محليات

لاجئة فلسطينية تصنع التاريخ: رشيدة طليب أول مسلمة تقترب من عضوية الكونجرس

راديو صوت العرب من أمريكا- إعداد وتحرير: علي البلهاسي

“سأرتدي الثوب الفلسطيني المطرز، وأؤدي ‏اليمين على القران الكريم لاعتمادي عضوًا في الكونغرس الأمريكي، إذا فزت في الانتخابات، هذا ‏وعدي لأمي الفلاحة الفلسطينية ابنة بيت عور الفوقا، ولأبي المقدسي ابن بيت حنينا، ولجاليتي ‏العربية والإسلامية، ولأبناء منطقتي في ميتشيغان”.‏

هذا ما أكدته ، الأمريكية من أصول فلسطينية، التي تقترب من صناعة التاريخ، لتصبح أول امرأة ‏مسلمة في تاريخ يتم انتخابها في الكونجرس، وذلك بعد أن فازت بالانتخابات ‏التمهيدية، التي تخولها الترشح لعضوية الكونغرس الأمريكي عن الحزب الديمقراطي، في ولاية ‏ميشيغان.‏

وذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن رشيدة طليب ترشحت وسط حشد مزدحم من الناخبين ‏يسعون جميعًا ليحلوا محل جون كونيرز جيه إر الذي شغل منصبه منذ عام 1965 وحتى تقاعده ‏العام الماضي، في أعقاب مزاعم بارتكاب انتهاكات جنسية، حيث حصدت 33.6% من الأصوات ‏في أعقاب حملة شعبية قوية جمعت أكثر من مليون دولار.‏

وأشارت الصحيفة إلى أنه لا يوجد مرشحون جمهوريون يتنافسون على مقعد دائرة الكونغرس ‏الثالثة عشرة بولاية ميشيغان، ومن ثم فإن طليب ستدخل الكونجرس دون معارضة، في أعقاب ‏انتخاب خاص سيجرى في 6 نوفمبر 2018، عندما ستحل محل كونيرز، وكان أقرب منافسيها ‏رئيسة مجلس ديترويت بريندا جونز التي رغم أن اسمها ذائع الصيت والعديد من التفويضات ‏التي حصلت عليها فإنها حصدت 28.5% فقط من الأصوات.‏

لاجئة تصنع التاريخ

ووسط المعركة السياسية المحتدمة في أمريكا حول ملف الهجرة والمهاجرين، يأتي فوز رشيدة ‏طليب ليلقي الضوء أكثر على الدور الذي يلعبه اللاجئون والمهاجرون في المجتمع الأمريكي، ‏خاصة وأنها ابنة لاثنين من المهاجرين الفلسطينيين، هاجرا إلى الولايات المتحدة في أوائل ‏السبعينيات. فوالدها من بيت حنينا (إحدى ضواحي القدس)، ‏بينما يرجع أصل والدتها إلى بيت عور، بالقرب من رام الله.‏ ‏

وُلدت في ديترويت عام 1976، وهي الابنة الكُبرى في عائلة كبيرة مكونة من 14 طفلاً. ‏ واستمدت إلهامها من والديها الكادحين ‏اللذين كانا يعملان بجهد، وشعرت منذ حداثة سنها أن عليها أن ترد الجميل وتبذل العطاء إلى مجتمعها الأهلي.‏

ودرست السياسة في جامعة وين ستيت حيث نالت درجة البكالوريوس في العلوم السياسية عام ‏‏1998م، وحصلت أيضا على شهادة في القانون ‏من كلية توماس كولي عام 2004م، ومنحت درجة الزمالة من مركز ‏ميتشجان “للقيادة التقدمية” في عام 2007م؛ اعترافا بما تمتلكه من مهارات قيادية. وتعمل ‏محامية مُتخصصة في الدفاع عن قضايا مجتمعها المخلي، ومكافحة التلوث البيئي، وتعزيز ‏التعليم.‏

رشيدة أعربت في أكثر من مناسبة عن سعادتها وفخرها بأصولها الفلسطينية وقالت: “أنا ابنتكم كافحت ضمن 14 أخ وأخت وأبوين مهاجرين من فلسطين من أجل حياة ‏عزيزة شريفة، أصبحت محامية ناجحة بشهادة الكثيرين وعضوا في برلمان ولاية ميتشيغان، وأنا ‏اليوم مرشحة للكونغرس”.

وأضافت: “أنا أخوض الانتخابات كوني ابنة جالية عربية وإسلامية ومسيحية، وابنة مهاجرين ‏فلسطينيين تمتد جذورهما إلى قلب فلسطين. وأحظى بدعم أبناء وبنات الجالية بكل أطيافها ‏العمرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بكل الوسائل الممكنة المادية والمعنوية وعبر ‏الإعلام الاجتماعي، حيث يقومون بإعادة نشر رسائلي لتبقى حاضرة ببن الناس، ما يدفعني للعمل ‏بشكل يومي وبشكل مثابر، ويعزز قناعتي بالقدرة على الفوز حتى أصبح أول فلسطينية ‏أمريكية عضواً في الكونغرس الأمريكي، أعرق مؤسسة تشريعية في العالم”. ‏

مقومات النجاح

وتمتلك رشيدة المقومات اللازمة لجعل أي مرشحٍ للكونغرس يُمكِن أن يكون له تأثيرٌ في ‏المستقبل. فقد عملت في المؤسسة التشريعية لولاية ميشيغان بين عامي 2008 و2014، لذا تعي ‏الفوارق الدقيقة والأثر البشري للسياسات الحكومية. ‏

ومنذ غادرت رشيدة المؤسسة التشريعية في الولاية ظلَّت نشطة في المجتمع، تقاتل من أجل ‏العدالة الاجتماعية كمحامية وناشطة حقوقية بمركز قانون السكر للعدالة الاجتماعية والاقتصادية ‏‏(‏Sugar Law Center for Economic and Social Justice‏). ‏

وفيما يتعلَّق بالجانب العملي من السياسة، فإنَّ رشيدة -الأم لطفلين- ظلت تعمل ليل نهار لتقابل ‏سكان الدائرة. حتى أنَّها تفوقت على منافسيها من حيث جمع التبرعات بعدما جمعت ما يقرب من مليون دولار، وفعلت ذلك دون الحصول على سنت واحد من أموال لجان العمل السياسية ‏‏(‏PAC‏). ‏

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن طليب لديها فرصة كبيرة، حيث حصلت مؤخراً على التأييد ‏الرئيسي لصحيفة ديترويت فري برس أكبر صحيفة يومية محلية في المنطقة.

خدمة المجتمع الأهلي

وسبق أن دخلت رشيدة طليب التاريخ الأميركي بانتزاعها مقعدا في مجلس نواب ولاية ميشيغن عن الحزب ‏الديمقراطي، لتصبح بذلك أول امرأة مسلمة تحصل على هذا المنصب بفضل خدمتها لمجتمعها الأهلي. ودعمت دائرتها الانتخابية ديترويت من خلال قيادتها مبادرات الخدمات ‏الاجتماعية والتحدث بصوت جيرانها نيابة عنهم في مجلس نواب الولاية. وقد اكتسبت شهرة بين جيرانها حتى قبل أن تدخل المعترك السياسي.‏

وصنعت طليب اسمًا لنفسها خلال الحملة الانتخابية عام 2008 عن طريق الزيارات من بيت إلى بيت للاستماع ‏إلى هواجس السكان المقيمين. فإذا لم تجد أحدا في منزل ما، كانت تترك بطاقتها وتتعهد فيها بالعودة – شخصياً.‏

قالت طليب: “عندما كنت أعود لزيارتهم، كان يبدو على الناس وكأنهم يفاجئون ولسان حالهم يقول: “ها قد عدت ‏بالفعل- لقد جئت إلى منزلي”. وأضافت أن معظم الناس كانوا يعتقدون بأن متطوعين سوف يأتون للموعد بدلاً ‏عنها. وتقول “لقد حفزني الأمر على فعل المزيد نتيجة الابتسامات التي كانت ترتسم على وجوههم عند التأكيد ‏بأن التغيير قد يحصل.”‏

ومنذ دخولها إلى مجلس النواب، ساعدت طليب في تقديم خدمات مجانية في مجال إعداد جداول وكشوفات ‏الضرائب للعائلات من ذوي الدخل المنخفض، مما أنقذ الأسر من ‏الحجز على ممتلكاتها، كما ساعدت الأهالي في قضايا التقدم للحصول على خدمات ‏اجتماعية، والمساعدات في خدمات المرافق العامة، وساعدت كبار السن في الحصول على منح لدفع فواتير الطاقة، ووزعت أكثر من 9 آلاف كتاب مجاني للأطفال لزيادة معرفة ‏القراءة والكتابة.‏

وكمحامية، كانت تقدم خدمات اجتماعية، وخدمات للدفاع والمناصرة من خلال مركز الجالية العربية للخدمات ‏الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية الأميركيين اللاتينيين للتنمية الاجتماعية والاقتصادية ومركز الحي للضرائب.‏

وخلال ترشيحها لإعادة الانتخاب في عام 2010 ، فازت رشيدة بنسبة مذهلة بلغت 92 بالمائة من أصوات ‏الناخبين، وذلك رغم أن غالبية أهالي دائرتها الانتخابية ليسوا من العرب. إذ تبلغ نسبة الأميركيين العرب في دائرتها الانتخابية 2 بالمائة فقط، والبقية هم 40 بالمائة من اللاتينيين، و30 بالمائة ‏من البيض من أصول غير إسبانية، و25 بالمائة من الأميركيين الأفارقة. ويعرف الناس الذين تمثلهم‏ بأنها مسلمة.‏

وأوضحت طليب أنه “من المدهش أن يكون هذا العدد الكبير من السكان المقيمين في دائرتي يعرفون أنني مسلمة، ‏ويتصلون بي عندما يريدون أن يفعلوا شيئاً خاصاً لابني خلال عيد الفصح وتقديم سلة عيد الفصح له”. “إن ذلك ‏أمر رائع بالفعل، لقد قبلوني ويعلمون أن الإسلام دين رحيم جداً من خلال العمل الذي أقوم به.”‏

وفازت رشيدة بعضوية مجلس نواب ولاية ميشيغن بجدارة لثلاث فترات ‏متعاقبة، قدمت على إثرها خدمات اقتصادية واجتماعية وتنموية وثقافية.‏ لكن قانون الولاية لا يسمح لها بالترشح لأكثر من ثلاث فترات متتالية.

تحدي الحزب الديمقراطي

لم يكن الإنجاز الذي حققته رشيدة سهلاً، فقط كان طريقها إلى الكونجرس مليئًا بالصعاب والتحديات. وبحسب مقال لموقع ‏The Daily Beast‏ الأميركي فإن رشيدة كان عليها التغلب على تحدّيين كبيرين وهما “مؤسسة الحزب الديمقراطي” و”الإسلاموفوبيا”. ‏

فثمة مؤشرات كانت تمهد لأن تكون رشيدة، الابنة لمهاجرين فلسطينيين، منبوذة ومُستَثناة من ‏جانب مؤسسة الحزب الديمقراطي، ‏خاصة وأنها لا تخشى التعبير عن ‏رأيها، حتى حين يتعلَّق الأمر برفاقها الديمقراطيين، فتقول مُوضِّحةً: «لستُ أخشى انتقاد زملائي ‏الديمقراطيين حين لا يعملون بجدٍ كفاية لجعل حيوات الناس أفضل، أو حين يتماهون مع أعضاء ‏جماعات الضغط التابعة للشركات، لأنَّ المُسمَّى الوظيفي لا يجعل منك مُمثِّلاً فعلاً للشعب». ‏

وربما كان هذا هو السبب في عمل رشيدة يومياً لإيصال رسالتها مباشرةً للناس. حيث عدَّدت القضايا التي تدفعها لطرق أبواب الناس قائلة: «إنَّنا نتحدث عن أشياء ‏مثل رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة، وإصدار رعاية صحية شاملة، وضمان ‏تقاضي المرأة والأقليات أجراً متساوياً على الأعمال المتساوية (مع نظرائهم)، وكليات عامة ‏مجانية. لأنَّ هذه أشياء يمكن أن تُغيِّر حيوات الناس». ‏

وتعليقها هذا بشأن «تغيير حيوات الناس» هو على وجه الخصوص ما يحتاج الحزب الديمقراطي ‏على المستوى الوطني للدعوة إليه ومساندته. ففي نهاية المطاف، كان الحزب الديمقراطي هو ‏الذي قدَّم كثيراً جداً من البرامج التي غيَّرت حيوات الناس للأفضل، من الضمان الاجتماعي إلى ‏الرعاية الصحية، ومن المساعدة الطبية للفقراء ومحدودي الدخل إلى قانون الرعاية الصحية ‏منخفض التكاليف «أوباماكير»، وغير ذلك. ‏

تحدي الإسلاموفوبيا

ومن العقبات التي واجهتها رشيدة أيضًا هو قدرتها على التعامل ‏مع التعصُّب المُعادي للمسلمين، الموجود حتى في ميشيغان، التي تزخر بسكانٍ مسلمين يُعَد ‏عددهم من بين الأكبر في الولايات المتحدة. ‏

فحين كانت رشيدة عضو بالمؤسسة التشريعية في الولاية، واجهت انتقادات لاذعة لا حصر لها ‏معادية للمسلمين. وكان واحدٌ من بين أكثر الشائعات التي لا أساس لها التي تُوجَّه لها ولكل ‏الأميركيين المسلمين هي أنهم يريدون فرض الشريعة. ‏

وقد طال هذا الاتهام أيضًا أحد المُرشِّحين الديمقراطيين في سباق ولاية ميشيغان على منصب حاكم الولاية ‏هذا العام، وهو الأميركي المسلم عبدالرحمن السيد، الذي استُهدِف مؤخراً من جانب مؤيدة كبيرة ‏لترمب ادعت أنه يريد «تحويل كامل ولاية ميشيغان إلى مجتمعات خاضعة للشريعة مثل ‏مدينة ديربورن».

وكان رد مدينة ديربورن عليها بقولهم: «لا توجد شريعة ولا (خضوع للشريعة) في ديربورن. إنَّنا فخورون ‏بتنوعنا، ومجتمعنا، وولايتنا ميشيغان، وبلدنا. إنَّنا ندعوكِ لزيارة ديربورن الحقيقية!». ‏وأوضحت رشيدة نفسها أن أحد الجمهوريين كان قبل ذلك يخبر الناس بأن يُصوِّتوا لأي شخص ‏إلا هي، مدعيًا أنَّها – كمسلمة- ‏ستنسف كونغرس ولاية ميشيغان. ‏

ترامب وإسرائيل

يرى مراقبون أن رشيدة تستطيع أن تتغلب على التحدي الخاص بمؤسسة الحزب الديمقراطي، لكنها لن تستطيع التخلص بسهولة من التعصب المعادي للمسلمين، خاصة مع وجود ترمب في البيت الأبيض. لكنَّ فوزها بعضوية الكونجرس سيؤدي دورًا كبيراً في ‏المساعدة على التصدي للصورة المُشوَّهة للمسلمين المفتقرة إلى الحقائق. ‏

وقالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن طليب يُعرف عنها ‏معارضتها الشديدة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأشارت الصحيفة إلى أنها تجمعها ‏علاقة قوية بالناشطة الحقوقية الأمريكية الفلسطينية ليندا صرصور، والتي تعد من أبرز داعميها.‏

ووصفت الصحيفة الانتخابات التمهيدية التي خاضتها رشيدة بأنها “اختبارات لتمرد الحزب التقدمي ‏واختبار ما إذا كان بإمكان المرشحين المسلمين الفوز”.‏ كما تختبر السباقات رد فعل المجتمع اليهودي الراسخ في ولاية ميشيغان والذي يضم جيشًا ‏ديمقراطيًا إلى جيل جديد من العرب الأميركيين الذين يتفقون معهم على غالبية القضايا المحلية ‏الملحة، لكنهم قلقون بشأن موقفهم من السياسة الخارجية وبالتحديد إسرائيل.‏

فيما قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، في تقرير منشور على موقعها الإلكتروني، إن طليب ‏ستكتب اسمها في التاريخ، حال فازت في الانتخابات، خاصة وأنها ستكون أول امرأة مُسلمة ‏عربية أمريكية تحصل على مقعد في الكونجرس، كما أنها ستكون أول عربية أمريكية مُسلمة تتبوأ هذا المنصب.‏

وترى هآرتس أن طليب تُمثل الجالية العربية الأمريكية المثقفة والمتعلمة جيدًا، وجميعهم يديرون ‏حملات تغذيها مُعارضة العرب والمسلمين تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.‏ وذكرت الصحيفة أن طليب تبدو وأنها لديها فرصة كبيرة في الفوز، خاصة وأن استطلاعات ‏الرأي أثبت أنها تحظى بدعم كبير في ديترويت، كما أن الصحف ووسائل الإعلام المحلية تقف ‏بجانبها.

تعليق
إعلان
الوسوم

مقالات ذات صلة

error:
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين