أخبارتقارير

مقتل قاسم سليماني.. جنرال إيران “الأسطورة” ومهندس عملياتها القذرة

أحمد الغـر

يعود الجنرال “قاسم سليماني”، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، إلى دائرة الضوء مجددًا، لكن ليس من باب لقاءات تجمعه بقادة ميليشياته هنا أو هناك، أو من باب التصريحات العنترية التي يُلقي بها كعادة كل القادة الإيرانيين، فسبب العودة هذه المرة مختلف تمامًا، لقد قُتِلَ “قاسم سليماني”!

أعلنها التلفزيون العراقي في وقتِ باكر من صباح هذا اليوم، فـ “سليماني”، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي “أبو مهدي المهندس”، قد لقيا حتفهما في قصف صاروخي استهدفهما في مطار بغداد الدولي.

فمن هو الجنرال “قاسم سليماني”؟، وكيف سيؤثر مقتله على طبيعة الأوضاع في المنطقة مستقبلًا؟، وهل ستتأثر أجندة العمليات الإيرانية في دول المنطقة التي كان “سليماني” يشرف عليها بشكل مباشر؟

ضربة في الصميم

جرى اغتيال “قاسم سليماني” بعدة صواريخ من طائرة مسيرة، الصواريخ استهدفت سيارتين كانتا تقلان سليماني ومسؤولين آخرين من قيادات وأعضاء في الحشد الشعبي، كان أبرزهم الرجل الثاني بميليشيا الحشد “أبومهدي المهندس”، ومسؤول مديرية العلاقات في الحشد “محمد الجابري”، ومسؤول الآليات “حيدر علي”.

ووقعت العملية التي استهدفت سليماني قرب منطقة الشحن في مطار بغداد الدولي، وتمت بعد لحظات من خروجه من الطائرة التي أقلته من لبنان.

مسؤولون عراقيون أكدوا أن جثة سليماني تمزقت إلى أجزاء، وقد تمت الضرية قرب الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت بغداد، وأعقبتها  تغريدة من الرئيس ترامب نشر فيها علم بلاده فقط.

الجنرال الغامض

تصف بعض وسائل الإعلام قاسم سليماني بالجنرال الغامض، إذ لا يُعرَف عنه إلا القليل، يتحدث كثيرون عن أن سلطاته مطلقة وتفوق المسمى الوظيفي الذي يحمله، يُقال إنه المسؤول عن إدارة مشروع التمدد الإيراني والإمبراطورية الفارسية في العالم بأسره، وليس منطقة الشرق الأوسط فقط، وهو واحد من أهم الأذرع العسكرية للمرشد الأعلى “علي خامنئي” أو بالأحرى الذراع اليمنى له.

كثيرًا ما تتبارى وسائل الإعلام الإيرانية في الاحتفاء به وتسويقه على أنه “الجنرال الأسطورة”، خاصةً بعد أن ظل لفترة طويلة يعمل كالذئب في ظلام الكواليس.

ورغم الهالة الإعلامية التي يصنعها له الإعلام في إيران، إلا أنه قليل الظهور إعلاميًا، عملاً بمبدأ “من ليس له سر، ليس له سحر”، لكن أينما وُجِدَت النزاعات والقلاقل والفوضى.. وُجِدَ “قاسم سليماني”!

ولد قاسم سليماني عام 1955 في بلدة رابور، التحق بالحرس الثوري أوائل عام 1980، وشارك وهو في العشرينيات من عمره في الحرب العراقية الإيرانية قائداً لفيلق (41 ثأر الله)، كما شارك في إخماد الثورة الانفصاليّة للجماعات المسلّحة الكرديّة في مهاباد غرب إيران.

إلى أن أتى العام 1998 حيث بدأت رحلة الصعود لسليماني، فعُيّنَ في التسعينيات قائدًا للحرس الثوري في محافظته كيرمان على الحدود مع أفغانستان، ثم تعيينه قائدًا لفيلق القدس في الحرس الثوري خلفًا لأحمد وحيدي، ليصبح واحدًا من بين عشرة قادة إيرانيين مهمين في الفرق الإيرانية العسكرية.

ذئب النزاعات والفوضى

أسمر اللون، حادّ الملامح، براغماتي يجمع المتناقضات، دائرة نفوذه تشمل المنطقة كلها، يتنقل سرًا من أفغانستان إلى سوريا واليمن، يُعرف في بلاد الشام لدى العلويين والشيعة بـ “الحاج قاسم”، حيث برز اسمه في الفترة الأخيرة كرمز للتدخل الإيراني في العراق وسوريا.

كثيرة هي الصور التي أُلتقطت لسليماني على الجبهات، صحيفة واشنطن بوست وصفته بأنه واحد من أهم صناع السياسة الخارجية الإيرانية، إذ لعب دوراً مؤثراً في النزاعات في العراق وسوريا وجنوب لبنان واليمن.

لذا فإن مجلس الأمن الدولي يفرض عليه حظرًا للسفر وتجميدًا للأصول المالية، تتجاوز مهمات سليماني حدود منطقة الشرق الأوسط، فقد أدار عمليات في أماكن بعيدة للغاية مثل تايلاند، نيودلهي، لاجوس ونيروبي.

وقد وصلت هذه العمليات إلى 30 عملية على الأقل بين عامي 2012 و2013، أهمها كانت عملية فاشلة في واشنطن، عندما حاول فيلق القدس اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة.

بيان البنتاجون

وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”، أكدت أن العملية التي استهدفت مطار بغداد الدولي، وقتلت قادة إيرانيين بينهم “سليماني”، كان الهدف منها هو ردع أي خطط إيرانية في المستقبل لشن هجمات ضد أمريكا.

وأضافت الوزارة أن الرئيس ترامب أمر بقتل “قاسم سليماني”، بعد أن تأكد أن الأخير صادق على قرار الهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد.

كما تابع البيان أن سليماني وفيلق القدس كانا وراء مقتل المئات من الأمريكيين وقوات التحالف، ولفت البيان إلى أن سليماني كان يخطط لهجوم على دبلوماسيين أمريكيين في سفارة واشنطن في بغداد، وهو مسؤول عن عمليات إرهابية عديدة.

وأشار البنتاجون إلى أن الجيش الأمريكي اتخذ إجراءات دفاعية حاسمة لحماية الأفراد الأمريكيين في الخارج من خلال قتل قاسم سليماني، قائد قوة الحرس الثوري الإيراني، كما أن الولايات المتحدة ستواصل اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية شعبها ومصالحها، أينما كانوا في جميع أنحاء العالم.

قالوا عن إغتياله

علق السيناتور الجمهوري “توم كوتون”، على مقتل “سليماني” بأن سليماني حصل على ما يستحقه بعد قتله جنودًا أمريكيين.

وأضاف من خلال تغريدة على حسابه في “تويتر”: “الجنود الأمريكيون الذين قتلوا على يد سليماني حصلوا على العدالة”، مشددًا على أن “سليماني كان العقل المدبر لإرهاب إيران طوال عقود”.

أما السيناتور “ليندسى غراهام”، فقد غرّد قائلًا: “ضربة للنظام الإيراني الذي تلطخت يده بدماء الأمريكيين”، مضيفًا إن “ثمن جرح وقتل الأمريكيين بات مكلفًا جدًا”، مؤكدًا على أن “سليماني أحد أكثر أعضاء النظام الإيراني قسوة وشراسة”.

كما أعلن غراهام عن تقديره للعمل الجريء الذي قام به ترمب ضد العدوان الإيراني، ووجه غراهام رسالة للحكومة الإيرانية، قائلًا: “إن كنتم تريدون المزيد فستحصلون عليه.. إذا استمرت إيران في مهاجمة أمريكا وحلفائها فسيدفعون ثمنًا باهظًا”.

في حين غرد السيناتور الجمهوري “ماركو روبيو”، بأن الإجراءات الأمريكية تتوافق مع التحذيرات التي أطلقتها، مضيفًا أن إيران ووكلاءها أخطأوا بشكل سيئ بتجاهل تحذيرات واشنطن، مشدداً على أن قوة القدس الإيرانية اختارت التصعيد.

السيناتور الجمهوري “ميت رومني”، غرد قائلًا إن سليماني إرهابي فاسد ويده ملطخة بدماء مئات الجنود الأمريكيين، وأضاف : “نتذكر ونكرّم تضحيات هؤلاء الجنود والنساء، ونشيد بقواتنا الشجاعة وضباط المخابرات الذين قاموا بهذه المهمة الناجحة”.

مهمة البحث عن “سوبر مان”

كبطل في الحرب، وكقائد يثير الرعب والهلع في أمريكا وإسرائيل بمجرد ذكر اسمه، تنشر وسائل الإعلام الإيرانية صور سليماني في ساحات القتال، وهو الأمر الذي يعد غير مسبوق في إيران، التي لا تكرم العسكريين في العادة سوى بعد وفاتهم.

كما أن طهران تحرض دائماً على جعل القيادات العسكرية في الظل خوفًا من تصاعد شعبيتهم أو محاولة الانقلاب على حكم الملالي بعد الالتفاف الشعبي حولهم، لكن هذا لم يحدث مع سليماني!

فمن يتابع وسائل الإعلام الإيرانية سيجد أن ثمة رجل يتم تلميع نجمه بشكل ممنهج ومدروس، البعض يتحدث عن أن إيران تبحث عن “سوبر مان” تفاخر به بين الأمم، بطل عسكري يمكن الاعتماد عليه في مواجهة المستقبل المجهول.

ولعل هذا ما يفسر قيام قناة العالم الإيرانية الناطقة باللغة العربية بوصف سليماني أنه الرجل الأقوى في الشرق الأوسط.

لقد جعلوا من “سليماني” مادة رئيسية للأفلام الوثائقية ونشرات الأخبار وحتى بعض أغاني موسيقى البوب في طهران، ووضعوا صورته على طابع بريدي تقديرًا لمهامه العسكرية خارج الحدود.

عملية التلميع لسليماني كللتها سابقًا حملة بين المدونين المحافظين لمطالبته بنزع البدلة العسكرية والإنخراط في العمل السياسي، وخوض الإنتخابات الرئاسية في 2017، باعتباره ـ على حد زعم المشاركين في الحملة ـ أكثر السياسيين في إيران إخلاصاً وأقلهم فسادًا.

قالوا عنه..

بحسب الكاتب “ديكستر فيلكينز” فإن سليماني “عندما يظهر في العلن، لا يظهر إلا في احتفالات المحاربين القدماء، أو لمقابلة مرشد الثورة الإيرانية، إنه ذلك الرجل الذي عندما يدخل غرفة بها عدد من الناس، يذهب فيجلس وحيداً في ركن الغرفة، لا يتكلم، لا يعلق، فقط يجلس ويستمع”.

وصفه وزير الخارجية الكندي السابق “جون بيرد”، بأنه “وكيل الإرهاب في المنطقة المتخفي في زي بطل”، فثمة تقارير تحدثت عن أن الدور الذي يقوم به سليماني يتجاوز في بعض الأحيان دور الوزراء ورئيس الجمهورية نفسه.

فهو مسؤول العلاقات الخارجية السرية لإيران، وهو المسؤول عن مشروع التمدد الإيراني في العالم بأسره، والمنسق العام لمحور “الممانعة والمقاومة” المزعوم.

لا يمكن القول إن ما وصل إليه سليماني جاء نتيجة المصادفات، لقد لعب دورًا كبيرًا في تنفيذ المخططات الإيرانية في مناطق النزاع بالمنطقة، وبالتالي فإن صعوده جاء نتيجة تفانيه في إحداث الفتنة المطلوبة وتأجيج النزاعات بالشكل الأمثل، كان ذلك سبيلاً لوضعه تحت الأضواء.

إحتياطات أمريكية وتحذيرات روسية وإيرانية

الولايات المتحدة دعت مواطنيها إلى مغادرة العراق فورًا، وذلك بعد ساعات قليلة من مقتل “سليماني”، فيما قامت الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات أمنية مشددة في محيط السفارة الأمريكية ببغداد، كما قامت القوات الأمنية العراقية بإغلاق الجسر المعلق المؤدي للسفارة.

من جهة أخرى؛ فقد وصف “قسطنطين كوساتشوف”، رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، مقتل قاسم سليماني، بأنه “نذير حربٍ شيعية أمريكية في العراق”.

واعتبر كوساتشوف اغتيال سليماني بأنه “انتقام للاعتداء على السفارة الأمريكية في بغداد من قبل الحشد الشعبي في الأيام القليلة الماضية”.وأضاف كوساتشوف : “مع الأسف الرد بالمثل لن يتأخر. إنّ اندلاع الحروب سهل ولكن إنهاءها صعب جدا”.

أما وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف”، فقد علّق على الأمر، بأنه سيعزز المقاومة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة والعالم، وقال ظريف، في بيان تناقلته وسائل الإعلام، إن “وحشية وغباء القوات الأمريكية في اغتيال سليماني ستجعل شجرة المقاومة في المنطقة والعالم أكثر ازدهارًا دون أدنى شك”.

وقبل البيان بقليل، غرّد ظريف على تويتر قائلاً: “إن اغتيال سليماني تصعيد خطير للغاية، والولايات المتحدة تتحمل المسؤولية عن كل تبعات مغامرتها المارقة”.

نجم سليماني.. نحو الأفول الأبدي

كان رياضياً في بداية حياته، يمارس لعبة الكاراتيه، كما أنه مارس رياضة كمال الأجسام، منحته الأيام فيضًا من المناصب، ومثله من المهام والمسؤوليات.

لمع نجمه وانتشر صيته وهو ما لم تمنحه الأيام لأي عسكري آخر في إيران منذ ثورتها الموصوفة بالإسلامية، لكن سرعان كثرة العمليات الفاشلة وكشف المزيد عن عالم سليماني الخاص تجعل الأسطورة تتهاوى.

فالسفير الأمريكي السابق في العراق “رايان كروكر”، ونقلاً عن بعض الشخصيات العراقية التي التقت بسليماني، وفي معرض الرد على سؤال: هل هو متدين حصراً؟، كانت الإجابة: “هو يذهب إلى المسجد بانتظام، ولكن ليس التدين هو ما يوجهه ويحركه، بل القومجية الإيرانية”.

فما هو السر وراء الظهور والتلميع المبالغ فيه لنجم هذا القومجي الإيراني، وفي نفس الوقت إحكام هالة من الغموض حوله؟

في ظل إخفاق سليماني في أكثر من مهمة، تحطمت صورته كقائد عسكري لا يُقهَر، أبرز المهمات الفاشلة هي حساباته السيئة لعاصفة الحزم السعودية، التي لم يتوقع حدوثها، ربما أوصل سليماني صورة لخامنئي أن السعودية لن تهاجم، فكانت المفاجأة بأن بدأت السعودية عملياتها العسكرية في اليمن.

ومن الأسباب الأخرى التي دفعت باتجاه أفول نجم سليماني، الطريقة التي يتبعها لإدارة المعارك في العراق ونجاح داعش سابقًا في السيطرة على منطقة الرمادي، هذا بخلاف السلوك الوحشي للميليشيات الشيعية ضد المدنيين الأبرياء، خاصةً من سكان المناطق السنية.

إلى جانب فشل مساعيه في بناء بنية تحتية لحزب الله في سوريا، وعدم قدرته حتى الآن على تحقيق الحسم العسكري الكامل في سوريا لصالح حليفه بشار الأسد، وانسحاب جزء كبير من المكاسب التي كانت تسعى إليها إيران لصالح الروس الذين تدخلوا على خط الأزمة. لقد انتهت أسطوة سليماني!

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين