برامجنا

العيادة النفسية – كيف تعالج نفسك من الاكتئاب؟

  يقدمها: د. وجدي عطية – أعدها للنشر: هارون محمد

أكثر من 300 مليون شخص على الأقل في العالم يعانون من الاكتئاب، هذا الرقم اللافت أعلنت عنه منظمة الصحة العالمية مؤخرًا لتنبهنا لخطورة المشاكل النفسية التي يعاني منها ملايين البشر في عصرنا الحالي.

ويعرف الاكتئاب بأنه من أكثر شيوعًا، وهو اضطراب عقلي، يعاني فيه الشخص من العديد من المشاعر السلبية لفترات طويلة.

فالمصاب بالاكتئاب تلازمه مشاعر مثل (القلق، الحزن، التشاؤم، الذنب)، ويشعر بضيق في الصدر مع فقدان الحماس وعدم الاكتراث بأي شيء من حوله، مما يؤدي إلى ترسخ شعور لديه بخيبة الأمل مع انعدام وجود هدف للحياة، ويقوده ذلك في النهاية للشعور بأن وجوده أصبح ثقيلاً ولا معنى له بشكل عام.

كما يتسم المصاب بالاكتئاب بخلل في المزاج، إما بالانخفاض التدريجي أو الحاد في المزاج، وتكون لديه مشاكل في التركيز وتذكر التفاصيل واتخاذ القرارات، وقد يقدم على إلحاق الأذى بنفسه أو يحاول الانتحار.

للحديث أكثر عن هذا المرض وأسبابه وأعراضه وطرق علاجه، استضاف برنامج “العيادة النفسية”، الذي يذاع عبر أثير “صوت العرب من ”، ، سابقًا.

الاكتئاب وأسبابه

الاكتئاب هو إحساس الشخص بالحزن، واليأس، وتعكر المزاج. وهو إما يكون نتيجة مرض عقلي مئة بالمائة، أو نتيجة لمرض جسماني عضوي، فعندما يذهب شخص إلى الطبيب، ويخبره أنه مصاب بالسرطان، أو عندما يصاب شخص بكسر في قدمه يعجزه عن العمل، عندها ستسود الدنيا في عينيه، ويصاب بصدمة ذهنية تؤثر عليك من الناحية الجسدية والعقلية، وتبدأ ظهور عنده.

أعراض الاكتئاب 

تختلف أعراض الاكتئاب من شخص إلى آخر، ومن بيئة اجتماعية إلى أخرى، لأنه عبارة عن إحساس شخصي. ويعتقد مريض الاكتئاب أنه من العيب الاعتراف بأنه مكتئب، فهو يأكل، ويشرب، وينام، ولديه مال، ويتمتع بكافة ملذات الحياة، وهذا يدل على جهل المريض بحقيقة المرض وعدم إدراكه بأنه مرض شائع.

ومن أعراض الاكتئاب الشعور بالحزن، وتعكر المزاج، وانعدام الأمل في المستقبل، وافتقاد التشجيع، كأن تستيقظ في الصباح وتشعر أنك حزين، وليس لديك مستقبل، ولا يوجد من يشجعك، ومزاجك ليس طبيعيًا.

ومن أعراضه أيضًا بطء التفكير وردة الفعل: فقد تكون معتادًا على أن تكون مبتسمًا طوال اليوم، وزوجتك أيضًا معتادة على ذلك، ولكنك تفاجئ ذات يوم أنك استيقظت في الصباح وعلى وجهك تكشيرة، وتقول لك الزوجة “صباح الخير.. كيف حالك” فلا تجيب، وعندما تكرر السؤال لك مرة أخرى تجيب.

كما أن الاكتئاب تصاحبه عدم رغبة في الحركة، كأن تسألك الزوجة “ألا زلت بالبيجامة، لماذا لم تنهض لتغير ملابسك؟”، وأنت لا تجيب، فتكرر السؤال مرة أخرى فلا تنهض وتشعر أنه ليست لديك رغبة في الحركة.

ومن الأعراض أيضًا فقدان الإرادة والشعور بالعجز واليأس Helplessness and hopelessness””، كشعورك بالضياع، وأن الحياة مملة، وأنك تقوم بشيء تعتاد القيام به كل يوم، عندها يبدأ الوسواس القهري باللعب بك. فمثلًا أنت تستيقظ في الصباح يوميًا وتغسل وجهك، وتصلي، ومن ثم تذهب إلى العمل، ولكن عندما تصاب بالاكتئاب فستجد أنك لا ترغب في غسل وجهك، ولا تريد أن تصلي، وليس لديك رغبة حتى في أن تنهض من النوم وتترك سريرك.

ويتسبب الاكتئاب أيضًا في فقدان الشهية مع حدوث نقص في الوزن، أو فرط الشهية مع زيادة في الوزن: فمثلًا عندما تحضر الزوجة لك الطعام، لا ترغب في تناوله رغم أنك كنت تنهي طبق طعامك وتطلب طبقًا آخر، وعدم الرغبة في تناول الطعام يؤدي إلى نقص في الوزن، وربما تشعر بأنك تأكل بكثرة دون وعي، حيث تضع الطعام لتمضغه ولا تعلم لماذا، وهو ما يؤدي إلى زيادة في الوزن.

ويشعر المكتئب كذلك إما بصعوبة في النوم أو رغبة في النوم العميق، كأن تجد صعوبة بالنوم رغم أنك كنت عندما تضع رأسك على الوسادة تنام سريعًا. أو تشعر برغبة في النوم العميق وأنك لا تكتفي من النوم، فقبل ذلك كنت تستيقظ بعد 6 أو 7 ساعات من نومك بنشاط لتذهب إلى العمل، لكن بعد الاكتئاب عندما يوقظك شخص من النوم لتذهب إلى العمل فستخبره أنك لن تذهب إلى العمل، وتعود إلى النوم، وعندما تستيقظ مرة أخرى تسأل نفسك “لماذا لم أذهب إلى العمل؟”.

أنواع الاكتئاب

في الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية DSM الخاص بنا في الكتاب الأميركي، يتم تقسيم الاكتئاب من حيث الشدة، إما أن يكون قاسيًا جدًا أو بسيطًا، متكررًا أو غير متكرر. وهناك نوع آخر وهو الاكتئاب التفاعلي “The Reactive Depression”؛ ويكون ذلك نتيجة لظروف خارجية، كأن تكون متعبًا من العمل أو متشاجر مع الزوجة، أو لديك أزمة مالية أو سياسية تؤثر عليك، أو نتيجة لأمراض داخلية، كالإصابة بمرض السرطان أو أزمة قلبية، أو أي أمراض عضوية أخرى.

وقد تصاب بالاكتئاب تدريجيًا دون أن تشعر، فأنت لا تتخيل أنك ستصاب بالأمراض، كما أنك لم تكن معتادًا على الشعور بألم في كبدك أو في جنبك الأيمن أو حتى مغص كلوي أو أي وجع، وفجأة تشعر بأن جسدك متهالك، رغم أن هذا ليس من طبيعتك، وأنك قد أصبت بوجع في المفاصل دون أي مقدمات.

ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن الشعور بالشيخوخة لا يعني بالضرورة أنك أصبحت بعمر 70 أو 80 سنة، ولكن علميًا لا يمكن التنبؤ بمعدل الشيخوخة لأي عضو في جسدنا، فمثلًا الذي يدخن السجائر في عمر صغير من الممكن أن يصاب بسرطان في الرئة أو التهاب في الحلق أو سرطان في اللسان، وأشياء أخرى تجعلك تغير مسار حياتك.

علاقة الاكتئاب بالهوس

يرتبط الاكتئاب أحينًا بالهوس “mania” أو الزيادة في الطاقة، فلو كنت مصابًا بقمة الشعور بالسعادة وقمة الشعور باليأس، والذي يعطيك الطاقة، كأن تكون لديك طاقة لتذهب إلى العمل، وتتحدث وتتحرك كثيرًا، ويكون وضعك ممتازًا. ويأخذ المرض فترات، كأن  تصبح في اليوم التالي وضعك مختلفًا بالكامل إلى الأسوأ، ولا ترغب في الخروج أو القيام بأي شيء إطلاقًا، ولا تريد أن تترك سريرك.

وأحيانًا ترافق الاكتئاب هلوسة، ويسمى “الاكتئاب الذهاني”، كأن يتخيل الشخص أن هناك شخص يكلمه أو يراقبه أو يؤذيه، ويكون لديه نوع من “” مثلا بأنه سيموت، أو أنه مصاب بمرض خطير، ويفكر في أن هناك شخص يريد أن يتخلص منه ليأخذ ماله أو يؤذيه في شخصه أو في أشخاص مقربين له. ويؤثر الاكتئاب الذهاني على وظيفة المريض مع صعوبة في أداء وظائفه.

اكتئاب الأطفال

الاكتئاب مرض لا يستثنيًا من الإصابة به، سواء كان في سن صغير أو كبير. لذا فعلينا ملاحظة أولادنا من حيث ظهور أي تغيير في سلوكهم، فقد يحدث أن الطفل الذي كان يدخل إلى غرفته وينام لوحده أصبح يخاف من ذلك، أو أن الذي كان يحب الذهاب إلى المدرسة، لم يعد يحب الذهاب إليها؛ وتكون نسبة “القلق والذعر” عند الطفل مرتفعة جداً، ويخاف أن يترك أباه وأمه، ويشتكي من وجع في البطن والظهر والرأس، وينعزل عن الآخرين.

والاكتئاب

تؤدي إصابة الشخص باضطراب الغدة الدرقية، إلى زيادة في نشاطه أو نقصانه، أو تسبب تساقطًا بالشعر، ومن الممكن أيضًا أن تؤدي إلى اكتئاب شديد.

النساء والاكتئاب

أكد في دراسة حديثة له أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب من الرجال، وهذا يعود إلى تغيرات الهرمونات، فهي تتغير بين هرمون البروجسترون والأستروجين، وهذه التغير وعدم الاستقرار في الهرمونات يمكن أن يؤدي إلى الاكتئاب، كما أن طبيعة مهمة المرأة في الحياة تجعلها تتولى أكثر من مسؤولية، فهي متعددة الوظائف “”Multi-functional، حيث تهتم بعملها وبالأبناء والمنزل، بخلاف الرجل الذي لديه وظائف محددة.

استعادة النشاط والحيوية

بالإضافة إلى الأدوية المضادة للاكتئاب وجلسات العلاج النفسي، تسهم ممارسة الرياضة في تخفيف حدة الاكتئاب، فممارسة الرياضة تؤدي إلى زيادة نسبة هرمون الإندورفين “”Endorphin، الذي يدعم الجسم بالطاقة.

وممارسة الرياضة ستجعلك سعيد بنفسك داخليًا، وعندما تفكر في الغد  لن تفكر في أي ضغوط، فالإندورفين سيصنع بك تغيرات، وسيزيد الطاقة في جسدك. ولكونك تمارس الرياضة مع أشخاص فهذا يعطيك طاقة أيضًا، فأنت هنا تغير المزاج الكسول الذي يجعلك تقول “أنا لا أستطيع”، “أنا كسلان”، “أنا مهزوم”.

كما أن الاغتسال بالمياه الساخنة أو الباردة يعطيك نشاطًا وحيوية، فعندما تغتسل بالمياه وتليف جسدك، أو حتى تقوم بالسباحة، فهذا يعطيك نوعًا من النشاط.

تشخيص حالة

* سؤال من المستمعة م.ت تقول فيه: “من حوالي شهرين بدأت أشعر بالرغبة في النوم كلما قررت أن أنجز شيئًا، وتوقفت عن ممارسة كل ما كنت أحبه ومنها الرياضة أيضًا، وحتى بعد حصولي على ساعات كافية من النوم أستيقظ وأنا أشعر بالتعب، وأرغب في مواصلة النوم، فما هو تشخيصكم لهذه الحالة وكيف أخرج منها؟”

** جميع الأعراض التي ذكرتها تنطبق على الاكتئاب. وقبل أن نقوم بفحص الغدة الدرقية، وفحص فيتامين B12 وفيتامين D وتحليل للبول وأشياء أخرى، أريد منها أن تخرج من المنزل في الصباح وتركض، ومن ثم تغتسل، ولا تبقى وحدها، وإن كان زوجها غير موجود عليها أن تتحدث مع والدتها أو والدها أو أصدقائها، أو تذهب إلى السوق دون أن تشتري شيء حتى لا تحدث مشاكل، وتعطي فرصة لنفسها لكي تتمشى فقط.

أما بالنسبة للعلاج فليس كل مرض له دواء، وحتى لو أعطينا المريض أدوية فلابد أن العلاج سيمتد مفعوله إلى 50 بالمائة أو 60 بالمائة من المرض، لكن الباقي يعتمد على تصرفات المريض نفسه وألا يجعل نفسه معزولًا أو وحيدًا.

ابحث عن السبب

قد تجد شخصًا يقول لك: “أنا متضايق ولكن لا أعلم لماذا؟”، وطبعًا لا يوجد شيء بدون سبب، فعندما تبحث جيدًا ستجد السبب، كأن تستيقظ من السرير وأنت تشعر بوجع في ظهرك، فعليك أن تبحث لماذا شعرت بهذا الوجع، أو عندما تعتاد أن عندما تفتح بابك وتقول لجارك “صباح الخير” أو “صباح النور”، ولكنك توقفت عن ذلك لأن جارك هذا دمه ثقيل وغير مرح، فأسأل نفسك لماذا لا تقولها لجارك الآخر الذي دمه خفيف؟، فهناك أشياء تستطيع أن تقوم بها قبل أن تعرف أنك مصاب بالاكتئاب.

العلاج الأفضل

عندما تأتي إليّ مريضة مصابة بالاكتئاب أسألها بعض الأسئلة، ومنها هل شعرت بهذه الأعراض منذ أسبوعين؟، إن قالت نعم، ويمكن أكثر من أسبوعين، وإنها تنام كثيرًا، ولا تتناول الطعام أو تتناول الكثير من الطعام، وليس لديها طاقة، وعقلها أحيانًا يكون فارغ، ولا تستطيع التفكير، فأنا للأسف سأضعها في أسفل قائمة المرضى، وسأوضح لها أن الدواء سيسري مفعول علاجه بنسبة 60 – 70 بالمائة، وأن ما ستقوم به هو أهم مما يفعله الدواء.

وسأنصحها بأن تخرج وتتحدث ويكون لديها نشاط، وأن تأخذ إذن من زوجها بالخروج لشراء بلوزة أو جيبه، وتزور أصدقائها، فأحيانًا لا نحتاج لإعطاء دواء لمريض الاكتئاب، فالعلاج بالحديث مع هذه النوعية من المرضى بالذات يكون مهمًا في المرحلة الأولى أو مع المصابين لأول مرة، لكنه قد لا يكون مفيدًا مع بعض الحالات مثل “التفكير الانتحاري”، وهو الشخص الذي يريد أن يقتل نفسه، فهذه الحالة نضعها في المستشفى، لنتحكم بها قبل أن يزداد الوضع سوءًا.

وفي العيادة الخاصة بي لا أعطي الدواء من أول مرة، فأحيانًا تكون هناك مشاكل عائلية، كأن تكون علاقتك جيدة مع  زوجك، ولكنكما لا تتحدثان مع بعضكما منذ أسبوعين، فهذا من الممكن أن يكون عاملاً أساسيًا لأكثر من مشكلة، ويكون السبب عائليًا، كأن تقول المريضة “كانت علاقتي جيدة مع أولادي، وبعدها أتت شهادة ابني، الذي فشل في بعض المواد”، فهذا أمر يمكن حله، ولكن يجب أن نبحث عن سبب المشكلة، وإن كان علاجها بدون دواء سيكون أفضل من العلاج الدوائي الذي يأخذ وقتًا.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

لإرسال أسئلتكم واستفساراتكم على البريد الخاص للدكتور وجدي عطية:

[email protected]

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

لمتابعة الحلقة عبر اليوتيوب :

تعليق
إعلان
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

error:
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين