تقاريرتقارير من أمريكاصوت أمريكاكلنا عباد الله

400 عام على بداية العبودية.. هل انتهت عنصرية البشر أم بدأت عهدًا جديدًا؟

علي البلهاسي

منذ 400 عام، وبالتحديد في عام 1619، وصلت سفينة إلى مستوطنة إنجليزية تُعرف الآن بولاية الأمريكية، تحمل نحو 20 من الأفارقة المختطفين، الذي باعهم أصحاب السفينة لسكان المستوطنة مقابل الحصول على الطعام منهم.

هذا التاريخ مثّل بداية عصر في الولايات المتحدة الأمريكية، ولتخليده نصبت لوحة صغيرة، تطل على المحيط الأطلسي، بالقرب من شاطئ مدينة “هامبتون” الساحلية، التي كانت تسمى سابقًا “بوينت كومفورت”.

وكتب على هذه اللوحة: “هنا، في هذا المكان، وصل للمرة الأولى العبيد من أفريقيا إلى فرجينيا، في أغسطس/آب 1619، على متن سفينة اسمها “وايت ليون”.

ورغم مرور 4 قرون على هذه الواقعة لا تزال العبودية وتجارة الرق تمثل نقطة سوداء وذكرى مؤلمة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، فقد مثلت هذه التجارة حدثًا مُخزيًا، أدى في النهاية لحدوث الحرب الأهلية الأمريكية، ودشن لممارسات الإعدام خارج نطاق القانون، وأعمال شغب وصراعات عرقية مستمرة حتى اليوم.

وشكّل وصول هؤلاء العبيد إلى فرجينيا وقتها بداية مرحلة قاتمة في تاريخ أمريكا، إذ استمرت العبودية بعدها لمدة 250 سنة، تخللتها عمليات اتجار بملايين الأفارقة، وتبعتها مرحلة طويلة من التمييز العنصري لا تزال ندوبها ظاهرة في جسد المجتمع الأميركي حتى الآن.

ويرصد جيمس هورن دليلاً على “التناقض” التاريخي بين وصل طلائع إلى جيمستاون، بعيد إقامة أول جمعية عامة تشريعية في “العالم الجديد” داخل كنيسة القرية الصغيرة في 30 تموز/يوليو 1619.

ويتوقف جيمس هورن عند التعارض الغريب بين “التعبير الأول عن تجربتنا الديمقراطية” ووصول طلائع العبيد “المحرومين من حقوقهم وهويتهم”.

إحياء الذكرى

تحيي الولايات المتحدة حاليًا الذكرى الـ400 لبدء العبودية على أراضيها، وبدأت فعاليات إحياء هذه الذكرى المؤلمة اليوم السبت وتستمر غدًا الأحد في ولاية فرجينيا، وتم تنظيم الفعاليات في بلدة “تايدووتر” ومناطق أخرى في الساحل الشرقي الأمريكي، الذي شهد وصول أول مجموعة من العبيد الأفارقة في عام 1619م.

ومن المتوقع أن تنظم احتفالات ومؤتمرات وحفلات موسيقية طيلة أواخر شهر أغسطس/آب الجاري في ولاية فرجينيا، فيما سيتم إطلاق عدد كبير من الفراشات إضافة إلى قرع الأجراس في كل الأراضي الأمريكية بمناسبة هذه الذكرى.

وقد قامت ، رئيسة ، مؤخرًا بزيارة غانا لإحياء الذكرى الـ 400 لوصول أول مجموعة من الأفارقة، الذين كانوا قد اختطفوا لأجل استعبادهم، إلى أمريكا.

وشكل الأمريكي هذا العام لجنة خاصة للاحتفال بالذكرى الـ 400 لتاريخ الأمريكيين من أصل إفريقي. وضم الوفد الذي ترأسته بيلوسي لغانا عددًا من أبرز أعضاء السود.

وبعد زيارة بعض المواقع التي كان يتم منها شحن الأفارقة الذين يتم استعبادهم عبر المحيط الأطلسي لأمريكا قالت بيلوسي: “إن هذه المواقع تشهد على قدرة البشر على ارتكاب شرور كبيرة”.

ومن جانبها أعلنت غانا عام 2019 سنة العودة، حيث طرحت برامج تستهدف تشجيع أحفاد الأفارقة على زيارة البلاد، بل وحتى الاستقرار فيها.

والعبودية

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد زار مؤخرًا إلى “جيمس تاون” بفرجينيا للاحتفال بالذكرى الـ 400 لميلاد أول تمثيل ديمقراطي في نصف العالم الغربي. وقد أشار في كلمته إلى أن هذه الذكرى تتزامن أيضًا مع الذكرى الـ 400 لوصول أول مجموعة من الأفارقة المستعبدين إلى فرجينيا.

وزار ترامب، في 30 يوليو/تموز الماضي، ولاية فرجينيا للاحتفال بمرور 400 سنة على تأسيس أول جمعية في هذه الولاية، وهي أقدم هيئة تشريعية في البلاد.

وخلال هذه المناسبة، تطرق الرئيس الأمريكي إلى وصول العبيد الأوائل إلى مدينة “بوينت كومفورت”، قائلا إن “الاتجار بالبشر تصرف بربري”.

ولم يخطط ترامب للعودة إلى هذه الولاية في أغسطس الجاري للمشاركة في الاحتفالات، خاصة أنه شخص غير مرغوب فيه لدى أهل الولاية، كما يقول غايلان كانوتون، رئيس فرع هامبتون “للجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (السود)” .

حيث قال: “مشاركة ترامب في احتفالات ذكرى بداية العبودية أمر غير مرغوب به. فهو يشاطر ويؤيد أفكار تروج لتفوق السكان البيض على الآخرين. كما أنه يدافع عن القومية الوطنية للبيض، ويرمز لعكس الأفكار التي نناضل من أجلها”، حسب كانوتون.

ويتهم الكثير من الأمريكيين ترامب بتغذية مشاعر الكراهية وإثارة نعرة تفوق العرق الأبيض، فيما يتهمه آخرون بالعنصرية ودعم اليمين المتطرف. وهي الممارسات التي ينتج عنها من حيت لآخر ممارسات وحوادث تعبر عن تصاعد في مشاعر الكراهية والعنصرية وتفوق العرق الأبيض.

ولا أدل على ذلك من حادث إطلاق النار في “إل باسو” الذي خلف 20 قتيلاً بدافع الكراهية، وهو ما جعل أهالي المدينة يحتجون على زيارة ترامب لهم لتأبين ضحايا الحادث، معتبرين إياه المحرض الأول على الكراهية والعنف ضد الأقليات في البلاد.

ممارسات مستمرة

ومن وقت لآخر تظهر بعض الممارسات داخل المجتمع الأمريكي لتذكر الشعب الأمريكي بهذه الفترة البغيضة، وتؤكد أن المجتمع لم يتخلص من إرثها السيئ حتى اليوم.

ومؤخرًا انتشرت صورة ذكّرت الأمريكيين بعهد العبودية، حيث تداول الناشطون بمواقع التواصل الاجتماعي صورة لشرطيين يمتطيان ظهر حصانيْهما ويسير خلفهما رجل أسود مقيد بالحبال في مشهد يذكر بعصر العبودية.

وكانت الشرطة الأمريكية في ولاية تكساس، قد أوقفت الرجل الأسود ويدعى “دونالد نيلي”، البالغ من العمر 43 عامًا، بعد الاشتباه بأنه قام بالتعدي على ممتلكات الغير، ثم قاده خيّالان تابعان للشرطة إلى أحد مراكز قوى الأمن في مدينة غالفستون، بعد أن قيّداه بحبل أزرق و”جرّاه” وراءهما، بحسب “يورونيوز”.

واستنكر النشطاء المشهد الذي ظهر في الصورة، مؤكدين أنّ ما حدث غير مقبول، وأن الولايات المتحدة اليومَ في عام 2019 لا في 1819، حيث كانت العبودية أمرًا مباحًا. وأثارت الصورة بطبيعة جدلاً واسعًا في مجتمع يشهد حالات كثيرة من العنف ضدّ الأقليات، وتستيقظ فيها جماعات يمينية متطرفة تؤمن بنظرية تفوق العرق الأبيض.

من جانبه قد مكتب قوى الأمن في غالفستون اعتذارًا رسميًا عمّا حدث، وقال إنه لم يكن هناك من دوريّة شرطة متوافرة في المكان بعد إتمام عملية الاعتقال، إلا دورية الخيّالة. وأضاف المكتب أن الخيالين فضلا نقل المشتبه به إلى مركز الشرطة بدلاً من انتظار سيارة لتنقله. ورغم هذا الاعتذار لا تزال هناك ثمة مطالبات مستمرّة بإقالة الضابطين بسبب ما فعلاه.

إزالة رموز العبودية

لا يزال الأمريكيون يحاولون حتى اليوم التخلص من الإرث السيئ لمرحلة العبودية، والتخلص من رموزها، وفي هذا الإطار أزالت السلطات في ولاية فرجينيا اسم الرئيس الأميركي عن نصب تذكاري، بالتزامن مع ذكرى مرور 400 عام على العبودية في الولايات المتحدة.

وكان النصب التذكاري قد أنشئ في عام 1956 في “فورت مونرو” أو ما يعرف بحصن “مونرو”، الذي خلد اسم الرئيس الوحيد للولايات الكونفدرالية من عام 1861 إلى عام 1865.

وأصدر حاكم فيرجينا رالف نورثام القرار، الذي اعتبر أنه اتخذه ردًا على اتهامات بالعنصرية مطلع العام.

وقال نورثام إن الولاية أزالت اسم ديفيس عن الجسر في ذكرى 400 عام على العبودية، مشيرًا إلى أن “من المهين الاستمرار بتمجيد رئيس كونفدرالي داعم للعبودية في المكان ذاته الذي وصلت إليه قوافل الأفارقة”.

وكانت حكومة ديفيس ترتكز على مبدأ التفوق الأبيض، فاحتوى دستور الكونفدرالية في حكمه على بند يحظر أي قانون “يضعف حق الملكية في العبيد الزنوج”، وكان حجر الزاوية لحكومته يعتمد على حقيقة واحدة، وهي أن الزنجي ليس مساويا للرجل الأبيض، وفي خطاب ألقاه أمام مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1860، قال السيناتور آنذاك بولاية مسيسيبي إن “العبودية شكل من أشكال الحكومة المدنية لأولئك الذين يكونون غير لائقين بطبيعتهم لحكم أنفسهم”، وفقاً لصحيفة « Montgomery Advertiser» الأمريكية.

وبعد تنصيبه رئيسًا للكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، قال ديفيس “لقد أدركنا الزنجي باعتباره مجهز صراحةً للعبودية”، وشهدت فترة حكمه بيع ما يقدر بنحو 1.2 مليون رجل وامرأة وطفل في تجارة الرقيق الجنوبية، حيث كان يعتمد اقتصاد الجنوب على عمالة العبيد.

وواقعة إزالة النصب التذكاري لجيفرسون ديفيس ليست أول حادثة لإزالة نصب يمجد مناصري العبودية أو الكونفدرالية، حيث أزالت نيوأورلينز في عام 2017 تماثيل للرئيس جيفرسون ديفيس، وأثير الجدل حولها مرة أخرى بعد أعمال عنف شهدتها مدينة شارلوتسفيل في فرجينيا.

ويناهض عديدون رموز الكونفدرالية والعبودية، التي ارتبطت بحرب أهلية (1861-1865)، وذلك عندما سعت الولايات الجنوبية إلى الانفصال عن الولايات المتحدة لسببين رئيسيين هما العبودية وحقوق الولايات.

اعتذار رسمي

يذكر أنه في 24 فبراير 2007 وافقت “الجمعية العامة لولاية فرجينيا” بالإجماع على القرار رقم 728، والذي أقر «.. نشعر ببالغ الأسى بسبب العبودية القسرية للأفارقة واستغلال الأمريكيين الأصليين لهم، ونحن نريد المصالحة بين سكان كل فيرجينيا”.

ومع هذا النص أصبحت ولاية فرجينيا أول الولايات في الولايات المتحدة التي تعترف رسميًا بدورها السلبي في العبودية الأمريكية. وجاء الاعتذار بمناسبة الإحتفالات بذكرى مرور 400 عام على تأسيس جيمس تاون، والذي كان واحداً من أقرب الموانئ حيث كان ينقل المستعمرين الأمريكيين العبيد.

وقدم مجلس النواب الأمريكي في 30 يوليه 2008 نص رسمي، عبر فيه عن بالغ أسفه عن العبودية ووضح التمييز العنصري المسموح به قانونا.

وقدم مجلس الشيوخ نص مماثل إلى المجلس وتم إقرار بالإجماع في 18 يونيو 2009، حيث قدم اعتذارا لـ “.. الظلم، والقسوة والوحشية واللاإنسانية للرق”.

وقد توجت نضالات ضد العبودية والعنصرية بانتخاب باراك كأول رئيس اسود في الولايات المتحدة الأمريكية.

قرون من العبودية

يعتبر الكثير من المؤرخين أن بداية استعباد السود في أمريكا كان مع وصول مجموعة من الأفارقة إلى سواحل ولاية فرجينيا الأمريكية، وذلك بحلول نهاية أغسطس 1619، حيث وصلت أول سفينة تقل عبيدًا إلى مستوطنة “بوينت كمفورت” البريطانية التي تعرف اليوم بولاية فرجينيا في الولايات المتحدة.

وبدأت قصة أول أفارقة يطئون أراضي أمريكا، بتعرض حوالي 350 شخصًا للاختطاف من قراهم في ما يسمى اليوم “أنجولا” في أفريقيا، حيث تم شحنهم في سفينة “سان خوان بوتيستا” البرتغالية الخاصة بنقل العبيد، ثم سرقهم قراصنة إنجليز هاجموا السفينة قبالة سواحل المكسيك.

وعندما رست السفينة قرب فيراكروز بالمكسيك، في أغسطس 1619، كان عليها 147 أفريقيا، وأخذ القراصنة البريطانيون 50 منهم ووزعوهم على سفينتي “وايت لايون” (الأسد الأبيض) و”تريجرر” (الخزانة).

وعندما وصلت “وايت لايون” إلى “بوينت كمفورت” كانت تقل حوالي 20 منهم، وتمثلت مهمة قائد القراصنة الفورية في بيعهم مقابل الحصول على طعام.

وقد اختير شهر آب/أغسطس 1619 باعتباره الفترة التي تم فيها جلب العبيد الأفارقة الأوائل إلى الولايات المتحدة في ظل عدم توفر تاريخ محدد يوثق بشكل رسمي هذه العملية.

لكن حسب مايكل توماس، أستاذ مساعد في مادة الفلسفة بجامعة “سوسكاهانا” ومنسق الدراسات الأفريقية، فإن “العبودية لم تكن أمرا جديدا في هذا البلد. قبل تجارة الرقيق، كانت هناك عمليات نقل العبيد الأفارقة إلى مستعمرات برتغالية وإسبانية”.

من جهة أخرى، سبق للغزاة الإسبان أن نقلوا عبيدا أفارقة آخرين عام 1502 إلى هايتي وجمهورية الدومنيكان، ونقل أيضا أسرى عبر بعثة إسبانية عام 1526 إلى كارولاينا الجنوبية.

ويقول بعض الخبراء إنه لا يجب المبالغة في أهمية عام 1619 لأن الأفارقة كانوا موجودين بالفعل ويستخدمون في مزارع التبغ التي تديرها مستعمرة إنجليزية في برمودا.

ويعتقد أيضا أنه كان هناك أفارقة في شمال وجنوب أمريكا جلبهم مغامرون بحريون إنجليز وإسبان في القرن السادس عشر.

العبودية في أمريكا

كان الرق في الولايات المتحدة الأمريكية يتّخذ صفة المؤسسة، بموجب التشريعات. فقد انتشر في أمريكا الشمالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، واستمر في الولايات الجنوبية حتى إقرار التعديل الثالث عشر لدستور الولايات المتحدة في عام 1865 نتيجة للحرب الأهلية.

كان هذا الشكل من العبودية يتمثل في إخضاع العمال الذين يتم شراؤهم من تجار الرقيق في أفريقيا لاستخدامهم كخدم وعمال في مزارع المستعمرات.

وكانت فرجينيا أول مستعمرة إنجليزية استقدمت العبيد إلى أمريكا الشمالية عام 1619، بعد وصول سفينة تحمل 20 أفريقيًا،  إذ كانت بمثابة نقطة الانطلاق لانتشار الرق وصولاً إلى المستعمرات الإسبانية في أمريكا الجنوبية.

كان العديد من العبيد من الأفارقة السود وكانت نسبة ضئيلة منهم من الأمريكيين الأصليين، وكان بعض السود الأحرار يملكون عبيدًا، وكان القليل من عمال السُخرة من البيض.

وانتشر الرق في أمريكا أول الأمر في المناطق ذات الأراضي الخصبة جدًا التي تصلح لزراعة المنتجات عالية الطلب، مثل التبغ والقطن والسكر والبُن، حيث كان العبيد يحرثون الأراضي ويجمعون المحاصيل يدويًا في هذه المساحات الشاسعة.

وتركز معظم العبيد في العقود الأولى من القرن التاسع عشر في الولايات الجنوبية، حيث استُقدموا للعمل في حقول القطن والسكر، وكان يُشرف على كفاءة العمل حرّاس السجون، الذين كفلوا باستخدام وسائل العنف، لكي يحقق العبيد أقصى الجهود لانجاز الأعمال المطلوبة.

قبل انتشار العبودية على نطاق واسع، نُظمت الكثير من الأعمال في المستعمرات من خلال مجموعات من العمال الذين يتم تعينهم بالتعاقد (أجير)، وانتشرت ظاهرة عمال الأجرة لسنوات، سواء كانوا من العمال البيض أو السود، حيث يدفع الأشخاص تكلفة الرحلة إلى المستعمرات عن طريق العمل حتى يتم سداد الدين، حيث كانوا يهاجرون إلى أمريكا الشمالية هربًا من البؤس والفقر في بلادهم.

رمز جديد للعبودية

وفي الفترة بين عامي 1680 و1700 بدأ العبيد يحلون محل عمال الأجرة في العديد من المستعمرات الأمريكية.

ولأهمية العبودية أصبح منزل بورجيسيس رمز جديد للعبودية في 1705، وأول جمعية تشريعية تجمع بين التشريعات القائمة في القرون السابقة، مع إضافة مبدأ أن العرق الأبيض المتفوق والمهيمن ضد العرق الأسود.

قبل القرن الثامن عشر، كان التشريع المتعلق بالعبودية يعتمد على العنصرية، خالقاً نظام يكون فيه معظم العبيد من الأفارقة وأحفادهم، وأحيانا من الأمريكيين الأصليين، بينما ألغت المستعمرات الإسبانية الرق من السكان الأصليين في عام 1769.

وفي الفترة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر تم نقل ما يقرب من 12 مليون أفريقي إلى الأمريكتين، ونقل منهم ما يقارب من 645 ألف إلى الأقاليم التي ستكون جزءا من الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1860 بلغ تعداد العبيد في الولايات المتحدة حوالي 4 مليون عبد.

ظروف معيشية صعبة

اختلفت معاملة العبيد في الولايات المتحدة باختلاف الفترة التي عاش فيها العبيد، واختلاف المكان، ولكن في العموم كانت الظروف المعيشية سيئة للغاية، تتميز بوحشية المولى والتدهور واللاإنسانية.

وكان من بين أشكال اللاإنسانية في معاملة العبيد هي الجلد في حالة التمرد، وقد تصل إلى الإعدام والاغتصاب، ويستثنى من ذلك بعض العبيد الذين كانوا متخصصون في أعمال ذات أهمية كبيرة كممارسة الطب.

أما العبيد المستأجرون فكانوا أحسن حالاً في المعاملة، نظرًا لأنهم ليسوا مملوكون بصورة مباشرة. وكان التعليم ممنوعًا تمامًا عن العبيد، لمنع التحرر الفكري الذي قد يغرس في العبيد أفكار الهروب أو التمرد.

فيما كانت الرعاية الطبية تتم عن طريق العبيد أنفسهم ممن لهم معرفة طبية أو يمتلكوا مفاهيم الطب التقليدي الأفريقي. وفي بعض الولايات كانت الشعائر الدينية محظورة، حتى لا يتسنى للعبيد التجمع، وبالتالي القدرة على التنظيم والتمرد.

وكانت عقوبات العبيد المتمردين جسدية، تتمثل في الجلد، والحرق، والتشويه، والوشم بالنار، وقد تصل للشنق. وفي بعض الأحيان كانت العقوبات دون سبب محدد، ولكن فقط لتأكيد هيمنة السادة.

وكان النخاسون في أمريكا يسيئون معاملة العبيد جنسيًا، ومن تعترض من السيدات كانت تقتل. وكان الاعتداء الجنسي متأصل جزئيا في ثقافة الولايات الجنوبية، حيث كانت المرأة، بغض النظر عما إذا كانت بيضاء أو سوداء، لا تزال تعتبر ملكية خاصة.

ومن أجل الحفاظ على “العرق النقي” كانت محظورة تمامًا العلاقات الجنسية بين النساء البيض والرجال السود، ولكن لم تحظر العلاقات بين الرجل الأبيض والمرأة السوداء.

بداية التمرد

كان الرق موضع جدل في سياسة الولايات المتحدة من 1770 إلى 1860، وأصبح موضوعًا هامًا للمناقشة في جميع الدول بشأن التصديق على الدستور؛ وأقرّ الكونجرس الفيدرالي قانون العبيد الهاربين (أي قانون العبيد الهاربين) في عام 1793 وعام 1850، الذي ينظم عودة العبيد الهاربين إلى أصحابهم.

في حين كان مبدأ التعصب للرق في محافل أخرى أقل بسبب قرارات المحكمة العليا، مثل قضية “دريد سكوت” الشهيرة.

وسعى العبيد إلى التمرد ضد العبودية مع حركات التمرد وعدم التعاون في الأعمال، وتمكن البعض من الفرار إلى الدول التي ألغت الرق أو إلى كندا، عن طريق السكك الحديدية تحت الأرض.

وشارك المحامين الذين كانوا يؤيدون إلغاء الرق في المناقشات السياسية، حيث نددوا بالمبادئ الأخلاقية المتدنية بسبب هذه الممارسات، وشجعوا على إنشاء مناطق حرة خالية من الرق وصولا إلى الأقاليم المحتلة غربا.

الحرب الأهلية وتحرير العبيد

كان الصراع بين مؤيدي وضع حد للعبودية، وأولئك الذين أرادوا الحفاظ عليها ونشرها، سببًا رئيسيًا لاندلاع الحرب الأهلية.

وأصبحت العديد من الولايات الشمالية الشرقية مناطق حرة للعبيد من خلال الحركات المحلية التحريرية، وقررت المستوطنات في منطقة الغرب الأوسط بعد الثورة الأمريكية إلغاء الرق في عام 1820.

وانضمت أيضًا منطقة كبيرة شمال الدول المحررة من الرق جغرافيًا وسياسيًا إلى ثقافة مكافحة الرق، وصولا إلى ماسونديكسون (بين ولاية الرقيق ماريلاند والولاية الحرة بنسلفانيا) مع نهر أوهايو.

وقد حرر الرئيس أبراهام لنكولن، الرئيس الـ16 للولايات المتحدة، رسميًا الأشخاص المستعبدين في الجنوب من خلال “إعلان التحرير” في عام 1863، لكن لم يتم إلغاء العبودية فعليًا إلا بعد إقرار التعديل 13 للدستور في عام 1865.

وتاريخيًا استمرّت العبودية في تكساس عامين بعد العام 1863. ومع اقتراب نهاية الحرب الأهلية، ولم يعرف آلاف الأشخاص في الولاية أنهم أحرار إلا بعد وصول أحد ضباط الاتحاد في الجيش الأمريكي الكبار في العام 1865 إلى الولاية وتحريرهم.

وفي النهاية، كان لـ246 عامًا من العبودية الوحشية، والتي يشار إليها بـ”الخطيئة الأصلية” للبلاد، تأثير لا يحصى على المجتمع الأميركي. واستدعى الأمر، قرنا آخر بعد الحرب الأهلية، لإعلان أن الفصل العنصري غير دستوري.

العبودية في الدستور الأمريكي

صودق على دستور الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1787، وقد شمل على العديد من الأحكام المتعلقة بتنظيم الرق: فالباب التاسع من المادة الأولى يسمح بالعبودية، والباب الثاني من المادة الرابعة يحظر تقديم المساعدة للفارين من العبودية، وينظم استعاضة الملاك في حالة نجاح الهروب.

والباب الثاني من المادة الأولى يحدد الضرائب والتمثيل في الكونجرس، أخذا في عين الاعتبار، بالإضافة إلى السكان الأحرار، ما يعادل 3/5 السكان الرقيق في التعداد. وتحظر المادة الخامسة أي تعديل من شأنه يغير تجارة الرقيق حتى 1808.

بعد انتصار دول الاتحاد أصبح الرق غير قانوني في كل الولايات المتحدة بالتصديق على التعديل الثالث عشر للدستور، الذي ألغى الرق تماما، وأقره مجلس الشيوخ في نيسان/أبريل عام 1864، ومجلس النواب في كانون الثاني/يناير 1865.

ولكن لم يصبح هذا التعديل نافذ المفعول حتى صدقت عليه 3/4 الدول في 6 ديسمبر/كانون الثاني 1865 بتصديق جورجيا.من تلك اللحظة بالتحديد أصبح جميع العبيد أحرار رسميًا.

أشكال جديدة للعبودبة

رغم مرور 4 قرون على بداية العبودية، لم يتخلص العالم من آفاتها حتى الآن، فلا تزال العبودية مستمرة بأشكال أخرى في بلدان تحول بعض عاداتها القديمة دون وضع حد لانتهاك حقوق مواطنيها، بل منها من يرفض الاعتراف بوجود الظاهرة داخل حدودها.

ولا تقتصر العبودية على الرق بل هناك أشكال عصرية للعبودية بينها الاستغلال الجنسي والعمل القسري.

وأفادت منظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة في أيلول/سبتمر 2017 بأن حوالي 24.9 مليون شخص يعملون بالإكراه، بينما أجبر 15.4 مليون شخص على زيجات لم يقبلوا بها في 2016.

وتنتشر العبودية المعاصرة في قارة إفريقيا أولا، تتبعها آسيا حسب التقرير الذي ذكر أن النساء والفتيات يمثلن حوالي 75 في المئة من الذين يرزحون تحت وطأة العبودية المعاصرة، بينما يمثل الأطفال حوالي 25 في المئة.

وكشف تقرير دولي أن أكثر من 40 مليون “عبد” يعيشون بالعالم حاليًا، من بينهم 400 ألف في الولايات المتحدة الأمريكية، وحوالي 136 ألف آخرين يعيشون في بريطانيا.

جاء ذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده مسئولو منظمة “ووك فري” العالمية للبحوث، المعنية بمكافحة جميع أشكال العبودية الحديثة، بالمقر الدائم للأمم المتحدة بنيويورك، بمناسبة إطلاق تقريرها السنوي “مؤشر العبودية العالمي لعام 2018″، الذي يقدم استعراضًا لمؤشرات العبودية الحديثة في 2016.

وكشف التقرير أن هناك “40.3 مليون شخص حول العالم يرزحون تحت نير العبودية الحديثة في 2016، بما في ذلك 400 ألف شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، ونحو 136 ألف شخص في بريطانيا”.

ويُعرف التقرير العبودية الحديثة، بأنها تشمل الاتجار بالبشر، والعمل القسري، واستعباد الدين، والزواج القسري، وبيع واستغلال الأطفال، فضلا عن العبودية نفسها.

ويقدم التقرير أرقاما صادمة عن ضحايا العبودية الحديثة في أكثر من 160 دولة حول العالم.

ومن بين تلك الأرقام على سبيل المثال فإن 71 بالمائة من ضحايا العبودية الحديثة هن من النساء، ويذكر أنه في 2016، كانت هناك أكثر من 15.4 حالة زواج قسري (أغلبها في آسيا وإفريقيا).

واحتلت دول آسيوية عديدة، (على غرار الهند وأفغانستان وبنغلاديش) المراكز الأولى في التقرير من حيث انتشار الرق، تليها دول تقع في إفريقيا الوسطى، ثم في المحيط الهادئ.

ويشير التقرير إلى أن 7 دول من مجموعة الدول العشرين الصناعية الكبرى بالعالم، فقط اتخذت إجراءات فعلية لمكافحة تجارة الرقيق والعبودية الحديثة، فيما استوردت بلدان تلك المجموعة ما قيمته 200 مليار دولار في شكل منتجات صناعية وملبوسات تأتي من عمال وعاملات يرزحون تحت نير العبودية الحديثة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

واحتلت كوريا الشمالية، المركز الأول عالميا بالنسبة لعدد العبيد (حيث يعتبر واحد من كل 10 مواطنين ضحايا للعبودية الحديثة)، تليها إريتريا وبوروندي وجمهورية إفريقيا الوسطى وأفغانستان.

وقال عمار بجبوج، أستاذ القانون الدولي بجامعة كينجز كوليدج، إن العبودية العصرية تتخذ أشكال مختلفة، حيث يتم استخدام المهاجرين واللاجئين كورقة ضغط في بعض الدول.

وأضاف بجبوج، أن عمالة الأطفال وتجنيدهم يعتبر نوعًا من أنواع العبودية العصرية، موضحًا أن التجارة بالأعضاء تعتبر من وسائل العبودية الحديثة.

وأشار أستاذ القانون الدولي بجامعة كينجز كوليدج، إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أشار بشكل صريح إلى تجريم العبودية ومعاقبة الدول التي تشرع هذا الفعل، مضيفًا أن زواج القاصرات يعتبر نوعًا من أنواع العبودية العصرية، لافتًا إلى أنه لابد من تضافر الجهود على المستوى الدولي والمحلي للحد من انتشار هذه الظاهرة.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: