برامجنا

شخصيات صنعت تاريخًا – د. سحر خميس: أستاذة الإعلام المهمومة بحوار الأديان وتصحيح صورة العرب والمسلمين

أجرى اللقاء: ليلى الحسيني

أعده للنشر: مروة مقبول – محمد سليم 

في حياتنا الكثير من الشخصيات.. كثيرها عادي، وقليلها مميز.. لكن أهمها على الإطلاق تلك الشخصيات التي تُغيّر حياتنا للأفضل.. من بين هؤلاء منه هو عالم، أو أديب، أو فنان، أو مؤرخ، أو رجل دين، أو مفكر، أو قائد.. أو غيرهم من الشخصيات التي تركت بصمات رائعة في مختلف المجالات.. وتميزت بنبوغها وعبقريتها وقوة إرادتها.. وصنعت انجازات كانت مصدر إلهام للأجيال في الحاضر والمستقبل.

برنامج “شخصيات صنعت تاريخًا” يسلط الضوء على هذه الشخصيات.. ودورها داخل أوطانها وخارجها.. ومعنا في حلقة اليوم شخصية بارزة، تركت بصمة واضحة على المستوى الفكري والإعلامي والمجتمعي، واستطاعت أن تثبت نفسها بقوة في المجتمع الأميركي، وتقدم نموذجًا ناجحًا للمرأة العربية.

ضيفتنا اليوم أميركية من أصول مصرية، تتقن اللغة العربية على الرغم من أن دراستها كانت باللغة الإنجليزية، حيث تقول إن إتقانها للغة الأجنبية لم ينسها عشقها للغة العربية وعشقها للأدب والشعر.. ضيفتنا هي الدكتورة سحر خميس، أستاذ الإعلام بجامعة ميريلاند الأميركية.

نقطة فارقة

* دكتورة سحر حدثينا بداية عن النشأة وذكريات الطفولة؟

** نشأت في القاهرة بمصر، في أسرة فوق متوسطة، وكنت أكبر إخوتي البنات، وهو ما منحني مَعَزّة خاصة وثقة كبيرة من جانب أبي وأمي، حيث كانا يشجعاني دائمًا على أن أبذل أقصى جهد في الدراسة، وكنت أحاول دائمًا ألا أخيب ظنهم، فسعيت للتفوق العلمي والدراسي والأكاديمي منذ الصغر، وعندما بلغت 15 عامًا أتيحت لي فرصة ذهبية للسفر إلى الأميركية لمدة عام، وذلك في إطار برنامج للتبادل الثقافي والدراسي بين الطلاب في أميركا ومصر.

ولا أنسى فضل أبي وأمي في ذلك، واللذان منحاني ثقة كبيرة في أن أسافر إلى الولايات المتحدة وأنا في هذه السن الصغيرة، وأعيش مع أسرة أميركية، وهذا شيء أشكرهم عليه جزيل الشكر، لأنه كان نقطة فارقة في حياتي، وفي بناء شخصيتي، وحبي للسفر والترحال، والإطلاع على الثقافات الأخرى، واحترام التعددية والاختلاف في الأديان والأذواق والعادات والطباع.

فهذا العام الذي قضيته في أميركا وسّع مداركي للحياة، وجعلني أدرك أهمية حوار الثقافات وحوار الأديان، وأصبحت تلك أحد أهم النقاط التي أصبحت أهتم بها بجانب عملي الأكاديمي، وبعد هذا العام عدت إلى ، والتحقت بالجامعة الأميركية.

معايشة حقيقية

* كانت زيارتكِ الأولى لأميركا في .. حدثينا عن انطباعاتك خلال هذه الزيارة؟

** نعم، وعشت هناك بيت صغير مع أسرة أميركية متوسطة وعادية جدًا، وعندما أتيت إلى هذا البيت الصغير في أوهايو قلت: هل هذه هي فعلاً أميركا التي كنت أسمع عنها؟. فالأب كان مُعلمًا علي المعاش، والأم كانت ممرضة على المعاش أيضًا، وكانا يعملان لساعات عديدة في اليوم، وليس لديهم أي مظهر من مظاهر الترف التي نراها في الدراما والسينما الغربية.

وأريد أن أدلل بذلك علي الصور النمطية الموجودة لدينا عن الأخر. وهذا ما أتحدث فيه دائمًا مع طلابي في ، وأشرح لهم أن الصورة النمطية عن العرب في وسائل الإعلام  الغربية أنهم إما أثرياء أو متطرفون وإرهابيون، كما أن الصورة النمطية عن الغرب في الإعلام العربي أنهم كلهم رعاة بقر، أو لديهم قصور فارهة وينغمسون في الحفلات والسهر.

ودائما ما أشجع طلابي على السفر والترحال، والاطلاع علي ثقافات الشعوب الأخرى، ومعرفة ظروفهم الحياتية والمعيشية، فما نقرأه في الكتاب أو نشاهده في الإعلام لا ينقل لنا كل شيء، فيحب أن ترى بعينك لتتعرف أكثر علي الناس والأشياء.

* إذًا فقد وجدتِ أن كل الأفكار التي كانت لديك عن أميركا مختلفة تمامًا عما عشتيه بالفعل في تلك التجربة التي استمرت لمدة عام مع هذه العائلة، فما أهم ذكرياتك معهم دكتورة؟

** كانوا بمثابة الجد والجدة بالنسبة لي، لأنهم كانوا في مرحلة عمرية متقدمة، وكانت هذه أول مرة يلتقون فيها بفتاة عربية مسلمة، واعتبروا ذلك شيئًا مهمًا لكي يتعرفوا أكثر على شخص من ديانة وثقافة مختلفة.

وهناك واقعة مضحكة بعض الشيء أريد أن أذكرها لأنها تعبر على اختلاف الثقافات، فنحن في العالم العربي نتعلم أهمية كرم الضيافة في المنزل، وأنه إذا أتي إليك ضيف فقدمي له كل شيء، وعندما وصلت إلى هذه الأسرة الأمريكية كنت في منتهي التعب والإجهاد بسبب فترة السفر الطويلة، وكنت جائعة جدًا، فقالت لي الأم هل تريدين أن أقدم لك طعام العشاء أم تريدين أن تخلدي للنوم، وطبقًا لثقافتي العربية خجلت أن أطلب الطعام، فقلت لها شكرًا لك سأذهب إلى النوم، فتوقعت أنها ستُلح في سؤالي مرات كثيرة، ولكني فوجئت بها تقول لي: إذًا تعالي لأريكِ غرفتك، فكانت صدمة كبيرة بالنسبة لي.

وفي الصباح عندما سألتني هل تريدين إفطارًا سارعت بإجابتها قائلة: نعم شكرًا، فقد تعلمت من التجربة، ودائمًا ما أؤكد في محاضراتي مع طلابي في علي أهمية إدراك اختلاف الثقافات، وأهمية أن نفهم هذا الاختلاف، والذي لا يمكن أن نتعرف عليه إلا من خلال السفر والترحال والمعايشة.

دراسة الإعلام

* بعد عام كامل قضيتيه في أميركا عُدتِ إلى مصر، فماذا حدث بعد هذه التجربة؟

** بعد عودتي لمصر حدث شيء طريف جدًا، فقد احترت بين دراسة الطب والإعلام، فقد كان عندي ثلاثة أحلام، الأول أن أكون طبيبة أطفال، والثاني أن أكون أستاذة جامعية، والثالث أن أكون إعلامية ناجحة، وعندما عدت من أميركا كانت درجاتي العلمية عالية جدًا، وتؤهلني للالتحاق بما أشاء، لكني كنت محتارة بين حلم الإعلام وحلم الطب، ولا أعرف ما الذي أدرسه، ونصحني أبي بأن أدرس الاثنين معًا، فقلت له كيف يمكن أن أقوم بهذا؟، فقال لي: التحقي بكلية الطب في جامعة القاهرة، والتحقي أيضا بكلية الإعلام في الجامعة الأميركية بالقاهرة.

ترددت قليلاً، ولكني أخذت بنصيحة والدي، والتحقت بالكليتين في وقت واحد، وفي كلية الطب بالقصر العيني وجدت أعدادًا رهيبة من الطلبة، وتساءلت: كيف سأجلس في مدرج به 200 أو 250 طالب؟، كما أن الأساتذة كان فيهم شيء من الشدة في التعامل مع الطلاب. أما في الجامعة الأميركية فقد وجدت المدرجات أوسع، وهناك أجهزة تكييف، والأساتذة تتعامل معنا بكل ود، وهناك ساعات مكتبية نذهب فيها إلى الأساتذة لنسألهم، فكان هناك نوع من أنواع التدليل.

ولم يستغرق الأمر مني الكثير من الوقت، فبعد أسبوعين أو ثلاثة حسمت أمري، وأخبرت والدي بأنني خضت التجربة واخترت أن أكمل في دراسة الإعلام بالجامعة الأمريكية، ومن هنا بدأت رحلتي في مجال الإعلام.

تفوق علمي وأدبي

* كيف أثرت مرحلة دراستكِ بالجامعة الأميركية في حياتك؟

** عندما دخلت الجامعة الأميركية طلب مني والدي أن أدرس إدارة الأعمال أيضًا، لأنه درسها، وكان معه ماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية بالقاهرة، وأراد مني  أن أسير على نفس خطواته خاصة وأنني ابنته الكبرى، فدائمًا ما يريد الأهل من الابنة الكبرى أن تحقق كل الأحلام والآمال التي كان يريدون تحقيقها.

وقد درست بعض المواد في مجال إدارة الأعمال، لكن لم أشعر بأي نوع من أنواع الشغف أو الرغبة في استكمال الدراسة في هذا المجال، وأخبرت أبي بكل صراحة أنني لا أريد أن أكمل في هذا المجال، وكان أبي وأمي يحترمون رغباتي، ويعطونني مساحة من الحرية والاختيار، وأعتقد أن هذا ساعد في بناء شخصيتي إلى حد بعيد.

وفي الجامعة الأميركية اكتشفت حبي لكتابة وإلقاء الشعر الزجل، وحبي للغة العربية بصفة عامة، ولمجال الأدب العربي بصفة خاصة، وقد شاركت مع مجموعة تسمي نادي الأدب العربي، وكان لنا لقاءات وأمسيات زجلية وشعرية، ونقف علي المسرح لنلقي الشعر والزجل، وفي نفس الوقت كنتُ محررة في جريدة القافلة، وهي جريدة طلابية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وبعد فترة أصبحت رئيس تحرير القسم العربي بالجريدة، ثم أصبحت بعد ذلك رئيس تحرير الجريدة ككل.

وأمام اهتماماتي الأدبية خشيت والدتي أن يؤثر ذلك على تفوقي الدراسي، فقلت لها لا تخافي، ووعدتها أنني سأكون عند حسن ظنها، وفعلا صممتُ على أن أكون رئيس تحرير جريدة القافلة الطلابية، وفي نفس الوقت أكون في نادي الأدب بالجامعة الأميركية، وفي نفسي الوقت حافظت على تفوقي العلمي والدراسي، وتخرجت بفضل الله وحصلت على كأس رئيس الجامعة في التفوق العلمي والدراسي، وهذا لحصولي على أعلي درجات علمية يحصل عليها أي طالب، ليس فقط في قسم الإعلام وإنما على مستوي كل الدفعات التي تتخرج من الجامعة الأميركية في القاهرة، وكانت لحظة حصولي على هذا الكأس أسعد لحظات حياتي، ودائمًا ما أذكر هذه اللحظة، لأني شعرت فيه بأني حصدت ثمار تعبي وجهدي على مدى سنوات طويلة من الدراسة والعلم والمجهود، وتكللت بفضل الله بالتفوق والنجاح.

خبرة علمية وعملية

* دكتورة سحر.. تخرجتِ من قسم الإعلام بالجامعة الأميركية بتفوق، وحصلت أيضًا على درجة الماجستير من نفس الجامعة، وعملتِ أيضًا في تلك الجامعة لعدة سنوات كمحاضرة، فماذا كانت أهم اهتماماتك في هذه الفترة؟

** أشعر دائمًا بحنين إلى الجامعة الأميركية بالقاهرة، لأنها المكان الذي درست فيه، وعندما أرى صوري وصور زملائي في دفعتي أشعر بالبهجة والسرور، لهذا أقول دائمًا لطلابي لا تتعجلوا في الدراسة، فهي أسعد أيام حياتكم. وعندما عدت إلي الجامعة الأميركية، حصلت علي الماجستير من نفس القسم، وحاضرت في هذا القسم لعدة سنوات، وكانت تجربة جميلة وفريدة من نوعها، مرة كطالبة بكالوريوس، ثم طالبة ماجستير، ثم مُحاضرة.

وبالإضافة إلى إعدادي للماجستير وتدريسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، كنت أحاول ممارسة مهنة الإعلام في عدة أماكن مختلفة، من أجل الحصول على خبرة مهنية وعملية، بجانب الدراسة العلمية. وعملت لفترة كمحررة في جريدة الوفد، وكنت أحرر لهم وأكتب لهم مقالات، كما عملت في مكتب wall street journal  في القاهرة لعدة سنوات، ثم بعد ذلك مع عملت مع هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK، في مكتبهم بالقاهرة.

فقد كنت أشعر دائمًا أن الحياة عبارة عن شقين، علمي وعملي، ويجب أن نركز على كلا الشقين، فلا يجب أن يكون شخص ما إعلامي جيد وخبرته نظرية فقط، فقد درس الكتب والنظريات دون ممارسة المهنة بالفعل على أرض الواقع. لذا حرصت أن يكون عندي خبرة عملية في الإعلام من خلال العمل في هذه الأماكن المختلفة بالقاهرة، وأيضا عملت بالمكتب الخارجي لجريدة الأهرام، وهي الجريدة اليومية الأكثر انتشارًا والأكثر شهرة في مصر.

حب البحث العلمي

* أتيحت لكِ الفرصة بأن تدرسي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وهذه فرصة لا تتاح لكل الطلاب في مصر، فما هو الفارق الجوهري بين الدراسة في جامعات عريقة لها فروع في البلدان العربية، وجامعتنا العربية العادية التي يتخرج منها آلاف الطلاب؟

** أهم فرق بين الاثنين هو التشجيع علي البحث العلمي، وليس مثل يحدث في جامعتنا، حيث يعطيك الأستاذ العلم بملعقة، ويُشعرك أنه هو مصدر العلم الوحيد، فهذا أمر خاطئ، والصح أن ندعم فكرة البحث العلمي، وأن ننمي في الطلاب تلك الفكرة، ونحثهم على الذهاب للمكتبة، لمطالعة الكتب واستخراج المعلومات، والتفكير بطريقة التفسير والتحليل والنقد. فهذه الأشياء هي التي أفادتني جدًا عندما ذهبت ودرست بجامعة مانشستر في المملكة المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه.

فالنظام التعليمي في قائم على فكرة أن تكوني باحثة جيدة، معتمدة على نفسك وليس على الآخر، ولا تعرف عملية التلقين وعملية حشو المعلومات، وهو ما يحدث للأسف في كل مراحل التعليم في بلادنا، في الابتدائي والإعدادي والثانوي وحتى في المستوي الجامعي.

ولكن الجامعة الأميركية بالقاهرة وضعت في بذور حب البحث العلمي والإطلاع والتحليل النقدي، وعندما ذهبت بعد ذلك إلى المملكة المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه، كانت المشرفة عليا في الدكتوراه أستاذة بريطانية مشهورة في مجالها، وعندما كنت أذهب لها بسؤال عن شيء تقول لي سؤال جيد، ولو كنت مكانك سأذهب إلى المكتبة وأحاول أن أجد الإجابة على هذا السؤال.

وهذه بالتأكيد إجابة قد تضايق من يسمعها بعض الشيء، لأنكِ عندما تسألين سؤالاً تتوقعين أن تحصلي على إجابة له، ولكنها اضطرتني للذهاب إلى المكتبة، وأن أبحث بنفسي عن إجابة لتساؤلاتي، وربما ضايقني هذا الأمر بعض الشيء وقتها، ولكني قدرت ذلك تقديرًا كبيرًا بعد ذلك، فقد أرسى داخلي أسس حب البحث العلمي والاطلاع.

مشكلة التعليم العربي

* المشكلة دكتورة أيضًا أن مستوي التعليم في معظم بلداننا العربية تراجع بشكل كبير حاليًا عما كان عليه في أيامنا، فهل ترين أن تشجيع الطلاب على البحث العلمي والتفكير والتحليل غائب عن منظومة التعليم في عالمنا العربي؟

** للأسف الشديد نعم، فهناك الكثير من الجامعات والمدارس والمؤسسات التعليمية في الوطن العربي لا تُشجعكِ على فكرة البحث العلمي، والتفكير الإبتكاري، أو التفكير التحليلي والنقدي، وعلى قراءة ما بين السطور وما وراء السطور، وأن تُكوّني رأيًا خاصًا بك، كل هذه الأمور للأسف الشديد لا تشجعها منظومة التعليم في العالم العربي، وأعتقد أنها مسئولة عن الكثير من الآفات المجتمعية، مثل عدم قبول الآخر، وعدم القدرة على الحوار وتقبل الرأي والرأي الآخر، والقدرة للاستماع للآخر، فإذا اختلفنا في عالمنا العربي نتحول فجأة من أصدقاء إلى أعداء، فلا توجد مساحة لوجود الاختلاف، ولا توجد مساحة لقبول النقد، ولا توجد مساحة للحوار الفكري والثقافي البناء.

كل ذلك لأننا تعودنا علي تلقي المعلومة من المعلم، وأن المعلم هو مصدر كل شيء، وسيعطينا هذا العلم بالملعقة، لكن أين كينونتي كإنسانة ومفكرة. فالأفضل أن نذهب للمكتبة كما كانت مشرفة الدكتوراه تنصحني، صحيح أنني كنت كطالبة أشعر وقتها بنوع من أنواع الغيظ الداخلي، فلماذا لا تعطيني الإجابة وتريحني، ولكنها كانت لها دائمًا إجابة واحدة وهي”إذهبي إلى المكتبة واقرئي واطلعي، وحاولي أن تجدي الإجابة بنفسك”، وأعتقد أنا الآن كأستاذة جامعية وكباحثة علمية أقدّر هذا جدًا، لأني أعرف الآن الهدف من ذلك، فقد كانت تريد مني أن أكون باحثة وناقدة وعالمة وليس فقط كإنسانة أتلقي منها العلم.

من الشرق إلى الغرب

 * بعد حصولك على الدكتوراه.. هل بدأت الأيام تفتح لك آفاقًا جديدة؟

** بعد الدكتوراه عدت إلى مصر، لأن جزءًا من تمويل الدكتوراه الخاص بي كان من ، بمعني أنني مولت أول جزء من الدراسة ثم حصلت على منحة من ، لذا كان يجب أن أعود إلى مصر طبقًا لنظام الابتعاث، فعدت وعملت في قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة لمدة ثلاث سنوات.

ثم سنحت لي فرصة للالتحاق بقسم الإعلام في جامعة قطر، فتقدمت والتحقت بها، وعملت هناك لمدة 3 سنوات من 2004 إلى 2007، وفي هذا الوقت حصلت على منصب رئيس قسم الإعلام وعلم المعلومات بجامعة قطر، وطبعا كانت تجربة فريدة من نوعها، وهي تجربة العمل الإداري، وحتى أكون صريحة لا أعتقد أنني عشقت العمل الإداري، لأنني باحثة وكاتبة وأحب التدريس والبحث العلمي، أما العمل الإداري فلا أعتقد أنني أحببته، لكنها كانت تجربة يمكن أن يتعلم منها الإنسان دروس ويستفيد منها، وأعتقد أنها كانت تجربة هامة في حياتي.

بعد ذلك كانت لدي رغبة في أن أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وشعرت أنني لو بقيت في مكاني فلن أصل إلى ما أتمناه، وأردت أن يكون لي انفتاح أكبر على العالم الخارجي، وأن أذهب إلى العالم الغربي مرة أخرى، لأني شعرت أن تجربة السفر إلى أمريكا عندما كنت صغيرة كانت تجربة فارقة بالنسبة لي، وشعرت أنه لدى الرغبة أن أتعرف على الثقافة الأميركية والغربية، وأن أعيش في هذا المجتمع، وأتعرف عليه بشكل أفضل.

وقبل أن آتي إلى أمريكا حاولت أن أتقدم لبعض الوظائف المتاحة هنا، وتحديدًا في مجال الإعلام والدراسات الإعلامية، وبالفعل وجدت وظيفة بقسم الإعلام في جامعة ميريلاند، حيث كانوا يطلبون أستاذ متخصص في دراسات وإعلام الشرق الأوسط، فتقدمت لتلك الوظيفة، وقاموا بإجراء مقابلة شخصية معي عبر التليفون في البداية، ثم بعد ذلك قدموا لي تذكرة الطائرة، وجئت إلى أميركا، ثم قاموا بعمل مقابلة شخصية معي، وبعدها حصلت على الوظيفة، ومن وقتها وحتى الآن، أي منذ 11 عامًا وأنا أعمل كأستاذ في قسم الإعلام بجامعة ميريلاند، والحمد لله حصلت بعدها على التثبيت أو الـ senior، وهي الوظيفة مدى الحياة في القسم.

* وما هو تخصصك الدقيق في درجة الدكتوراه، والذي أهلك للحصول على هذه الوظيفة في جامعة ميريلاند؟.

** تخصصت في “Mass media and culture studies” وهي الدراسات الإعلامية والثقافية، وكان هذا التخصص تابع لقسم الدراسات الاجتماعية بجامعة مانشستر، لأنه لم يكن هناك كلية إعلام مستقلة بذاتها أو قسم إعلام مستقل بذاته في الجامعة، وكانت الدرجة في الإعلام والدراسات الإعلامية والثقافية.

بين العادات والحرية

– مداخلة: أود أن أقول أنني سعيد جداً وأنا أستمع للدكتورة سحر، وفخور جدا بإنجازاتها كامرأة عربية أميركية، وعندي سؤال هام لها، فكما تعرفين أن معظم السيدات العربيات الأميركيات عندهم صراع بين المحافظة على تراثهن ومجاراة الانفتاح والحرية في الغرب، لذا من خبرتك ما الذي تقولينه للفتيات الصغيرات اللاتي يحاولن السير على طريق النجاح؟

** كثيرًا ما يتم سؤالي عن ذلك من الشابات الصغيرات، اللاتي يواجهن تلك الصراعات بين أن تحقيق النجاح في الغرب، والمحافظة على تراثهن العربي وتقاليدهن وعاداتهن، وفي مرة من المرات تم سؤالي عن حضارتي وثقافتي وعاداتي، والذي سألني هذا السؤال كانت امرأة ترتدي الحجاب، وقالت لي: هل تظنين أنني إذا حصلت على وظيفة في أميركا سأستطيع أن أذهب إلى عملي وأنا أرتدي حجابي؟ وهل سيقبلونني في الوظيفة؟ أم هل علي أن أنزع حجابي وأنا أتقدم للوظيفة، ومن ثم أرتديه بعد أن أحصل عليها؟

فقلت لها: لا يمكن أن تغيري ما أنت عليه، ويجب أن تفتخري بذلك، وأن تكوني متمسكة بتراثك، ويجب عليهم أن يقبلوك على ما أنت عليه، وأنا حصلت على عملي وأنا أرتدي الحجاب، ولم أفكر ولا مرة أن أنزعة من أجل الحصول على الوظيفة، فإذا لم يقبلوني على ما أنا عليه فهذا ليس المكان المناسب بالنسبة لي. لذا فنصيحتي لكل الشابات الصغيرات، أن يكن فخورات بأنفسهن وبتراثهن، وبما هم عليه، وليعلمن أنهن غير مضطرات التغيير من عاداتهن وأخلاقهن ومعتقداتهن.

حقوق الجالية

* دكتورة.. لك مساهمات متعددة في الكثير من المجالات، ولنبدأ من حقوق الإنسان، ماذا عن هذا المجال؟

** أنا لا أؤمن بفكرة الأكاديمي المتقوقع على ذاته في المكتبة والبحث الأكاديمي، فيجب أن يكون له دور، وهذا الدور أنا أسميه public intellectual ، وهو المثقف الذي له دور مجتمعي، وهي نقطة هامة للغاية أحرص عليها، فأنا أحرص على أن يكون لي مشاركات مجتمعية في شتى المجالات. ومن المجالات التي أهتم بها كثيرًا مجال حقوق الإنسان، ولهذا لم أتردد إطلاقًا عندما وجدت فرصة للالتحاق بمفوضية حقوق الإنسان بمقاطعة مونتجومري في ميريلاند التي أعيش فيها، ورغم ضيق وقتي وكثرة مشاغلي تقدمت لهذا المنصب، وأصبحت أحد مفوضي حقوق الإنسان في مقاطعة مونتجومري في ميرلاند.

وهذا دور هام جدًا لأن الكثير من أبناء الجالية العربية لا يعرفون حقوقهم، ولا يعرفون متى يكون ما يتعرضون له نوع من أنواع التمييز أو العنصرية أو الإسلاموفوبيا، ولا يعرفون كيف يتصرفون في هذه الحالة. فمن المهم أن يكون لدينا معرفة بحقوقنا، فإذا عرفنا حقوقنا سنستطيع المطالبة بها، كالحق مثلا في أن يكون هناك توظيف دون تمييز، ومعرفة ما هي القنوات التي يمكن من خلالها أن أحصل على حقوقي، أو أن أتقدم بشكوى لأحصل على حقي بالكامل، وكل هذه الأمور تعرفت عليها من خلال عملي كمفوضة بمفوضية حقوق الإنسان في ميريلاند، وأحاول أن أنشر هذا الوعي بين أبناء الجالية العربية بقدر الإمكان.

* دكتورة سحر..هلي ترين أن هناك تراجعًا في مجال حقوق الإنسان بالولايات المتحدة خلال هذه الفترة؟

**بالطبع، فخلال العامين الماضيين عاش أبناء كل الأقليات في ظروف صعبة، سواء والملونين، فكل هؤلاء نالهم حظ وفير من التمييز والتضييق، وبالذات ، حيث تم منع دخول المهاجرين من 6 دول إسلامية. وكل هذه الأمور كان لها تداعيات وانعكاسات سيئة للغاية.

ولكن في نفس الوقت أود أن أقول إنها سلاح ذو حدين، فمن ناحية كان هناك تضييق وتمييز، ومن ناحية أخرى رأينا نوعًا من أنواع المؤازرة والتعاون من أبناء المجتمع الأميركي مع أبناء الجالية العربية والإسلامية، فقد خرجوا في مظاهرات حاشدة لرفض أي شكل من أشكال التمييز ضد الأقليات وضد المهاجرين والمسلمين، ورأينا كيف أنه كان هناك محامون يجلسون علي الأرض أمام المطارات في محاولة للتخفيف عن الذين مُنعوا من دخول البلاد وحل مشاكلهم دون الحصول على دولار واحد، وهو عمل تطوعي بحت، لذا فأنا أعتقد أنه كان سلاحًا ذو حدين، وزاد بعده الوعي بقضايا العرب والمسلمين من ناحية أخرى.

معايير الحرية

* هناك دائمًا من يقارن بين الخضوع ومساحة الحريات الضيقة في العالم العربي، ومساحة الحرية الكبيرة هنا التي تتيح لنا أن نعترض، مع تحفظي علي هذه المقارنات، ولكن كيف ترين هذه المقارنة، فهناك من يقول لك أنت تعيشين هنا، يكفي أن تستطيعي أن تعترضي؟

** أنا دائما أقول لطلابي في جامعة ميريلاند أنه لا يوجد شيء اسمه حرية بنسبة 100 بالمائة، حتى في أكثر بلدان العالم حرية وديمقراطية، يوجد هامش من الحرية يتمدد وينكمشـ ولكن لا توجد حرية بشكل مطلق، لكن لا شك أن هناك مساحة أكبر من الحرية هنا، بمعني حرية الرأي وحرية الكلمة وحرية التعبير، وهي مكفولة في المجتمعات الغربية والمجتمع الأميركي، فمن الممكن أن نرى سخرية واعتراض على زعماء ورؤساء أحيانًا بشكل قاسي للغاية من المعلقين السياسيين والأكاديميين ومن الممثلين الكوميديين، بشكل لا يمكن أن نتخيله في البلدان العربية، وأعتقد لو قيل ربع هذا الكلام في بلداننا العربية فيمكن أن يكون قائله وراء القضبان في لمح البصر كما يقولون.

ولكن كما ذكرت، فخلال العامين الماضيين كان هناك تضييق واضح على الجالية العربية والإسلامية، ورغم ذلك شهدنا صحوة كبرى، فقد أصبح لدينا مثلا الآن عضوتين في الكونجرس من أصول عربية وإسلامية هما إلهان عمر ورشيدة طليب، وأعتقد أن هذه هي البداية وليست النهاية، فهي بداية طفرة وموجة جديدة بدأت منذ ترشح هؤلاء ونجاحهم ودخولهم الكونجرس، وجلوسهم على مقاعد صانعي القرار، وهي نقطة هامة وفارقة للغاية أود أن أشير إليها وأشيد بها.

* لدينا مداخلات دكتورة حول ما قلتيه عن أنه لا توجد حرية مطلقة، فهل الحرية المطلقة يمكن أن نعتبرها فوضى، لأن أهم شيء في الحرية هي الثقافة، وما ينقصنا هو الثقافة، لأنها هي التي تحدد حريتنا وهويتنا المجتمعية، كما لا يجب أن نخلط الدين مع الدولة، لأن الدولة هي السياسة والدين لله.. ما رأيك دكتورة في هذه المواضيع؟

**أعتقد بالطبع أن الحرية المطلقة، هي فوضى مطلقة، لأنه يجب أن يكون هناك حدود للحرية، وتلك الحدود لا تمنع أن يكون الإنسان حرًا في تفكيره وفي معتقداته وفي عقيدته، ولكن عندما  يأتي الأمر لممارسة الحرية يجب أن نراعى أيضًا حقوق الآخرين وحرياتهم، فأنا أقول دائمًا أن حريتي تتوقف عندما تبدأ حريات الآخرين، حتى لا نتعدى عليهم، ولاشك أيضًا أن الثقافة هي صمام الأمان في تقنين هذه الحريات ووضعها في الإطار السليم وعدم استخدامها بشكل سلبي، ولاشك أن الأديان رسالة سماوية هامة، ولا يجب أن نخلطها بالسياسة بشكل يسيء إلى كليهما.

حوار الأديان

* لكٍ مساهمات ونشاطات في مجالات ثقافية عديدة، وفي مجال حوار الأديان، فأنت مهتمة جدًا بالمشاركة في الحوار الديني بالولايات المتحدة، وحوار الثقافات في مجتمع مقاطعة مونتجومري وخارجها أيضًا، فهل يمكن أن تلقي الضوء على هذا الموضوع؟

** للأسف الشديد هناك إساءة فهم لدور الدين في المجتمع والحياة، وأنا سعيدة أنك أشرتِ إلى هذه النقطة، لأنه أحيانًا يوجه لي السؤال، أليس الدين أساس كل المشكلات، وهو سبب الصراع بين البشر، فأقول لا بالطبع، فالدين بريء من كل هذا، المشكلة فيمن يسيئون فهم الدين، ولا يفهمون الدين بالطريقة السليمة، ولا يستطيعون التعامل مع الآخر بالرحمة والمساواة والمحبة التي هي أساس كل الأديان السماوية، فالخير يأتي من الله، والشر يأتي من أنفسنا، فلا يجب أن نخلط الأمرين معًا، وهى نقطة في منتهى الأهمية.

النقطة الأخرى هي كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ “، يقول أيضًا “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً”، فقد جعلنا الله شعوبًا وقبائل مختلفة في العادات والتقاليد والمذاهب، حتى نتعارف وحتى نتعاون، وحتى يكون هناك محبة وليس قتل وسفك دماء وصراعات، ولهذا أنا حريصة جدًا على جزئية حوار الأديان، وهي من الأشياء التي أحاول دائمًا أن أعطيها مساحة من الوقت والاهتمام مهما كانت مشاغلي وارتباطاتي.

وأنا حريصة أيضًا على المشاركة في مجموعات مثل ”الحوار الإسلامي اليهودي”، “مجموعة الأخوات اليهود- المسلمات”، وكل هذه المجموعات وغيرها الكثير أحاول أن يكون لي صوت وجهد بارز فيها، لأنني أشعر أن وجود المسلمين ووجود العرب ووجود المسلمات والسيدات في هذه المجموعات يعطى صورة مختلفة تمامًا ومغايرة للصورة المغلوطة السيئة عن الإسلام، والتي مع الأسف الشديد تترسخ في الأذهان من خلال الصور النمطية المشوهة عن العرب المسلمين كمتطرفين وإرهابيين، وتقدم المرأة العربية المسلمة على أنها مقهورة ومهمشة.

فيجب أن نغير هذه الصورة بالفعل وليس بالكلام، فالكلام وحده لا يغير العالم، ولكن الفعل يحدث التغيير المطلوب، ولهذا يجب أن نعمل جيدًا على أن يكون لنا تواجد فعلي في جميع الدوائر المجتمعية، وفي جميع الهيئات والمراكز، وأيضًا في حوار الأديان.

* إذن دكتورة ما هي النقطة المفصلية التي يجب أن ننطلق منها من وجهة نظرك فيما يتعلق بحوار الأديان؟

**عدم الخوف من حوار الأديان، فهناك بعض الأديان تخاف أصلا من أن تذهب إلى دار عبادة مختلفة عن التي تذهب إليه، حتى داخل نفس الدين بين السنة والشيعة مثلاً، كما لو كان الشخص يخاف أن يؤثر ذالك سلبًا على درجة تدينه، وأنا أقول العكس تمامًا، فعندما ننخرط في حوار الأديان مع الأديان والمعتقدات والطقوس الأخرى، يزداد عندها إيماننا، فأنا أشجع الجميع على أن يكون لديه تفتح، ولديه الشجاعة الأدبية والعلمية والثقافية ليطلع على هذه الثقافات والأديان الأخرى، دون الخوف على أن يؤثر ذلك سلبًا علي معتقدات الشخص، لأن ذلك يجعله أكثر إيمانًا وليس أقل إيمانًا.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

للاستماع الى الحلقة عبر اليوتيوب :

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

للاستماع الى الحلقة عبر الساوند كلاود :

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

error:
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين