برامجنا

لماذا ترتفع نسبة الطلاق بين أبناء الجالية العربية الأمريكية؟

خبراء: المحبة والأخلاق وحسن الاختيار أساس صمود الأسرة في مواجهة كل المشاكل

تقديم: ليلى الحسيني

أعده للنشر: مروة مقبول  – محمد سليم

سجلت نسب الطلاق ارتفاعًا ملحوظًا في أغلب دول العالم، سواءً في أوروبا أو أو في . وفي الأميركية لا يختلف الوضع كثيرًا، غير أن الفارق يكمن في توفر الإحصائيات التي يمكن من خلالها قياس أبعاد هذا الموضوع الاجتماعي الهام وأسبابه.

وتشير أغلب المصادر والدراسات إلى أن نسب الطلاق في الولايات المتحدة بلغت أكثر من 60%، كما تشير أيضًا إلى أن أكثر من 80% من المتزوجات لمدة 15 سنة أصبحن مطلقات، وأن هناك أكثر من مليوني امرأة يعشن وحيدات مع أطفالهن.

ولا شك أن انتهاء 60% من الزيجات بالطلاق هي نسبة مخيفة جدًا، ولها دلالات وتأثيرات عميقة على بيئة المجتمع، وعلى تشكيل مفهوم الزواج لدى الشباب الأميركي، ومما لا شك فيه أيضًا أن هناك أسباب قوية تدفع مؤسسة الزواج للانهيار بهذا الشكل الحاد.

“راديو صوت العرب من أمريكا” ناقش مشكلة ، وبصفة خاصة بين أبناء الجالية العربية الأمريكية، وأسباب ذلك وانعكاسه على استقرار في أميركا.

لإلقاء الضوء أكثر على هذه القضية الهامة استضافت الإعلامية ليلى الحسيني كلاً من ، مؤسس منظمة رحمة الإغاثية، والشيخ حمود عفيف، إمام الجمعية الإسلامية الأمريكية – ، والأب راني عبد المسيح، .

الطلاق العربي والأمريكي

* نبدأ معك دكتور شادي ظاظا، فلا شك أن الطلاق خطر يهدد استقرار الأسرة في المجتمعات العربية والأميركية بالعموم، فما هو تعليقك؟

** في الحقيقة هذا القضية هامة جدًا، فهي قضية العصر كما يقولون، ولا بد لها من حل، لكن دعينا أولاً نوضح أن الطلاق أمر موجود ومشروع عندنا في الإسلام، ولدينا سورة كاملة في القراّن الكريم اسمها سورة الطلاق، لكن الملفت للنظر هو هذه النسبة المرتفعة من حالات الطلاق.

وقد اطلعت على بعض الدراسات مؤخرًا، بينها دراسة تقول إن أعلى معدلات الطلاق موجودة في ، وتقول الدراسة إنه في مصر على سبيل المثال تحدث حالة طلاق واحدة كل أربع دقائق، وفي الكويت تصل نسب الطلاق إلى 62.7% من إجمالي حالات الزواج، وفي الأردن هناك 60 حالة طلاق تقع يوميًا، وفي لبنان حدثت 8580 حالة طلاق العام الماضي 2017، بينما شهدت الجزائر 68 ألف حالة طلاق العام الماضي.

وقد تكون النسب المرتفعة للطلاق في العالم العربي مفهومة في ظل ضيق العيش والظروف الحياتية الصعبة الموجودة هناك، ولكن في بلد مثل أميركا الناس يعيشون في راحة وظروف معيشية أفضل، كما أن ظروف في أمريكا لها اعتبارات أخرى، ورغم ذلك نجد أن نسب الطلاق مرتفعة، وفي بعض الأحيان يكون الطلاق سببًا في وجود حالات مزعجة جدًا، حيث تكون المرأة ليس لها أهل، ولا يوجد نعها غير زوجها الذي أتت معه إلى أمريكا، وهناك أولاد يتشردون.

لذلك فإن مناقشة هذا الموضوع وأسبابه وسبل علاجه هام جدًا، حيث يجب علينا أن نسلط الضوء عليه، وننبه الناس إلى خطورة الطلاق وارتفاع نسبه، وكيف يمكن أن نعالجها، ونحد منها، لكي نعيش كمجتمع متكامل، ونحافظ على الأسرة، وندرك قيمة الحفاظ على الأسرة في المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي في الغرب.

بناء الإنسان

* قبل أن ننتقل لك شيخ حمود عفيف، أود أن أشرككم في بعض التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، فأحد التعليقات تقول: “من أهم مشاكل الطلاق في الجالية العربية هي ارتفاع نسبة البطالة بين أبناء الجالية، وأكبر هموم الجالية اليوم هو بناء مسجد أو كنيسة، وآخر همومهم هو بناء أسرة عربية قوية اقتصاديًا ونفسيًا، الآن أصبح الرجال في جاليتنا في مشاكل اقتصادية وأخلاقية كبيرة، وعلماء الدين في جاليتنا العربية في منحى آخر كليًا، فدعونا اليوم نبني الإنسان، وتأكدوا وقتها أننا لن نسمع بهذه الآفة التي تدمر ديننا وحياتنا بكل أطيافها ومعتقداتها”. شيخ حمود.. هل أصبح أبغض الحلال ظاهرة متفاقمة بين أبناء الجالية، وهل يمكن لنا أن نتوقف أمام تلك الظاهرة وندق ناقوس الخطر؟.

** الحقيقة أن موضوع أبغض الحلال ظاهرة متفشية في أوساط الجالية العربية، والتي لا تختلف عن باقي المجتمع الأميركي، أو عن باقي المجتمعات في كل زمان وكل مكان، فمسألة الطلاق هي سنة الله في خلقه، أما فيما يتعلق بأن المسألة متفشية فهذا يحتاج من الناس جميعًا أن يقفوا وقفة جادة، ويبحثوا عن الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة، ويحاولوا حلها قدر المستطاع.

قيمة الأسرة

* دكتور شادي، نتفق كلنا على أن الجالية متنوعة بأطيافها الثقافية والدينية، فنحن اليوم نسلط الضوء بشكل عام على هذه الظاهرة، ولا نخوض في الطلاق الديني والطلاق المدني، لكن سنسأل عن سبب هذا التزايد، وما نشهده من اختلال في أولويات بناء المجتمع، فكما قال المشارك من صفحات التواصل الاجتماعي، فإن أولوياتنا هي بناء المسجد والمركز الإسلامي وليس بناء الإنسان، ما تعليقك؟.

** دعيني أقول إن المسجد له دوره الضروري والمركز الإسلامي له دوره الضروري أيضًا، لكن هذا لا يعني أن نهمل بناء الفرد والمجتمع، فالموضوع هو موضوع متكامل، فإذا أهملنا جانبًا فسنجد خللاً في جوانب أخري، لذا فإن موضوع الطلاق الذي نشهده اليوم وتزايد نسبته هو بسبب غياب الوعي حول قيمة الأسرة.

وأحيانًا عندما نتداخل في مجتمعات أخرى لها تقاليد ومفاهيم مختلفة عن الحياة، نجد أن هذه الأسرة غير مقدسة ولها دور ثانوي، أما عندنا في المجتمعات العربية فالأسرة لها دور ووظيفة مهمة جدًا، فهي التي تحفظ الفرد، ولها الإسهام الأكبر في بناء المجتمع.

ومن خلال خبرتي في حالات الطلاق التي مرت علي في أميركا، قد نجد أن الزوجة لا تقدر دور الأسرة، أو نرى الزوج يتساهل ويستخف بدور الأسرة وبدور الحفاظ على هذه الأسرة، وهو مستعد أن يُخرج الزوجة من حياته، وبالتالي يدمر البيت كله، ويكون هذا بسبب أشياء أحيانا لا ترقي إلى المستوى الذي يستدعي أن يكون هناك طلاق.

وأنا أشبه الطلاق في يومنا هذا بإنسان جالس في قطار، وهذا القطار فيه أدوات الراحة والسرعة وكل شيء، وعندما تم إزعاجه من قبل أحد الركاب قام بتشغيل مكبح الطوارئ واوقف القطار، رغم أن الخطأ الذي ارتكبه أحد الركاب بإزعاجه لا يستدعي توقف القطار، لكنه عندما نزل من القطار وجد فرق شاسع بين وجوده في هذا القطار والأشياء التي كان يستفيد منها داخله، وبين وجوده خارجه.

وللأسف هذه مشكلة معظم حالات الطلاق، فالأزواج غالبًا لا يكونون على دراية بالمصاعب والمخاطر، ولا يقدرون نعمة وجود بيت وأسرة إلا عندما ينزلون من هذا القطار، ولكن للأسف يكون قد فات الأوان، ولذلك أنا أنصح بالبدء في نشر الوعي حول قيمة الأسرة.

الشريك المناسب

* شيخ حمود، في بعض الأحيان يغيب مفهوم التوافق الاجتماعي والثقافي، ومفهوم العيش المشترك عند الشريكين حتى يتمكنا من مواجهة الحياة وظروفها المتغيرة، فهل تعتقد أن المشكلة تكمن في اختيار الشريك المناسب من البداية؟

** مشاكل الطلاق متعددة، وتختلف من أسرة لأخرى، ومن بيئة لأخرى، والمشكلة التي أشرتِ إليها هي مسألة حسن الاختيار، وهو أمر هام جدًا، فالملاحظ في بيئتنا العربية للأسف أن من يختار شريك الحياة ليس الزوج ولا الزوجة، بل الأب والأم هم من يختارون لأبنائهم، وحالات الزواج بهذه الطريقة تخلق مشاكل، خاصة إذا كان هناك فارق في المستوى الثقافي والتعليمي وطريقة ومكان النشأة.

فالزوجة قد تأتي للزوج من خارج أميركا أو العكس، وقد لا يكون هناك أي انسجام بينهما، بسبب صعوبة تعلم اللغة، مع وجود صعوبة في التفاهم وفي طريقة التفكير.

فعدم الانسجام الفكري منذ البداية، يؤدي إلى عدم وجود توافق بين الزوجين، حيث يحس كل منهما أن الآخر قد تم فرضه عليه أحدهما على الآخر، ولم يكن له دور في الاختيار، وهذا يكون سبب مهم من أسباب الطلاق، حتى لو استمر الزواج عدة سنوات.

وهناك بعض الرجال عقلياتهم مستبدة، ويمنعون الزوجة من العمل وقيادة السيارة وما إلى ذلك، وهذه العقلية ليست هي العقلية التي دعانا إليها الإسلام.

ظروف المجتمع

* دكتور شادي.. إحدى المستمعات طرحت عدة أمور مهمة تتعلق بظروف المجتمع ومشكلاته مثل البطالة وما إلى ذلك من الأمور التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث مشكلات اجتماعية تنتهي بالطلاق، فماذا تقول في ذلك؟

** المشكلات الاجتماعية مثل البطالة أو تلقي المساعدات يجب أن ألا تكون سببًا في تفكيك الأسرة، أو تكون مبررًا لحدوث الطلاق.

وكل شيء في عصرنا الحالي يمكن أن يُساء استخدامه، فالحرية الموجودة في مجتمع مثل المجتمع الأميركي لا يجب أن تكون سببًا في تدميرنا، وأنا أقول دائمًا أن هذه الحرية وطبيعة الحياة الموجودة هنا يجب ألا يُساء استخدامها.

فعلى سبيل المثال فإن السيارة مهمتها أن تنقلك إلى مكانٍ معين، وهذا المكان يمكن أن يكون مكانًا سيئًا يضر بك، ويمكن أن يكون مكانًا جيدًا يفيدك ويساهم في نجاحك، لكن الذي يختار هذا المكان هو الشخص الذي يقود السيارة وليست السيارة، والشخص الذكي هو من يُسخّر الظروف للوصول إلى أهدافه وتحقيق نجاحه ونجاح أسرته.

والتعامل مع هذا الأمر يتعلق بمستوى وعي الشخص وعلمه وخبرته ومستوى إدراكه، فقد يكون هناك شخص يمتلك المال، لكن هذا المال قد يكون سببًا في تدمير الأسرة، خاصة إذا كان يلعب القمار وغير ذلك من العادات السيئة، والسبب هنا هو عدم وعي هذا الشخص، فهناك من يستغل المال لتحقيق النجاح والشهرة والقوة، ويساعد أسرته ويفيدها.

وأنا أقول إذا أردنا أن نحُدّ من حالات الطلاق وانهيار الأسرة فلابد أن ننشر الوعي في المجتمع بقمة الأسرة وأهمية الحفاظ عليها، لكن للأسف فإن الجالية العربية في أميركا تبتعد عن العلم والتوعية، لذلك نشهد هذه الحالات وهذه النتائج، وأقصد بالبعد عن العلم أنه في أي أسرة يكون هناك من يخطط لنزهة أو لأجازة، لكن أنا أريد من الأسرة الموجودة هنا في أميركا أن يكون لديها مخطط لتعليم أبنائها، وأن يكون عندها مورد للوعي الثقافي والاجتماعي لينهضوا بهذه الأسرة، وهذه الأشياء للأسف تغيب عن أسرنا اليوم.

مشكلة إخفاء المشاكل

* شيخ حمود.. أحد التعليقات تقول إن معظم أسر الجالية العربية مرهقة من كثرة المشاكل النفسية ومشاكل الأبناء ومتطلباتهم، فكيف يمكن في ظل هذه الظروف أن نرسخ مفهوم العائلة في هذا الوطن الذي هاجرنا إليه، بعيدًا عن عائلاتنا التي تركناها؟

** البيت كالمملكة، والزوج والزوجة يتربعان على عرشها، وهما مسئولين عن إدارة هذه المملكة وتحديد مجرى حياتها. فعندما يتسلل الملل إلى حياتهم لابد من وضع خطة لتغيير وتجديد لوحة هذه المملكة.

ولا شك أن كل الأسر عندها قواسم مشتركة من هذه المشاكل التي تنتج عن الاغتراب، ولكن هناك حلول وأشياء يمكن أن نفعلها لتجديد الحياة داخل البيت، وكذلك تجديد الروابط الاجتماعية بين الزوج والزوجة والأولاد.

فنحن نعيش في مجتمع متقدم جدًا، وهناك فرق كبير بيننا كعرب وبين المجتمع الأميركي، مثل اللجوء إلى مستشار صحي أو نفسي أو اجتماعي، وهذا أمر غير وارد عندنا، لكن هذا الشيء طبيعي وعادي في المجتمعات الغربية، مشكلتنا أننا نستحي أن نقول إن عندنا مشكلة، ولا نريد أن يعرف أحد عنا أي شيء، وبالتالي نترك المشاكل تتراكم حتى تؤدي إلى دمار الأسرة، لأننا نمتنع عن الاستعانة بخبرات الآخرين الذين يعيشون في هذا البلد.

وأرى أنه لابد من الانفتاح على الأخر، وتغيير التعامل مع الأسرة على أنها كهف مهجور لا نريد لأحد أن يعرف مشاكله، لأن هذا سيؤدي إلى انهيار الكهف بأكمله، لذا عندما تكون هناك مشكلة بين الزوج والزوجة أو مع الأولاد يجب أن نبحث عن طرق حلها ولا نخفيها.

فالمشكلة أن معظم الأسر العربية عندما يكون لديها مشكلة مع ولد من الأولاد تهتم بعدم كشفها وعدم ظهورها أكثر من اهتمامهم بحل المشكلة، ويتركونها حتى تتفاقم وتخرج عن السيطرة، وقد شهدت الكثير من حالات الطلاق التي بدأت بمشكلة صغيرة وتفاقمت إلى أن أدت إلى انهيار الأسرة بأكملها.

بناء الأساس

* الأب راني.. إذا أردنا تسليط الضوء علي مشكلة الطلاق، فما أسبابها في رأيك؟

** أولاً إذا أردنا أن ننظر لمشكلة الطلاق وأسبابها فيجب أن ننظر أولاً إلى أسباب الزواج، ففي الكثير من الأحيان لا ننظر إلى جذور المشكلة، ولا نسأل أنفسنا عما إذا كان الزواج مبنيًا على توافق أم ترتيب مسبق أو كان إجبارًا، أو كان مبنيًا على عدم اتفاق أو كان زواج مصلحة، وبعد سنة أو سنتين نسأل أنفسنا لماذا لا يسير الزواج على ما يرام.

ولا يعني هذا طبعًا أن كل زواج يبدأ بهدف حقيقي بعيد عن الإجبار والمصلحة ينتهي نهاية سعيدة، ولكن نستطيع أن نقسم حالات الطلاق على أساس كيفية إتمام الزواج، ومن وجهة نظري تكون الغلطة الأساسية هي التسرع في الزواج، فإذا استثمرنا الأمر في البداية قبل الزواج، وبنينا أساسًا متينًا يقوم عليه هذا الزواج، سيكون هذا البناء في المستقبل أفضل بكثير.

وفي الجالية المسيحية أو الجالية الإسلامية يكون الموضوع واحد، وهو أن الطلاق للأسف أصبح ظاهرة كبيرة، وفي أميركا للأسف الظاهرة تختلف، ربما لأن الناس في أميركا تشعر أن هناك حرية وعدم ترابط اجتماعي وضغط اجتماعي، وبالتالي يعتقد البعض أن الحرية هي أن يطلق كما يريد، ويتزوج كما ما يريد، ولا يُقدّر قيمة هذه الثروة المقدسة.

* هناك بعض التعليقات التي تقول إن ارتفاع نسب الطلاق في جاليتنا سببه مشكلات متنوعة كارتفاع حالات الخيانة الزوجية، والوسط الاجتماعي، والتوافق العاطفي، والأطفال ومشاكل تربيتهم، والإدمان، وتباين الأولويات والتطلعات.. إلى أي مدى ترى أيها الأب راني أن هذه الظواهر هي أسباب قوية لظاهرة الطلاق؟

** بلا شك هي أسباب أساسية، وينضم إليها أيضًا أسباب أخرى كالعنف الجسدي، والعنف العاطفي، الذي يكون فيه إساءة متواصلة، لذلك تكون الحياة مستحيلة بين الطرفين، ويؤدي هذا في بعض الأوقات إلى وجود خطورة صحية ونفسية وجسدية على الطرف الآخر.

ولكن النقطة الأساسية التي أريد أن أعود إليها هي أنه إذا كان هناك أساس متين لهذا الزواج فإن كل شيء يمكن أن يتم حله، ولذا فأنا أنصح الشخص قبل أن يذهب إلى المحامي أن يأتي إلى الكنيسة، ونحاول أن نبني تفاهمًا بين الشخصين، فإذا كانت هناك محبة حقيقية فلابد من وجود رغبة بين الطرفين من أجل بناء هذا العمل والحفاظ على هذا الزواج.

دور المسجد والكنيسة

* شيخ حمود، إلى أي مدى ترى أن الكنيسة والمسجد يلعبان الدور الاجتماعي المطلوب في التوفيق بين الزوجين؟

** أنا أريد أولاً أن أؤكد على ما قاله الأب راني فيما يتعلق بالنظر إلى جذور المسألة، والنظر إلى أصل الزواج ونية الزواج، فالله سبحانه وتعالي أوصانا في ديننا الإسلامي أن يكون الهدف من الزواج خالصًا لوجه الله سبحانه وتعالى، من أجل أن يحصن الإنسان نفسه، ويعف نفسه، ويبني أسرة صالحة في المجتمع، وأن نؤمن بالله سبحانه وتعالى، وأن ننجب ذرية صالحة، فقال تعالي: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))

فالزواج في الإسلام رباط مقدس كما هو في الأديان السماوية الأخرى، وتقصير الزوجين في معرفة دينهم، وما يجب عليهم تجاه بعضهم، والجهل بأحكام الدين وأصول التعامل، هي من أهم الأسباب في حدوث هذه المشكلة. وهناك مسألة أخرى وهي أنه للأسف الشديد هناك كثير من حالات الطلاق التي تأتينا تكون في نهايتها، ولا مجال للتدخل فيها، فالأصل أن الناس يأتون إلى المسجد أو الكنيسة بجانب المستشار الصحي، لأنه المكان الذي يستشيرون فيه، لكنهم يأتون وقد وصلت المشكلة بينهم إلى مرحلة لا مجال فيها للعودة.

فالله سبحانه وتعالي أخبرنا عن أهمية حسن العِشرة قائلا في القران الكريم: ((وعاشروهن بالمعروف))، وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: ((لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ))، فالدين له دور كبير جدًا في استقرار الحياة الزوجية والتخفيف من حالات الطلاق، إذا تم الالتزام به والاحتكام إليه.

وسأتكلم عن المسجد بحكم طبيعية عملي، فهو له دور كبير في التوعية من خلال خطب الجمعة، ومن خلال الدروس والمحاضرات الأسبوعية، ومن خلال الاستشارات التي نقدمها للأزواج، وتكون عبارة عن ورش عمل يتم تقديمها للأزواج قبل الزواج ليعرفوا مالهم وما عليهم.

العلاقة الزوجية

* دكتور شادي.. أثرنا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي موضوع حساس، وهو العلاقة الزوجية في حد ذاتها، فهي قد تكون في بعض الأحيان أحد الأسباب القوية لحدوث الانفصال، فهل عدم انفتاحنا في الحديث عن هذه العلاقة والتوعية الصحيحة حولها، وكيفية معاملة الزوج والزوجة لبعضهما البعض، أحد الأسباب التي تقود للطلاق؟

** بالتأكيد هذا الموضوع من أهم الأسباب التي تلعب دورًا كبيرًا في نهاية طريق الأسرة إلى الطلاق، فالشيطان موجود بيننا، وهدفه الأول هو تدمير حياتنا، والشيطان يزين للزوج كل امرأة غير زوجته، ويرى أنها ستوفر له السعادة، ويتجاهل الزوجة التي أحلها الله له، وهذه المقارنة تكون أحيانًا عند بعض الزوجات، وتؤدي بهن إلى كره الزوج وعدم الاقتراب منه.

وهذا الأمر له عدة أسباب وأولها هو الانقطاع عن الله سبحانه وتعالى، فالإنسان عندما يكون قريبًا من الله فهو يحرص على أن يرعى الزوجة التي أحلها الله له، وتكون هناك معاشرة طيبة، والتي في الكثير من الأحيان نستحي أن نتحدث عنها، ونتغافل عن أهميتها في بيوتنا وأسرنا، لكنها من أهم الأشياء التي يجب علي الزوجين أن يجددوا روح الحياة فيها، وأن يعطوا الوقت لهذا الجانب لأنه مهم جدًا جدًا في حياتهم.

فالزوج يجب أن يتقي الله في زوجته، والزوجة يجب أن تتقي الله في زوجها، وكل طرف يعامل الله قبل أن يعامل الطرف الآخر، وبهذا يكون الزواج ناجحًا، ونحد من أسباب الطلاق التي نراها اليوم.

كما أن هناك بُعد كبير عن الله سبحانه وتعالى وعن الدين، وهذا البعد له أثار اجتماعية نراها الآن، فعندما يكون الزوج لديه إيمان واستقامة، ومعرفة بحدود الشرع، ومعرفة بالحدود التي أقامها الله له من أجل سلامة حياته وسلامة المجتمع، فسنشهد طفرة في حياتنا الأسرية.

فتلك الأسرة ملكك أنت، وأنت من يؤثر فيها ويضخ فيها الروح الجديدة، فأنا أرى الكثير من الأزواج عندهم وقت لحياتهم وعملهم، ولكن لا يخصصون وقتًا من أجل تجديد روح الحياة الزوجية، وأنا أعتب على المؤسسات بسبب تقصيرها في دورها في نشر الوعي، وفي نفس الوقت أعاتب الأسرة علي تقصيرها، لأننا نخفي المشكلة ولا نعالجها.

العلاقة مع الله

* الأب راني، كيف نبني النفوس في وقت نشهد فيه انعدام الأخلاق في الكثير من حياتنا اليومية؟

** طبعا قبل أن نبني الأسرة روحيًا فعلينا أن نبني أنفسنا، لأن الأسرة تتكون من الأفراد، فيجب أن يكون هناك علاقة روحية للفرد مع الله، وبالتالي يجمع الأسرة نوع من الترابط الروحي، فيجب أن تصلي الأسرة مع بعضها البعض، وتذهب إلى الكنيسة أو المسجد مع بعضها، وتبحث في الأمور الروحية مع بعضها.

ونحن نشاهد التلفاز بالساعات، فلما لا نخصص حتى ولو نصف ساعة نقضيها في التكلم عن الأمور الروحية التي تُنمي الأسرة، ومهمة الأولاد ليس فقط أن يسمعوا، بل أن ينظروا إلى أمثلة عملية في التعايش الروحي وسط المنزل.

ونجد من يقول إن الناس تفسد أخلاقها عندما تأتي إلى أميركا، ولكن أنا أقول إن الفاسد هو فاسد من داره التي أتى منها، ولكن الإنسان المبني علي أساس متين منذ البداية في حياته الروحية، سيظل نفس الإنسان حتى لو ذهب إلى أي مكان في العالم، وسيظل همه الأول والأخير أن يرضي الله، وإذا كان هذا الأساس المتين موجودًا عند الإنسان أو عند الأسرة سنجد أن العائلة تنمو روحيًا.

ضعف التدين

* شيخ حمود.. كيف يمكن لنا أن نبني الأسرة، وكيف لنا أن نجد الحل لخفض نسبة الطلاق؟

** أنا أؤكد على أمر هام، وهو حسن الاختيار منذ البداية، ونحن نتكلم عن قضية الانحرافات الموجودة بين بعض الأزواج، وأنها من أسباب الطلاق المنتشرة، وهذه حالات تمر علينا بكثرة، فتأتينا اتصالات من بعض النساء بالذات حيث يشتكون من ضعف تدين الرجل، وأنه لا يصلي، وليس له صلة بالمسجد، ولا يعرف شيئًا عن الدين، ولا يعرف عن الدين غير أنه هو الرجل في البيت، وله الحق في كل شيء، ويتجاهل بقية أمور الدين والواجبات التي عليه.

وأعود إلى حسن اختيار شريك الحياة، فمسألة حسن الاختيار مهمة جدًا، وكذلك من المهم أن نتعلم أمور الدين في العلاقة الزوجية وغيرها، فإذا كان الزوجان على صلة بالله سبحانه وتعالي، وعندهم أساس من الدين وحسن الخلق، سيتمتعان بحسن التعامل مع بعضهم البعض، ومراعاة مشاعر بعضهما، والتغاضي عن بعض الأشياء الدقيقة أو البسيطة في العلاقة الزوجية، من أجل ما هو أكبر وأهم، وإلا سيكون الزواج مصيره الفشل في ظل الحياة المادية والانحرافات الموجودة .

ما هو الحل؟

* دكتور شادي كيف ترى الحل من وجهة نظرك بشكل عام؟

** الحل يكون سهلاً في بداية أي مشكلة، حيث يجب أن نذهب إلى من نثق في علمه، والعادة الاجتماعية التي تحكم تصرفاتنا في بعض الأحيان تسيء إلى الأسرة، حيث نهوى إخفاء المشكلة حتى تتفاقم، فإذا كان عندنا مشكلة مع الأسرة لابد من علاجها فورًا والبحث عن حلول لها، وأن نبذل كل الجهود حتى يكون بيتنا مستقيمًا ونظيفًا وسليمًا، فالإنسان الناجح في بيته إنسان ناجح في عمله، والإنسان الذي يشعر أنه ضعيف في بيته لا يستطيع النجاح في أي شيء.

* الأب راني كيف ترى الحل من وجهة نظرك؟

** باختصار أرى أن الحل هو المحبة، فالمحبة تغفر الخطايا، فإذا لم تكن هناك محبة حقيقية لن يكون هناك حل مهما حاولنا، وسنظل نحاول في كل مشكلة أن ندمر تلك العلاقة بسبب غياب الحب، ولكن إذا كان هناك حب حقيقي سنستطيع أن ننميه من أجل الأسرة بأسرها.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

امتالعة الحلقة عبر اليوتيوب :

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

وللمتابعة عبر على Soundcloud :

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

error:
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين