أخبارأخبار العربتقاريرتقارير قضايا عربية

متى يتخلص العراق من أزماته التي لا تنتهي؟!

أزمات سياسية واقتصادية وأمنية.. وفساد لا يقل خطورة عن داعش

أحمد الغـر

مع إعلان قبل أيام قليلة عن اعتقال متهمين كانا يخططان لتنفيذ تستهدف ، يعود إلى الواجهة مرة أخرى الحديث عن عودة التنظيم إلى إعادة تشكيل صفوفه وخلاياه من جديد.

فالتنظيم الذي تم إعلان الانتصار عليه قبل عام، وقيل إنه تضاءل ليصبح مجرد حفنة من القوات الخارجة عن القانون، يعمل الآن على إعادة تشكيل قاعدته في المناطق النائية شمال ، حيث يقوم بعمليات اغتيال وعمليات نهب للقرى، وزرع قنابل على جوانب الطرق، وتدريب قوة ضاربة جديدة.

وفي ظل الأوضاع الأمنية المضطربة والفشل السياسي والتردي الاقتصادي يعاني العراقيون من تدهور أوضاعهم وعدم الاستقرار، ويبقى السؤال الذي لا يجد المواطن العراقي له إجابة واضحة: متى يستفيق هذا البلد النفطي، ذي التاريخ والحضارة، من كبواته وأزماته التي لا تنتهي؟!

فشل سياسي

على مدار الـ16 عامًا الماضية شهدت الحياة السياسية العراقية نظامًا سياسيًا يقوم بالأساس على المحاصصة الطائفية والعرقية، وهو ما سمح للفرقة وعدم التوافق بأن تكون العنوان العريض للعملية السياسية برمتها.

فبمقتضى المحاصصة يتم إشراك جميع الفائزين في الانتخابات التشريعية والمحلية في تشكيل الحكومة، بحسب ما تفرزه نسب نتائج الانتخابات من حجم لكل طائفة أو جهة.

وطبقا للعديد من التقارير فإن هذه المحاصصة كانت سببًا في تفاقم الفساد وانتشاره في كافة مفاصل وأركان الدولة، وهو ما ساهم بشكل مباشر في الفشل السياسي والأمني والاقتصادي الذي يعيشه العراق الآن.

وفي ظل عدم تمكن أي من الأحزاب أو الكتل في الاستحواذ على النسبة التي تمكنها من تشكيل الحكومة بشكل منفرد، فإنها تتكتل في تجمعات كبيرة، في محاولة لتشكيل الكتلة الكبرى لتستأثر بتشكيل الحكومة.

لكن هذه التحالفات التي تجمع قوى متناقضة فكريًا، وسياسيًا، وأحيانًا طائفيًا، لا يمكن بأي حال أن تشكل حالة من التوافق الدائم، فحتى شكل التحالف وصورته لم يألفه العراقيون.

على سبيل المثال اجتماع الحزب الشيوعي بالتيار الصدري في تكتل واحد، أو حزب الحل السني مع تحالف الفتح الذي يعد الممثل السياسي لمليشيات الحشد الشعبي.

وبخلاف حالة عدم توافق الفكر والأهداف داخل التحالفات، فإن التحالفات ذاتها قد أفرزت معسكرين رئيسين في المجلس النيابي، وهما أيضًا على النقيض تمامًا من بعضهما البعض.

الأول هو تحالف “البناء” ومن أبرز رموزه ائتلاف دولة القانون، بزعامة ، والفتح (الجناح السياسي للحشد الشعبي) بزعامة هادي العامري، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وحزب الحل بزعامة جمال الكربولي.

أما الثاني فو تحالف “الإصلاح”، الذي يعتبر مقتدى الصدر وحيدر العبادي وإياد علاوي وأسامة النجيفي أبرز رموزه. وقد شهدا كلا التحالفين انشقاقات أو بوادر انشقاقات تُنبئ بانفراط عقدهما.

بالرغم من أن الصورة الظاهرية للعملية السياسية تبدو صحية وديمقراطية، لأنها تقوم على التنوع، إلا أنها في الواقع تشكل سببًا أساسياً في الفشل السياسي الذي يعيشه العراق.

هشاشة أمنية

الفشل السياسي يقود بدوره إلى حالة من الفشل الأمني، ففي بداية شهر مارس الماضي أقيم منتدى أربيل الأوّل بعنوان “الأمن والسيادة في الشرق الأوسط”.

حيث اتفق المشاركون من السياسيين العراقيين على أن عجز حكومة بغداد عن القيام بوظائفها قد خلق بيئة خصبة لبقاء الإرهاب وتمدده، بل ويمكن له أن ينتج أجيالا جديدة من الجماعات الإرهابية قد تخلف تنظيم داعش، إذا لم يعد تنظيم داعش نفسه إلى الصعود مرة أخرى.

العديد من التقارير مازالت تشير إلى وصف العراق بالدولة الهشة، طبقا لتوصيف ومعايير صندوق السّلام ومجلة السياسة الخارجية، فبعد أن اعتمدت على مدى أكثر من 10 سنوات توصيف الدولة الفاشلة، جرى تغيير الوصف إلى الدولة الهشة ابتداء من عام 2016.

ففي التقرير الذي صدر عن صندوق السلام في عام 2018 لم يزل العراق يصنف ضمن دائرة الـ (HIGH ALERT)، أي الدول التي في حالة خطرة من الفشل، بيد أن التقرير يدرج العراق ضمن قائمة البلدان التي تشهد تحسنًا قويًا من خلال مقارنة المؤشرات في ضوء 10 سنوات (2008 ـ 2018).

لكن المتابع للشأن العراقي سيُصدم من حوادث الإجرام اليومية بحق العراقيين، فلا يمر يوم إلا ويكون العراق الخبر العاجل الأول عبر وكالات الأنباء والصحف والمحطات الفضائية، إذ لا يزال يشكل إحدى دول العالم الأشد ضراوةً وسخونةً في الأحداث.

فحصد أرواح الأبرياء من خلال التفجيرات والاغتيالات أصبحت من المشاهد والأخبار اليومية الملازمة للحياة العراقية.

خلل أولويات البرلمان

وفي ظل هذه الأوضاع يجد المواطن العراقي أن مجلس نوابه منهمك في مناقشة حظر بعض الألعاب الالكترونية الشهيرة، وأبرزها لعبة “بوبجي”، ولعبة “فورتنايت”، وهو ما أثار غضبًا وسخرية لدى قطاع عريض من العراقيين، رأوا أن ذلك يمثل خللا في أولويات أعضاء مجلس النواب، في بلد يعاني منذ فترة طويلة من نزاعات دموية على أرض الواقع.

فمجلس النواب العراقي قد صدق بالإجماع على القرار الذي نصه: “جاء الحظر بسبب الآثار السلبية، التي تسببها بعض الألعاب الإلكترونية، على صحة وثقافة وأمن المجتمع العراقي، بما في ذلك التهديدات الاجتماعية والأخلاقية على الأطفال والشباب”.

ويأتي قرار بعد نحو أسبوع من دعوة الزعيم الشيعي “مقتدى الصدر” للحكومة إلى حظر تلك الألعاب، حيث حث الصدر، الذي فاز ائتلافه السياسي بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان في الانتخابات التشريعية العام الماضي، الشباب العراقي إلى تجنب لعبة ببجي، واصفا إياها بأنها تبعث على إدمانها.

جديرٌ بالذكر أن البرلمان العراقي قد أقر تشريعًا واحدًا فقط منذ انعقاده للمرة الأولى في سبتمبر من العام الماضي، وهو قانون الموازنة الفيدرالية لعام 2019.

فالمشكلة الحقيقية للتردي السياسي والاقتصادي تكمن في ضياع المسؤولية عما وصل إليه العراق بعد 16 عامًا من سقوط نظام صدام حسين، هذا إلى جانب عدم ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.

سباق تسليح

يأتي ذلك بالرغم من عمليات التسليح التي لا تتوقف، والتي كان آخرها ما أعلنت عنه وزارة الدفاع العراقية، بأنها تسلمت 5 مقاتلات أمريكية من طراز “إف-16” وقد وصلت إلى قاعدة بلد الجوية، ضمن العقد المبرم بين الولايات المتحدة والعراق.

وقالت الوزارة إن هذه الدفعة هي الأخيرة ضمن العقد المبرم مع واشنطن، وتعدّ هذه الطائرات إضافة كبيرة لسلاح الجو العراقي الذي شهد تطوراً كبيراً على المستوى القتالي والتدريبي في الفترة الأخيرة.

يُذكر أن العراق قد تسلم أول طائرة من هذا الطراز في يونيو عام 2014، وذلك ضمن صفقة أبرمت عام 2011 والتي تشمل 36 طائرة مقاتلة من طراز “إف-16″، على أن يتم تسليمها على دفعات، وذلك في إطار محاربة تنظيم داعش الإرهابي.

ثروات لا تنضب، وفسادٌ يُفنيها!

في مشهد سياسي سوريالي كهذا؛ يشكو العراقيون من الفساد المتفشي في البلاد، حيث يشهد العراق نقصًا في الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه، كما تنتشر البطالة خاصة بين الشباب.

بالرغم من الاحتياطيات الوفيرة التي يمتلكها العراق من ثروات طبيعية، خاصة النفط والغاز، إلا الصراعات السياسية المتواصلة بين الأحزاب حول السلطة وامتيازاتها، وكذلك الطائفية والفساد ونهب المال العام، إضافة إلى تواجد التنظيمات المسلحة على رأسها تنظيم داعش، إضافة إلى غياب منظومة إستراتيجية متكاملة لإنتاج الغاز، كل هذه الأسباب وغيرها كان لها عظيم الأثر في عدم استفادة العراقيين من ثروات بلدهم.

النفط والغاز يعود للواجهة

وكان الحديث عن النفط والغاز قد عاد إلى الواجهة مجددًا عقب توقيع العراق والسعودية عدة اتفاقيات حول ملف التنقيب، وبعد الكشف عن حقول ومكامن جديدة للنفط والغاز ومعادن أخرى في محافظة الأنبار، إضافة إلى دعوات لاستثمار خيراتها لإعادة إعمار المدن المدمرة وتحسين الأوضاع الاقتصادية المنهارة فيها.

وزير النفط العراقي “ثامر الغضبان” أعلن أن شركة النفط السعودية العملاقة “أرامكو” ستساعد العراق في استكشاف الغاز، مشيرًا إلى أن خطط  وبرامج الوزارة في السنوات الأربع المقبلة تستهدف نشاطًا استكشافيًا واسعًا في الصحراء الغربية لما تحتوي في باطنها من احتياطيات واعدة وكبيرة من النفط والغاز.

وأكد أن “العراق شهد في السنوات الأخيرة العديد من  الاستكشافات الجديدة، والتي أثبتت وجود النفط والغاز بكميات كبيرة ما أدى إلى زيادة الاحتياطي”.

إهمال الأنبار

لكن ثمة عائق آخر يقف في وجه إعادة الإعمار والاستفادة من كافة الثروات الطبيعية في مختلف المدن العراقية، وهو الإهمال المتعمد الذي تتعرض له بعض المحافظات العراقية مثل محافظة الأنبار، وذلك بالرغم من الثروات الهائلة المتوفرة في أراضيها، والتي يسيل لها لعاب بعض الأحزاب السياسية ومافيات الفساد.

فهناك قناعة لدى الإرادة السياسية تعرقل استثمار ثروات الأنبار لتطوير واقعها الاقتصادي المرير وإعادة إعمار مدنها المدمرة، وذلك بهدف الإبقاء عليها فقيرة ومحتاجة لحكومة بغداد باستمرار.

بدائل غاز

مؤخرا، وفي ظل الضغوط الأمريكية على الحكومة العراقية للتقليل من استيراد الغاز الإيراني، في أعقاب وقف العمل بالإعفاءات التي كانت قد منحتها واشنطن لبعض الدول لاستمرار استيراد النفط والغاز من إيران، ظهرت العديد من الأصوات التي تطالب بضرورة بحث العراق عن سبل بديلة، أهمها الاستثمار في الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بدلاً من استيراده من إيران.

وبالفعل بدأت وزارة النفط العراقية بتنفيذ خطط لاستثمار الغاز الناتج عن عمليات التكرير والإنتاج النفطي، كما أعلنت الوزارة أنها تخطط لكي يصل العراق لمرحلة التوقف عن استيراد الغاز وتصدير الكميات الفائضة عن الحاجة، حيث تزداد الكميات المستثمرة حاليا.

كما بدأ العراق بتصدير بعض المكثفات والغاز السائل إلى الخارج وبكميات محدودة، وقد قام البنك الدولي بإبداء استعداده لدعم استثمار الغاز المصاحب في العراق، بمنحة قيمتها 9 ملايين دولار، إضافة إلى إبداء الشركات العالمية استعدادها للاستثمار في هذا المجال المربح.

يأتي هذا في ظل السعي العراقي إلى تفعيل الصناعة البتروكيميائية التي تعتمد على الغاز الجاف، وتفعيل الاستفادة من الغاز المصاحب للنفط في تشغيل مشاريع الطاقة الكهربائية.

جديرٌ بالذكر أن العراق يحتل المرتبة العاشرة على مستوى العالم من حيث الاحتياطات المؤكدة من الغاز الطبيعي المصاحب والغاز المنفرد، حيث يقدر الاحتياطي من الغاز بـ137 تريليون قدم مكعبة، غالبيتها من الغاز المصاحب للنفط الخام.

كما أن الاكتشافات النفطية الجديدة سترفع الاحتياطي النفطي الثابت في العراق من 115 مليار برميل إلى 215 مليار برميل، وبذلك سيتخطى العراق إيران ليصبح صاحب ثاني أكبر ثروة نفطية بعد السعودية، علما بأن الإنتاج النفطي الحالي للعراق يقترب من نحو 4 ملايين برميل شهريا، مع توفر إمكانيات لزيادة هذا الإنتاج عند الحاجة.

الحاجة إلى المساعدة!

بالرغم من الإعلان عن انتهاء تنظيم داعش في العراق عام 2017، فإن القوات الأمنية العراقية، وبالتعاون مع طيران التحالف الدولي، ما زالت حتى الآن تواصل شن عمليات تستهدف أوكار لعناصر التنظيم الإرهابي، وهو ما يضع العراق في حالة من الحرب المستمرة مع التنظيم.

ولعل هذا ما دفع رئيس الوزراء العراقي “عادل عبد المهدي” إلى القول بأنه يتعين على العالم دعم بلاده بعد ما قدمته من تضحيات ودماء من أجل جعل العالم أكثر سلامًا.

وقال عبدالمهدي خلال زيارته الأخيرة لألمانيا: “العراق قدم تضحيات كبيرة لمحاربة داعش، العراق خسر الملايين من أبنائه من نساء ورجال وأطفال من كافة الانتماءات. وأعتقد أن العراق بهزيمة داعش ساعد العالم، وساعد أوروبا بالذات، في التقليل من الهجرة، وفي جعل العالم أكثر سلامًا عما كان عليه في الأعوام الماضية، العراق يجب أن يُدعم وأن يتم التعامل معه بشكل مختلف، وليس أن تُرمى عليه المشاكل”.

وأضاف أن “الإستراتيجية التي تنتهجها الحكومة العراقية لمنع عودة أيديولوجية داعش تعتمد على كيفية النظر لداعش، حيث أن هناك خلافًا بين الدول في رؤية التنظيم، فبالنسبة لمن يرى أن داعش تنظيم، فإن من يقضي على التنظيم يقضي على داعش، ولكن داعش ليس تنظيمًا وإنما مجتمع له أنصاره ودورته الكاملة، ونستطيع محاربة داعش عسكريًا وأن نقضي عليهم كما فعلنا في العراق وسوريا، لكن سيكون من الصعب جدًا القضاء عليهم أيديولوجيا، وإذا كنا نريد فعلا القضاء على داعش، علينا أن نتحد جميعًا، مسلمين ومسيحيين، أوربيين وغربيين وغير ذلك، في تطويق هذه المجتمعات الداعشية لأنها تستطيع إعادة إنتاج نفسها”.

المرتبة الأخيرة

وفي ظل حالة التناقضات السياسية والاقتصادية التي يعيشها العراق حاليا، لا عجب أن يأتي العراق في المرتبة الأخيرة في “مؤشر الدول الجيدة” لسنة 2019، الذي يرصد مساهمة البلدان في تحقيق المصلحة الفضلى للمجتمع الإنساني، ويعتمد على مجموعة من البيانات التي توفرها الأمم المتحدة ومنظمة الصليب الأحمر الدولي، وغيرهما من المنظمات.

ويقيس المؤشر أداء 153 بلدا في التأثير عالميا بالنسبة للحجم، ويتضمن 35 معيارا تنقسم إلى 7 فئات هي: “العلوم والتكنولوجيا، الثقافة، السلم والأمن الدوليان، النظام العالمي، التغير المناخي والتلوث، الرخاء والمساواة، والصحة والرفاهية”، وقد أتي العراق في المرتبة 153 من بين الدول التي شملها التصنيف.

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين