تقاريرتقارير من أمريكاصوت أمريكا

18 عامًا على هجمات 11 سبتمبر- حرب بلا جدوى أو نهاية.. وإرهاب يتوسع ويتطور

أحمـد الغــر

18 عامًا مضت على هجمات التي غيّرت وجه العالم، وكانت حدثًا مفصليًا في السياسات الدولية، وأعقبها اشتعال الشرارة الأولى لما يُعرف بالحرب على الإرهاب، التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق “”، ولا يزال لهيبها يحرق العديد من البلدان حول العالم، في حين بات الإرهاب يمثل القضية الأبرز عالميًا، وتطورت أشكاله من خطر التفجيرات الانتحارية والانتقامية إلى مستويات وأنماط غير مسبوقة.

فهل أتت بثمارها المرجوة؟، وهل نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في كبح جماح الإرهاب؛ أم أن المعالجة العسكرية للأمر كانت خاطئة منذ البداية؟.

وفي ظل تحديد موعد محاكمة المتهمين في أحداث 11 سبتمبر بعد تأجيلها أكثر من مرة؛ هل حان الوقت للحديث عن إنهاء الحرب الاستثنائية ضد الإرهاب؟، أم أننا وصلنا إلى مرحلة معقدة ولا يمكن لطبول الحرب أن تتوقف أبدًا؟

ذكرى أليمة

(2997 قتيلًا في اعتداءات إرهابية، تبناها ، ونفذها 19 متطرفًا بطائرات ركاب مخطوفة، صدمت برجي التجارة العالمي ومقر البنتاغون، وفي شانكسفيل بولاية بنسلفانيا).

هذه هي الرواية المختصرة لما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001م، لكن الذكريات الأليمة تكمن فيما تلا هذه الوقائع.

فهذه الاعتداءات مثّلت أول هجوم منذ أكثر من قرنين على أراضي الولايات المتحدة، والتي ردت عليها مع بعض الدول الحليفة، بشن عالمية ضد الإرهاب، والتي ما زالت مستمرة إلى اليوم.

ولا زال هناك نحو 75 ألف شخص يعانون من اضطرابات صحية نفسية أو جسدية مرتبطة بالهجمات، كما استنشق الكثير منهم جزيئات مسببة للسرطان خلال محاولتهم إنقاذ أشخاص آخرين.

فقد تم تشخيص إصابة أكثر من 1000 شخص بالسرطان، لأنهم كانوا يعيشون أو يعملون بالقرب من موقع الحادث، وفقا للمعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية.

فيما توصلت دراسة أجرت مسحًا على 38 امرأة من اللواتي كن حوامل في 11 سبتمبر وكن بالقرب من وقت الهجوم، إلى أنهن أصبهن بإجهاد ما بعد الصدمة، وذلك بعد حدوث الهجمات.

وبعد أسبوع من الهجمات، ارتفع استهلاك الكحول في منطقة مانهاتن بنسبة 25%، واستهلاك السجائر لـ10%.

وإلى جانب ذلك فإن التدخلات العسكرية المباشرة للولايات المتحدة في أفغانستان (2001)، وفي العراق (2003)، تسببت في خسائر مادية وبشرية هائلة.

أما بالنسبة للأمريكيين في الداخل الأمريكي فقد كانت تجربة الضعف في بلادهم بمثابة صدمة قاسية لهم.

الكارثة في أرقام

طبقًا لبعض الإحصائيات التي تم نشرها عقب الهجمات في صحف مختلف ووسائل إعلامية، يمكننا استخلاص بعض النقاط لنتذكر هذه الأحداث المؤلمة.

فانهيار برجي مبنى التجارة العالمي أدى إلى خسائر فنية قدرت بنحو 100 مليون دولار، لأن المبنى احتوى على صناديق وودائع لأعمال وتحف فنية قديمة وقيمة جدًا.

وبالفعل تم العثور على العديد من الكنوز بين الحطام، إذ تم العثور على 437 ساعة، و144 خاتم زفاف، وآلاف الدولارات.

واستعادت الحكومة الأمريكية 219 جثة فقط من ضحايا تفجير البرجين، في حين فقد 3015 طفلًا أبائهم في الحادث.

استغرقت عملية إطفاء الحريق الناجم عن الهجمات 100 يوم. وتم الانتهاء من تنظيف موقع الحادث رسميًا بشكل كامل في 30 مايو 2002، استغرق خلال هذه الفترة 3.1 مليون ساعة عمل لتنظيف 1.8 مليون طن من الحطام بتكلفة إجمالية تبلغ 750 مليون دولار.

حقائق صادمة

كشفت الأحداث عن العديد من الحقائق الصادمة منها أنه قبل 3 ساعات من الهجمات توقع جهاز استشعار بجامعة برينستون حدوث الكارثة، فيما فشل مكتب التحقيقات الأمريكية في الحصول على أي معلومات من الصندوق الأسود للطائرتين.

وللمرة الأولى في التاريخ، توقفت جميع الطائرات المدنية غير الطارئة في الولايات المتحدة لمدة 3 أيام، وتسبب هذا في انخفاض نسبة التكثيف الذي يخرج من الطائرات النفاثة، ما أسفر عن ارتفاع درجات الحرارة في جميع أنحاء الولايات المتحدة بمعدل 1.8 درجة مئوية.

ومن باب أن الرياح قد تأتي بما تشتهي السُفن، فقد نجح كل من “تيم لاهاي”، و”جيري جينكنز” في عام 2001 من تحقيق أكبر مبيعات في تاريخ الولايات المتحدة عن كتابهم “تدنيس: المسيخ الدجال يأخذ العرش”.

فيما كانت الموضوعات الأكثر بحثًا على جوجل خلال سبتمبر 2001 هى: “سي إن إن، وأسامة بن لادن، و نوستراداموس، ومركز التجارة العالمي”.

أبعاد جديدة للإرهاب

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وثمة تغيرات وتطورات متلاحقة يشهدها العالم على الأصعدة المختلفة، منها الأمنية والسياسية والإستراتيجية والاقتصادية، فلم تعد المخاطر العالمية تُقَاس بما كان الأمر عليه قبل 18 عامًا، فالوضع تمّ تجاوزه إلى حد بعيد.

لقد أصبحت المخاوف من احتمالية انتشار وتوسع الإرهاب حقيقة واقعة، إذ تمكنت الجماعات الإرهابية من السيطرة على مناطق واسعة، سواء في العراق أو أو في جنوب شرق آسيا، وأيضا في غرب وشرق إفريقيا، وأصبح التطرف متنامي بشكل خطير.

فما يواجهه العالم اليوم أخطر مما كان عليه الوضع في العام 2001، إذ إن هناك خطر تنظيمات إرهابية متعددة منها “” و”القاعدة” و”الشباب” و”بوكو حرام” والقائمة تطول. وقد وصف الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” هجمات سبتمبر بـ”أحلك الأيام في تاريخ الأمريكيين”، محذرًا في الوقت نفسه من أن “الخطر الإرهابي تطور”.

تنظيمات متشعبة

مليارات الدولارات أنفقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الغربية على منظومتها الأمنية، ورغم نجاح أمريكا في قتل الزعيم السابق لتنظيم القاعدة “” في مايو 2011، والتخلص من العديد من قيادات التنظيمات الإرهابية باستخدام الطائرات بدون طيار، إلا أن قضية الإرهاب العالمي تظل على أولويات الأجندة الدولية مع تزايد عدد التنظيمات الإرهابية.

وما يزيد الطين بِلَة هو تنوع تكتيكات هذه التنظيمات وأدواتها، واتساع نطاق عملياتها الإرهابية لتشمل الدول المحصنة أمنيًا، الأمر الذي يفرض أعباء إضافية على جميع الحكومات.

وقد ساهمت التكنولوجيا وشبكة الانترنت في سرعة التواصل بين التنظيمات الإرهابية حول العالم وتنوعها، وتشعبها، وزيادة عددها.

وعلى الرغم من الموازنات الكبرى التي تخصصها استخبارات الحكومات لعمليات المراقبة والرصد والتعقب الشامل، وتطوير البرامج ذات الصلة؛ تبدو عمليًا قدرة تلك المنظومة الأمنية على توقع وقوع عمليات إرهابية، محدودة للغاية في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي تتطور باستمرار وبسرعة بالغة.

تهديد جديد

بعد 18 عامًا على الأحداث كانت الولايات المتحدة على وشك إنجاح مفاوضات سرية مع حركة طالبان التي احتضنت تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن في أفغانستان، وكان من المنتظر أن تسفر المفاوضات عن اتفاق سلام تاريخي ينهي سنوات طويلة من الحرب والتواجد العسكري الأمريكي هناك.

لكن بشكل مفاجئ أعلن الرئيس دونالد وقف اجتماعات المفاوضات مع حركة طالبان، والتي كانت جارية منذ عام، وكتب الرئيس على تويتر: “كانوا في طريقهم إلى الولايات المتحدة هذا المساء، لكن ألغيتُ الاجتماع على الفور”.

وردت الحركة على القرار بشكل عنيف، حيث أعلنت أن قرار إلغاء محادثات السلام سيؤدي إلى إزهاق أرواح مزيد من الأمريكيين، وخسارة مزيد من الأصول الأمريكية.

وقال المتحدث باسم الحركة “ذبيح الله مجاهد”: “سيعاني الأمريكيون أكثر من أي طرف آخر بسبب إلغاء المحادثات”، مضيفًا أن المحادثات كانت تجري بصورة سلسة، وأن الجانبين اتفقا على عقد محادثات بين الأفغان في 23 سبتمبر.

وكان الرئيس ترامب قد وعد بـ”وضع حد للحروب التي لا تنتهي”، وأعطى الضوء الأخضر قبل عام لعقد هذه المفاوضات المباشرة وغير المسبوقة مع طالبان، مقتنعًا بضرورة سحب جنوده قبل خوضه انتخابات 2020، من نزاع كبّد بلاده كلفة طائلة بالأرواح والأموال.

لكن قراره الأخير بوقف المفاوضات أتى في وقت كانت فيه الأطراف المتفاوضة على وشك التوصل إلى اتفاق تاريخي ينهي نزاعًا مستمرًا منذ 18 عامًا.

من جهته؛ فقد قال مكتب الرئيس الأفغاني “أشرف غني”، إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عندما توقف حركة طالبان العنف وتجري محادثات مباشرة مع الحكومة.

معالجات خاطئة

خرجت واشنطن من أنقاض مانهاتن إلى آلتها الحربية، وخلص السياسيون وصناع القرار في الولايات المتحدة بعد مضي أكثر من 8 أشهر على أحداث 11 سبتمبر إلى أن عملية الانتقام الأمريكي يجب أن تكون قاسية.

وبدأت واشنطن رد فعلها بالحرب على أفغانستان، فأسقطت نظام طالبان المرتبط بالقاعدة، ثم خاضت حربًا أخرى خارج إطار الأمم المتحدة على العراق، فأسقطت نظام صدام حسين، وهي حرب زادت انقسام العالم خارج البيت الأمريكي، بل وحتى داخله.

المعضلة الأكبر أن الولايات المتحدة قد أخذت العالم معها، بما فيه الدول الغربية، في مهمة التعامل مع الإرهاب، من خلال مقاربات تقليدية فضة، فواجهته بالرصاصة والمدفع والقنبلة، وهى نفس الأدوات التي يستخدمها الإرهابيون، وزادوا وطوروا من استخدامها، في ظل عدم وجود مقاربات حقيقية ناعمة تستند إلى إعادة التوجيه والدمج.

بالرغم من مرور 18 عامًا على تلك الأحداث المأساوية، لا زالت إستراتيجية واشنطن في مكافحة الإرهاب عقيمة، إذ لا تزال الجماعات الإرهابية تنفذ أجنداتها وتطور من أسلحتها ووسائلها لترويع المدنيين في كل دول العالم.

وما تم في العراق وأفغانستان، يُعاد الآن بنفس الطريقة في اليمن وسوريا وليبيا، في ظل استمرار الرهان الشامل على القوة العسكرية وتشكيل التحالفات الدولية، دون أن تُدمَج ـ كما أفادت الأمم المتحدة في عام 2014 ـ القرارات الصلبة مع الناعمة في التعاطي مع مثل هذه الأزمات.

محاكمة كَثُرَ تأجيلها

بعد التأجيل أكثر من مرة، تبدأ محاكمة المتهمين الخمسة بالتخطيط لاعتداءات 11 سبتمبر، وبينهم العقل المدبر للهجمات “خالد شيخ محمد”، في يناير 2021 في قاعدة غوانتانامو العسكرية، وقد حدد القاضي المكلف بالملف، الكولونيل “شاين كوهن”، هذا التاريخ موعدًا لبدء اختيار أعضاء هيئة المحلفين العسكرية المكلفة بمحاكمة المتهمين.

وقد تم الإعلان عن ذلك في مذكرة من حوالي 10 صفحات تحدد الجدول الزمني للإجراءات التمهيدية السابقة للمحاكمة، وتمهل فريق الدفاع حتى بدء الجلسة الأولى لتأمين الوثائق والمواد التي يحتاج إليها.

يُذكر أن التهمة قد وُجِهَت رسميًا قبل 10 سنوات إلى المتهمين الخمسة المعتقلين منذ حوالي 15 عامًا في قاعدة عوانتانامو في أقصى جنوب شرقي كوبا، لكن الإجراءات تأخرت بسبب تعقيدات الملف وتشعبه.

أكثر قلقًا وأقل أمانًا

قبل أعوام قليلة، كشفت دراسة أعدتها شبكة “CNN” الإخبارية بالتعاون مع مؤسسة “ORC” أنه وبعد كل هذه الأعوام على أحداث 11 سبتمبر 2001م، فقد أصبح الأمريكيون أًكثر قلقًا من استهدافهم واستهداف الولايات المتحدة.

حيث أظهر الاستطلاع أن 73% من المشاركين في الدراسة كانوا يتوقعون حدوث أعمال إرهابية في الولايات المتحدة في نفس العام الذي أُجريت فيه الدراسة.

كما نشر مركز “PEW” للدراسات والأبحاث الأمريكي أن 54% من العينة أفادت بأن الولايات المتحدة أقل أمنًا، مما كانت عليه قبيل هجمات 11 سبتمبر، وهو ما يعني أن عملية مكافحة الإرهاب انعكست على الدول التي حاربته في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن والصومال.

صعوبة المواجهة

بحسب المدير السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب “نيك راسموسين” فإنه “على الرغم من أن الولايات المتحدة قد طورت الوسائل التي تحمي بها نفسها من الهجمات المتطورة، إلا أنها مازالت عرضة لعمليات مسلحة ينفذها متشددون محليون”، مؤكدًا أن “الكشف عن مشاريع اعتداءات لأنصار تنظيم داعش، والتي تتميز باستخدام تقنيات حديثة وأساليب تنظيمية لامركزية، أصبحت أكثر صعوبة للأجهزة الأمريكية لمكافحة الإرهاب”.

فيما حذر المدير الأسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي “جيمس كومي” من التهديدات التي ستسود العالم خلال السنوات الخمس القادمة كرد فعل على محاربة “داعش”، حيث يمتلك التنظيم أعضاء ماهرين ولديهم قدرات كبيرة على التنكر والاختفاء، وإخفاء أهدافهم القادمة مما يجعل الأمر بالغ الصعوبة على الأجهزة الأمنية العالمية في تحديد هوية الإرهابيين.

حرب بلا نهاية

في ظل تدابير أمنية صارمة جديدة، وتشديد المراقبة، يعيش سكان نيويورك حالة من الشك وعدم الثقة منذ عام 2001م، إذ يبدو أن الهجوم غيَّر من توجهات المجتمع الأمريكي، وفي مواجهة هذه المخاوف، وبات في حالة تعبئة دائمة لمواجهة الإرهاب.

وفد عمدت نيويورك إلى إعطاء القدوة في تصميمها على حماية سكانها البالغ عددهم 8,5 ملايين نسمة، ولا توفر جهدًا عبر شرطتها التي يصل عدد أفرادها إلى 38 ألف عنصر في حماية سكانها.

الوضع الحالي في العالم بات أكثر مأساويًا مما كان عليه قبيل أحداث 11 سبتمبر، يقول الجنرال “ديفيد باترايوس”، الذي كان قائد القوات الأمريكية في العراق بين سنتي 2007 و 2008: “هذه حروب سيطول أمدها.

هذه صراعات سوف تستمر لأجيال”، يبدو أن الحرب اللانهائية على الإرهاب ستستمر، لكن المُلاحظ إلى الآن أنها بلا جدوى حقيقية في القضاء على الإرهاب والتطرف، فقد زادته ولم تمحيه، كما ظنَّ من أشعلها يومًا.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: