أخبارتقارير

ميركل تودع الحياة السياسية وألمانيا تستقبل مستشارًا جديدًا

بعد 16 عامًا في السلطة، تركت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل منصبها، اليوم الأربعاء، حيث انتخب البرلمان الألماني، أولاف شولتز، الذي حظى بقرار تعيينه رسميًا اليوم من الرئيس فرانك فالتر شتاينماير، ليصبح مستشارًا جديدًا لألمانيا وزعيمًا لأكبر اقتصاد في أوروبا.

سيرأس شولز ائتلاف حاكم ثلاثي يتألف من الحزب الديمقراطي الاجتماعي الاشتراكي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر.

وبعد ظهر اليوم سلمت ميركل زمام الأمور رسميًا إلى خليفتها شولتز، وكان الأمر بالنسبة للشعب الألماني وداعًا دراميًا.

حقبة ميركل
كانت ميركل، أول مستشارة ألمانية ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، والوحيدة التي نشأت في الجزء الشرقي الشيوعي من البلاد حتى سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، لذا فهي تدرك جيدًا الإرث المعقد لبلدها.

لم تحدد ميركل حقبة سياسية في بلدها فحسب، بل تمكنت من البقاء كواحدة من أكثر القادة شعبية في التاريخ الأوروبي الحديث، حيث تظهر فترة ولايتها الطويلة وحدها أنها تفهم ما يريده غالبية الألمان.

لطالما كانت ميركل، البالغة من العمر 67 عامًا، تمثل قوة اعتدال واستقرار في الكتلة الأوروبية، ونادرًا ما سعت إلى الإثارة السياسة، لقد دافعت عن الاستقرار وأصبحت الوجه الأكثر شهرة لألمانيا في العالم منذ عقود، كل ذلك مع الحفاظ على بلدها في طليعة القيادة الاقتصادية والسياسية الأوروبية.

أثبتت ميركل أنها تعلمت دروس التاريخ، عندما أعلنت في عام 2015، وقالت صراحةً: “يمكننا القيام بذلك”، وعلى الرغم من الانتقادات الشديدة، استوعبت ألمانيا مليون لاجئ من الحرب الأهلية السورية.

ميركل في الميزان
لكن الناس في جميع أنحاء العالم سيتذكرونها بشكل مختلف، حيث رآها بعض الأمريكيين ذوي الميول الليبرالية على أنها الزعيمة الفعلية للعالم الغربي الحر خلال تحول الولايات المتحدة إلى المحافظة في ظل دونالد ترامب، وهو دور لم تكن ميركل تريده أبدًا. وفقًا لـ “CBS News“.

في الواقع، هناك شعور بالحنين إلى الماضي لدى بعض الشباب الألمان الذين لم يعرفوا سوى دولة تقودها الزعيمة المعروفة باسم “موتي” أو الأم.

وبعد 3 فترات في منصب المستشارة، لا تزال ميركل شخصية مشهورة، وفي الأسبوع الماضي، سجل استطلاع أجرته مؤسسة جالوب للأبحاث نسبة شعبية تصل إلى 71٪.

لقد أعجب العديد من الألمان بسلوكها، من الثقة المطمئنة والواقعية، وقد أعجب كثيرون بسياساتها الاقتصادية الثابتة التي مكّنت البلاد من تجاوز العديد من الأزمات.

لكن على مر السنين، تلقت ميركل انتقادات أيضا، وكان دعاة حماية البيئة صريحين بشكل خاص في اتهامها بعدم القيام بما يكفي للتصدي لتغير المناخ، بحسب “ABC News“.

ومع ذلك، فإن رغبة ميركل في إشراك الجميع، بما في ذلك الدول الصغيرة، في المناقشات والقرارات السياسية هو ما يمنحها سمعة العدل والاعتمادية على مستوى العالم، وخلال سنوات عملها كمستشارة، قاومت ميركل اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الصين، خاصةً مع ازدهار التجارة بين البلدين.

رسائل وداع
بمجرد الإعلان عن رحيلها عن منصبها، توالت رسائل زعماء العالم لوداعها، حيث وصفها الرئيس جو بايدن بأنها “صديقة عظيمة، وصديقة شخصية للولايات المتحدة”، ووصف فترة حكمها بـ “التاريخية”،

أما في أوروبا فقد قال رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، عن ميركل: “إنها نصب تذكاري للمجلس الأوروبي، ومغادرتها له ستجعله مثل روما دون الفاتيكان أو باريس دون برج ايفل، سنفتقد حكمتها، خصوصا في الأوقات الصعبة، هي البوصلة، ونبراس المشروع الأوروبي لدينا”.

بينما قال عنها الرئيس السابق باراك أوباما: “ميركل لديها شعور جيد من الفكاهة، والواقعية الحكيمة وبوصلة أخلاقية ثابتة”، وتابع: “الكثير من الناس – الفتيات والفتيان والرجال والنساء، سيجدون مثالًا يحتذى به في شخصيتها أنها يمكن أن تتحول إليها في الأوقات الصعبة”، وأضاف: “كنت محظوظًا بصداقتها”.

أما رئيس المفوضية الأوروبية السابق، جان كلود يونكر، فقال: “بالنسبة لي هي عمل كامل من الفن، ويتألف من عدة أجزاء منفصلة، في تلك الـ 16 عاما، فعلت أشياء كثيرة ولم تخطئ في أي قضية مهمة”.

أما أقرب شريك لميركل وحليفها، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فكتب على تويتر: “شكرًا لك عزيزتي أنجيلا، على خوض المعارك التي تدور رحاها في أوروبا سويًا”.

أما رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، فقد شكرها وأشاد بالدبلوماسية العالمية التي تتمتع بها ميركل، فيما قال رئيس الوزراء السابق توني بلير: “من الجدير بالملاحظة أنها تمكنت من الحفاظ على وحدة أوروبا، خاصة في أكثر لحظات أوروبا صعوبة”.

الرئيس الصيني شي جين بينج أرسل كلمة وداعية لها عبر الفيديو كونفرنس، ودعاها بـ “الصديقة القديمة للصين”، أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فقد كانت كلماته متواضعة جدا، وقال إنها كانت “على رأس البلاد لمدة 16 عاما، وهذا إنجاز رائع”.

وجه جديد
يسعى أولاف شولتز، الرجل الذي سيحاول ملء مكان ميركل، إلى تصوير نفسه على أنه يد جديدة ثابتة، يركز أولاً وقبل كل شيء على السياسة الداخلية، فالمحامي والسياسي المحترف شغل منصب نائب مستشارة ميركل ووزير المالية منذ مارس 2018 بموجب اتفاقية للائتلاف الحاكم حينها، وفقًا لصحيفة الإندبندنت.

وُلِد شولتز في أوسنابروك بساكسونيا السفلى، في 14 يونيو 1958م، كان والديه عاملين في النسيج قاما بتربيته وشقيقيه في منطقة راهلستيدت بشرق هامبورج، وانخرط شولز في السياسة اليسارية في سن 17 عندما التحق بالحزب الاشتراكي الديمقراطي ثم التحق بجامعة هامبورج عام 1978 لدراسة القانون وتخصص في علاقات العمل والتوظيف.

عمل كمحام حتى انتخابه كعضو في البوندستاج في عام 1998م، وظل يعمل حتى عام 2011م، خدم شولتز أيضًا في حكومة ولاية هامبورج من عام 2001م حتى انتخابه أمينًا عامًا للحزب الاشتراكي الديمقراطي، حيث عمل جنبًا إلى جنب مع زعيم الحزب والمستشار الألماني آنذاك جيرهارد شرودر في عصر إصلاحات الرفاهية.

استقال ليصبح رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي في البوندستاج في عام 2004م، وخدم في أول حكومة لميركل كوزير للعمل والشؤون الاجتماعية في عام 2007م، وعندما انفصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن كتلتها بعد انتخابات 2009م، عاد شولتز لقيادة حزبه في هامبورج وأصبح نائب زعيمه.

بعد فوزه في انتخابات الولاية لعام 2011، أصبح عمدة مدينته، وشغل هذا المنصب حتى عام 2018م قبل مغادرته للالتقاء مع ميركل، حيث حددت فترة ولايته في هامبورج من خلال التركيز على بناء المساكن والمدارس وتحديث مينائها الشهيرة.

حكومة جديدة
لم يهدر شولز، البالغ من العمر 63 عامًا، أي وقت في الكشف عن أعضاء حزبه الذي ينوي تعيينهم في مجلس الوزراء، حيث سيتم تعيين عالم الأوبئة كارل لوترباخ في منصب وزير الصحة، نانسي فيزر كأول وزيرة داخلية، أما وزيرة العدل المنتهية ولايتها كريستين لامبرخت فستكون وزيرة دفاعه الجديد.

وفي غضون ذلك، سيصبح الزعيمان المشاركان للخضر روبرت هابيك وأنالينا بربوك نائبًا للمستشار ووزيرة للخارجية على التوالي، وسيصبح جيم أوزدمير من الحزب نفسه وزيرً للزراعة وأول عضو في الحكومة الألمانية من أصل تركي.

من بين أمور عديدة تلوح في الأفق، تريد الحكومة الجديدة تمديد سياسات التحكم في الإيجارات وبناء 400 ألف شقة جديدة كل عام، بما في ذلك 100 ألف ضمن الإسكان الاجتماعي، وسيتم فرض تجميد للإيجار في المناطق ذات الإسكان المحدود.

فيما يتعلق بالمناخ، شجع شولتز على التوسع الهائل في توليد الطاقة المستدامة في ألمانيا بحلول عام 2030، حيث تأمل ألمانيا في الحصول على 80٪ من الكهرباء من مصادر متجددة، كما تريد أيضا الحكومة الجديدة تقوية شبكات النقل العام ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 12 يورو (حوالي 13.50 دولارًا) في الساعة من السعر الحالي الذي يقل قليلًا عن 10 يورو.

لحماية الجنود الألمان المنتشرين في الخارج، يريد شولز تغيير قوانين البلاد العسكرية، والسماح بالتوسع في إنتاج الطائرات بدون طيار، كما تميل الحكومة الجديدة إلى اتباع سياسات ليبرالية بشأن قضايا مثل إضفاء الشرعية على الحشيش الترفيهي والمواطنة، ولكنها لن ترفع الضرائب بإصرار من الديمقراطيين الأحرار.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين