الانتخابات مسبقًا.

فيما أكد رئيس جبهة العدالة والتنمية المعارضة أن الانتخابات القادمة لن تكون نزيهة، وأنه لن يشارك فيها بعد أن تعلم من تجاربه السابقة.

وكانت قوى وشخصيات معارضة في الجزائر قد بدأت مؤخرًا مشاورات أولية لعقد اجتماع تنسيقي بينها بشأن الوضع والأفق السياسي، والنظر في إمكانية توحيد المواقف بشأن الانتخابات الرئاسية، وترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، وتنظيم مؤتمر الوفاق الوطني.

ووجهت قيادة حركة “مجتمع السلم” (إخوان الجزائر)، دعوات إلى قيادات في أحزاب المعارضة وشخصيات سياسية مستقلة ورؤساء حكومات سابقين للنظر في إمكانية عقد اجتماع تشاوري لتحليل الوضع السياسي في البلاد، ومناقشة الخيارات الممكنة، وعقد مؤتمر وفاق وطني وتعديل الدستور.

لكن البعض يقلل من إمكانية نجاح قوى المعارضة في الاجتماع على نفس الموقف بسبب تفكك هذه القوى وعدم استمرار التنسيق بينها في إطار تنسيقية التغيير والانتقال الديمقراطي في عام 2014.

وفي يونيو/حزيران 2014، نجحت قوى المعارضة السياسية في الجزائر في عقد أكبر مؤتمر للمعارضة، انتهى إلى إعلان وثيقة وأرضية سياسية تعرف باسم “أرضية مزفران”، نسبة إلى مكان انعقاد المؤتمر.

وتتضمن الأرضية خطة تغيير سياسي في إطار مرحلة انتقالية وصياغة دستور توافقي وإنشاء هيئة مستقلة للانتخابات تضمن مسارًا انتخابيًا وتأسيسيًا نزيهًا.

لكن قوى المعارضة تشتّتت في مايو/أيار 2017، بسبب خيار بعض القوى السياسية المشاركة في الانتخابات النيابية التي جرت في تلك الفترة، وهو ما اعتبرته قوى أخرى أنه خروج عن التوافقات السياسية التي تمت، وشهدت تلك المرحلة مشاحنات سياسية بين قوى المعارضة نفسها.

وسبق أن أعربت قوى سياسية معارضة عن رفضها المطلق لأي تمديد أو ولاية خامسة لبوتفليقة، وشددت على ضرورة إجراء انتخابات مفتوحة دون مرشح من فلك السلطة، وتوعدت بالنزول إلى الشارع للاحتجاج بكل الوسائل من أجل إجهاض مشروع محيط الرئاسة في الاستمرار في إدارة البلاد من وراء الستار باسم بوتفليقة.

وتعتقد المعارضة الجزائرية أن الظروف مناسبة لطرح اشتراطات على السلطة التي تواجه أكثر من مأزق سياسي ومخاطر اقتصادية وأوضاعا اجتماعية حادة، خصوصاً في ظل ظهور تقارب في الآونة الأخيرة بمواقف بعض القوى المعارضة بشأن خطورة الموقف السياسي وعقد مؤتمر وفاق وطني على قاعدة اشتراطات وضمانات بالتوجه إلى مرحلة انتقالية ورفض الولاية الرئاسية الخامسة لبوتفليقة.

خليفة بوتفليقة

وعن أبرز المرشحين لخلافة الرئيس بوتفليقة قال الخبير الجزائري، قرن محمد إسلام، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سطيف، إن الساحة السياسية الجزائرية في الوقت الحالي تشهد تردد أسماء لمرشحين لخلافة بوتفليقة؛ أبرزهم نائب وزير الدفاع، قائد الأركان القايد صالح، خصوصا وأنه يملك القوة التي ترجح  كفته، بصفته قائدًا للمؤسسة العسكرية.

وأشار إلى أن ترشح صالح أو شخص محسوب عليه يضمن له الجلوس على مقعد بوتفليقة، وفي الوقت الحالي أبرز المحسوبين على قائد الأركان هو عبد المالك سلال رئيس الحكومة السابق.

أما الشخصية الثانية المرشحة لخلافة بوتفليقة، بعد صالح وسلال، فهو رئيس المخابرات السابق محمد مدين، إضافة إلى عبد الغاني هامل المدير العام للأمن الوطني بالجزائر السابق.

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أنه بجانب فرص الجنرالات العسكريين الحاليين والمتقاعدين في الترشح، يأتي السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الحالي ومستشاره على رأس قائمة المرشحين المدنيين الذين يتردد اسمهم في الساحة السياسية الجزائرية، ويأتي بعده الشخصيات المحسوبة عليه، مثل وزير الدولة والمستشار الخاص لبوتفليقة، الطيب بلعيز، أو وزير العدل الطيب لوح، ويأتي بعدهم رئيس الحكومة الحالي أحمد أويحيى، وبعده شكيب خليل وزير الطاقة السابق.

وأشار الخبير الجزائري إلى أن رؤساء الحكومات الجزائرية السابقة، مثل مولود حمروش، وبن بيتور أحمد، وأحمد بن فليس من المطروح أسمائهم أيضًا للترشح للرئاسة خلفا لبوتفليقة في الوقت الحالي.

الجيش هو الفيصل

رغم كل التكهنات التي تفيد بترشح بوتفليقة في الانتخابات المقبلة، إلا أن فرضية عدم ترشحه تظل قائمة، ويرجع البعض استمرار الغموض بشأن ترشح بوتفليقة من عدمه إلى وجود تكتلين متصارعين في هرم السلطة، أحدهما يريد استبدال بوتفليقة برجل قوي يمكن له ضبط الأمور في الدولة وإعادة الانضباط، خوفًا من أن مواصلة بوتفليقة لفترة خامسة يمكن أن يدخل الجزائر في أزمة خانقة أو فوضى لا يحمد عقباها.

وفي مواجهة هؤلاء نجد مجموعة الرئيس المدعومة من رجال المال وأطراف أخرى تخشى وصول شخصية يمكن أن تهدد مصالحها السياسية والأيديولوجية ومخططاتها.

ويعتقد الخبراء أنه لا يمكن الجزم لمن ستؤول الأمور في النهاية، لأن موازين القوى بين التكتلين تتغير من يوم لآخر، وهو ما يبرز من خلال الغموض والتناقضات في التصريحات وغيرها.

ويرى الخبراء أنه إذا سقط سيناريو استمرار بوتفليقة فإن القرار النهائي سيكون في يد قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح بشكل خاص، والذي نقلت عنه صحيفة “الوطن” قوله يومًا: لما لا أكون رئيسًا؟!

ويشير الخبراء إلى أن الجيش يعتبر الرقم الأكبر في معادلة تعيين الرؤساء في الجزائر، وأن أي طامح لخلافة بوتفليقة سيصطدم حتمًا بقائد أركان الجيش، الذي أظهر وفاءه للرئيس بوتفليقة، الذي عينه في منصبه الحالي، ورفض طلبًا من قائد أركان الجيش السابق الجنرال الراحل محمد العماري بإحالته على التقاعد عندما كان قائدًا للقوات البرية.

وقد أقال بعدها بوتفليقة العماري من قيادة أركان الجيش، وعين أحمد قايد صالح مكانه. وكان الجنرال العماري قد تحالف مع مدير مكتب بوتفليقة ورئيس وزرائه السابق علي بن فليس في محاولة للإطاحة به في الانتخابات الرئاسية في 2004.

وكان قد صرح مؤخرا بأن “العسكر لا يجب أن يتدخلوا في الشأن السياسي، وأن ذلك من شأنه إضعاف الجيش، وأن كل التجارب السابقة التي تدخل فيها العسكر في السياسة أثبتت محدودية هذا الخيار ونتائجه الوخيمة” ما أثار موجة من الجدل داخل الجزائر.

تعليق
إعلان
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error:
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين