تقاريرتقارير من أمريكاصوت أمريكا

هل ينجح الديمقراطيون في عزل ترامب؟

أحمـد الغــر

“إنها أكبر حملة مطاردة سياسية في التاريخ الأمريكي”؛ هكذا يرى الرئيس “دونالد ترامب” الحملة الشرسة ضده، والتي بدأت إجراءاتها منذ فترة، بهدف عزله من منصبه، والتي كان آخر خطواتها التصعيدية تصويت مجلس النواب، الخميس الماضي، لصالح المضي بالتحقيق علنًا في إجراءات العزل.

فلماذا يعدَّ تصويت مجلس النواب تاريخيًا وما مدى أهميته؟، وما الذي يعنيه مبدأ العلنية؟، ومن هم أهم الشهود المطلوبين؟، وكيف ستتم إجراءات العزل حال نجحت الإجراءات في الوصول إلى تلك النقطة؟.

وفي الإطار كيف ستكون المواجهة بين الديمقراطيين والجمهوريين في ظل هذه الأزمة؟، وما هي خيارات ترامب للمواجهة؟

ما الذي حدث؟

تبدأ خيوط أزمة عزل ترامب، مع الحديث المتكرر عن إمكانية تدخل الروس في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 التي فاز بها “دونالد ترامب” على منافسته “هيلاري كلينتون”، ومع انتهاء المحقق الخاص “روبرت مولر”، أصدر تقريره الذي لم يبرئ الرئيس الأمريكي بشكل تام، لكن بأي حال فقد خفت الحديث عن الأمر.

لكن سرعان ما انفجرت الأزمة مجددًا؛ عندما نشرت وسائل إعلام معلومات حول مكالمة هاتفية بين ترامب ونظيره الأوكراني “”، حيث حاول ترامب التأثير على للتحقيق في قضية تخص نجل “جو بايدن”، خصمه الديمقراطي المحتمل في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لكن المكالمة الهاتفية أثارت جدلًا واسعًا، خاصةً في صفوف الديمقراطيين، الذين طالبوا مجددًا بعزل ترامب من منصبه، ثم تفاقمت القضية مع الكشف عن مطالبة ترامب للصين أيضًا للقيام بالأمر ذاته.

تصويت تاريخي

بعد أشهر من الضغط المستمر لإلقاء الضوء على إجراءات العزل؛ تقدمت رئيسة مجلس النواب الأمريكي “” بطلب لفتح تحقيق لمساءلة ترامب بعد الكشف عن تفاصيل مكالمته مع زيلينسكي، وسرعان ما تلا ذلك تصويتًا تاريخيًا في مجلس النواب لصالح المضي بالتحقيق علنًا.

وكان التصويت بأغلبية 232 صوتًا مقابل 196 صوتًا لإطلاق العملية رسميًا، وفي الأثناء تستمر العديد من لجان مجلس النواب في جمع المعلومات كجزء من التحقيق، وقد صرحت بيلوسي بأن “هناك مجموعة متزايدة من الأدلة تُظهر أن ترامب يسيء استغلال منصبه”.

تأييد الأمريكيين

وبعيدًا عن الإجراءات القانونية؛ فإن تأييد الأمريكيين للتحقيق مع ترامب وعزله يتزايد مع مرور الوقت، حيث يؤيده نحو نصف الناخبين حتى الآن، بحسب بعض الاستطلاعات.

لكن بأي حال وإذا ما فشلت إجراءات العزل فإن الناخبين الأمريكيين سيتوجهون إلى صناديق الانتخاب في 3 نوفمبر 2020 للاختيار بين ترامب ومنافسه الديمقراطي.

ومن المعروف أنه في تاريخ الولايات المتحدة الممتد لـ 243 عامًا، لم تجر إلا 3 تحقيقات بهدف إقالة 3 رؤساء أمريكيين، وسيصبح ترامب هو رابع رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يواجه تحقيقًا رسميًا بعزله.

كيف ستتم إجراءات العزل؟

بعد 5 أسابيع من الجلسات المغلقة للاستماع إلى شهود حول مزاعم ممارسة ترامب ضغوطًا على تفيده سياسيًا، اقترح الديمقراطيون تشريعات جديدة للمراحل التالية من عملية العزل، تمنح النواب الحق في طلب شهود لسماع شهادتهم، وإصدار مذكرات استدعاء.

المرحلة الثانية؛ ستتولى فيها لجنة الاستخبارات في مجلس النواب عملية تثبيت الأدلة من الشهادات والوثائق، مع قدرة كلا الطرفين على استجواب الشهود في مكان عام.

أما المرحلة الثالثة؛ فستشهد تقديم الأدلة ضد ترامب إلى اللجنة القضائية، لتحديد الاتهامات، ثم يتم التصويت عليها في مجلس النواب.

القواعد الجديدة تمنح ترامب ومحاميه فرصتهم الأولى للمرافعة في القضية والإدلاء بشهادات وتقديم أدلة، لكن إذا استمر في رفض الاستجابة لمذكرات الاستدعاء والتعاون مع التحقيق، كما يفعل حتى الآن، فقد يتم حرمانه من بعض الحقوق في جلسات الاستماع.

مبدأ العلنية وأهميته

سيبدأ مجلس النواب في عقد جلسات استماع مفتوحة أمام لجنة الاستخبارات في المجلس، وهذا الأمر هدفه بحسب بيلوسي: “أن يرى عامة الناس الحقائق بأنفسهم”، وأضافت أيضا: “أفعال ترامب تثير قضية أمن قومي قهرية، ستكون محط اهتمام تحقيق ومساءلة في ”.

وتعتبر بيلوسي أن التحقيق سوف يمضي على وجه السرعة، ولكن “ليس في عجلة”، ومن الآن فصاعدًا؛ ستُعقد جلسات استماع الشهود علانية في القضية، بعد أن كانت تعقد خلف الأبواب المغلقة، وهو ما يوفر مزيدًا من الشفافية والوضوح في التحقيقات التي ستُجرَى.

أهم الشهود المطلوبين

في إطار التحقيقات؛ سيسعى الديمقراطيون إلى الحصول على وثائق وشهادات لتساعدهم على عزل ترامب، أبرز هؤلاء الشهود الرئيسيين هم مسئولي وزارة الخارجية الذين تُظهر رسائلهم النصية أنهم ساعدوا في تنسيق جهود ترامب للضغط على أوكرانيا، بهدف التحقيق مع خصم نجل المرشح الديمقراطي المحتمل لانتخابات الرئاسة القادمة “جو بايدن”، خاصةً وأن إدارة ترامب كانت قد علقت تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا بناءً على توجيه من الرئيس ترامب نفسه.

وقد شهد الثلاثاء الماضي؛ مثول مسئول كبير في البيت الأبيض ومحارب قديم أمام الكونجرس، للإدلاء بـ “شهادة محرجة” في التحقيق الهادف إلى عزل ترامب، حسبما كشفت تقارير صحفية أمريكية، وقد استمع الديمقراطيون حتى الآن إلى حوالي 12 دبلوماسيًا ومستشارًا للبيت الأبيض في جلسات مغلقة.

كما استدعت اللجان النيابية مستشار ترامب السابق للأمن القومي “جون بولتون”، للإدلاء بإفادته حول استغلال محتمل للسلطة من قبل ترامب، وسيقوم بولتون بالإدلاء بإفادته في جلسة مغلقة يوم 7 نوفمبر، في وقت يسعى البيت الأبيض للحد من تعاون مسئولين حاليين وسابقين مع التحقيقات.

استعداد الديمقراطيين للمعركة

يدرس الديمقراطيون ما إذا كانوا سيدخلون في معركة قضائية مطولة مع الجمهوريين والبيت الأبيض، أو يكتفون في تحقيقاتهم بالأدلة التي بحوزتهم، ويضيفون عراقيل البيت الأبيض لمسار العدالة إلى بنود التحقيق.

يقول”إريك سوالويل”، عضو لجنة الاستخبارات بمجلس النواب: “يجب أن نتحرك بسرعة، ولكن ليس بتسرع، يجب أن نركز على الاتصال مع أوكرانيا”، مضيفًا: “لسنا بحاجة لجلسات استماع مدتها أشهر، لدينا كلمات الرئيس شخصيًا ولدينا سلوكه بعد الواقعة”.

ويعزز من موقف الديمقراطيين، ما أعلنته القاضية الأمريكية “بيرل هويل” عن رفض المحكمة دفوع الجمهوريين الذين انتقدوا تحقيق مساءلة ترامب.

وقالت القاضية إن المجلس ليس بحاجة إلى الموافقة على قرار رسميًا لبدء التحقيق، كما أمرت القاضية وزارة العدل الأمريكية لتسليم اللجنة القضائية بمجلس النواب أجزاء حُجبت من تقرير روبرت مولر.

لكن هناك بعض الظنون بأن الديمقراطيين يمكن أن يترددوا في مواصلة السعي للتخلص من ترامب عن طريق السبل القانونية، وأن يلجأوا إلى التركيز على هزيمة ترامب عبر الانتخابات في حال استمرت العملية حتى العام 2020.

استعداد الجمهوريين للرد

بدأ الجمهوريون الرد على التحقيقات التي تجرى في إطار إجراءات العزل بسلسلة من التحقيقات المضادة، ووقف إفادة أحد الشهود قسرًا، كما طلبوا طلب تحقيق في جهود النائب الديمقراطي “آدم شيف” الذي يقود تحقيقات عزل ترامب.

يدعم الجمهوريون بقوة تحقيقًا جنائيًا في وزارة العدل حول الطريقة التي أطلق فيها التحقيق حول تدخلات في الانتخابات الرئاسية، وهذا يدعم ما يؤكده ترامب من أن تحقيق مولر كان “حملة شعواء تستند إلى أخبار كاذبة”.

مستشارة ترامب “كيليان كونواي” تقول إن “الهدف من التحقيق هو التأكد من أن وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي في عهد إدارة أوباما في 2016 لم يستخدما كأداتين للتأثير علي الانتخابات”، لكن الديمقراطيين يرون في هذا التحقيق المضاد جهدًا واضحًا من جانب الجمهوريين لتحويل الانتباه عن التحقيقات الجارية في إطار إجراءات العزل.

وفي الإطار تستمر التصريحات الجمهورية المهاجمة لجهود الديمقراطيين لعزل ترامب، معتبرين أنهم يعملون على تسييس عملية العزل وتجاهل أعمال الكونجرس الأخرى.

حيث وصف النائب الجمهوري “ستيف سكاليز” قرار العزل بـ”النمط السوفيتي النمط السوفيتي”، لافتًا إلى أن “الديمقراطيين لا يريدون حقًا الوصول إلى الحقيقة، لكنهم يريدون عزل الرئيس ترامب”.

ديمقراطيون وجمهوريون.. خارج النص

بعيدًا عن الالتزام الحزبي المعهود، أثار النائبان الديمقراطيان في مجلس النواب “جيفرسون فان درو” و”كولين كلارك بيترسون” الجدل بعد خروجهما عن النص، وتصويتهما بـ”لا” ضد قرار البدء في إجراءات عزل ترامب، حيث اعتبر النائبان أنهما بهذا التصويت يؤكدان انحيازهما لما اعتبراه مصلحة العليا.

أما الجمهوريون؛ فهم في موقف صعب للغاية بعد أن وضعهم ترامب هذه المرة في مأزق كبير، ما جعلهم يشعرون بالحيرة أمام كيفية التعاطي مع هذا التطوّر، فصار دعمهم له هذه المرة خجولًا ومرتبكًا، فيما غرد بعضهم خارج السرب.

الحليف الوفي لترامب، السناتور الجمهوري “ليندسي جراهام”، الذي غالبًا ما يدافع عنه، قال في تصريحات صحفية إنه “لا يساند طلب المساعدة الذي وجّهه ترامب إلى الصين، داعيًا بكين إلى التحقيق بشأن بايدن”، وقال بإحراج شديد: “الرئيس يدافع عن نفسه، يشعر أن الجميع يحاول الإيقاع به طوال الوقت، في حين أنه لم يرتكب أي خطأ”.

أما عضو مجلس الشيوخ، والمرشح الجمهوري السابق للرئاسة “ميت رومني”، فقال: “إن دعوة الرئيس المعيبة وغير المسبوقة للصين وأوكرانيا من أجل أن تحققا بشأن جو بايدن خاطئة ومروّعة”، وانضم إليه السناتور الجمهوري “بن ساس”، الذي ينتقد ترامب بانتظام، وهو ما يزيد مخاوف البيت الأبيض من تنامي الأصوات الجمهورية المندّدة لترامب.

كيف سيواجه ترامب الأزمة؟

يصرّ البيت الأبيض على رفضه لتشريعات الديمقراطيين لجعل التحقيق في عزل ترامب علنيًا، فبحسب المتحدثة باسم ترامب “ستيفاني جريشام”، أن “التحقيق الذي يجريه الديمقراطيون كان غير شرعية منذ البداية”.

سيلجأ البيت الأبيض إلى تقويض تحركات الديمقراطيين من خلال التركيز على أن بعض إجراءاتهم قد انتهكت الدستور، وتهدف إلى الإطاحة بنتائج انتخابات 2016، حين اختار ترامب رئيسًا، كما أن تحركات الديمقراطيين ناجمة عن دوافع سياسية بحتة.

بعيدًا عن أروقة المؤسسات؛ فإن ترامب يخشى أيضًا وبشدة أن تؤثر هذه الزوبعة الكبرى على قاعدته الانتخابية الوفية، خاصةً وأنه لم يتمكن من تعزيزها منذ وصوله إلى البيت الأبيض، كما أن مؤشرات استطلاعات الرأي تشير إلى انخفاض شعبيته.

مصير العزل في مجلس الشيوخ

إذا وافقت أغلبية بسيطة من أعضاء مجلس  النواب البالغ عددهم 435 عضوًا على توجيه اتهامات لترامب، ستنتقل العملية برمتها إلى مجلس الشيوخ، الذي سيجري محاكمة لتحديد ما إذا كان الرئيس مذنبًا أم لا.

في مثل هذه المحاكمة يقوم أعضاء مجلس النواب بدور الادعاء، وأعضاء مجلس الشيوخ بدور المحلفين، ويرأس جلسات المحاكمة كبير القضاة في المحكمة العليا، وتتطلب إدانة الرئيس وعزله موافقة مجلس الشيوخ المؤلف من 100 عضو بأغلبية الثلثين.

لكن العقبة الوحيدة في هذه المحاكمة، تكمن في توزيع المقاعد داخل مجلس الشيوخ، حيث يحتل الجمهوريون 53 مقعدًا، فيما يحتل الديمقراطيون 45 فقط، بالإضافة إلى عضوين مستقلين، وتتطلب إدانة ترامب وعزله موافقة 67 عضوًا، مما يعنيّ أن عزل ترامب من منصبه في حالة المساءلة يستلزم موافقة 20 عضوًا جمهوريًا، بالإضافة إلى جميع الأعضاء الديمقراطيين والعضوين المستقلين.

تاريخيًا لم يحدث من قبل أن تم عزل رئيس أمريكي من منصبه كنتيجة مباشرة للمساءلة، فيما استقال “ريتشارد نيكسون” من منصبه عام 1974م قبل مساءلته، في حين وجه مجلس النواب اتهامات لـ “أندرو جونسون”، و”بيل كلينتون”، لكن مجلس الشيوخ لم يصدر قرارًا بإدانة أي منهما.

في الأزمة الراهنة؛ فإن معظم التكهنات تشير إلى أن الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ قد تصوت على الفور بإسقاط التهم الموجهة لترامب، دون النظر في الأدلة، ومن ثمّ تنتهي القضية.

لا أحد فوق القانون

في كتابه الصادر عام 2017، تحت عنوان “عزل الرئيس: دليل المواطن”، يصف الباحث الدستوري “كاس سونشتاين” أن العملية “ستخلق كابوسًا وطنيًا”، وفي ظل هذا الوضع السياسي المتأزم، فإن “نانسي بيلوسي” تعتبر إنه “ليس هناك ما يدعو للسرور، إنه وقت حزين بالنسبة لبلادنا”.

أما الرئيس ترامب، وهو المعنيّ أكثر من غيره بالأزمة، فمازال يسكن في قصره العاجي في تويتر، يوجه اتهاماته وانتقاداته للجميع، حتى أنه وجه تهديدًا يكاد يكون صريحًا إلى الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذين قد يفكرون في التخلّي عنه.

وبمقتضى ؛ يمكن عزل الرئيس إما للخيانة أو تقاضي الرشوة أو لارتكاب أي جريمة كبرى أخرى أو جنحة، وتتسع هذه العبارة لتشمل التورط في الفساد أو أشكالًا أخرى من إساءة استغلال ثقة الشعب، ولا تستلزم مساءلة الرئيس أن يخالف قانونًا جنائيًا بعينه.

في تعقيبها على جواب البيت الأبيض الرافض لإجراءات مجلس النواب، وجهت “نانسي بيلوسي” كلامها إلى ترامب بالقول: “سيدي الرئيس.. لست فوق القانون”، فهل سيفشل ترامب في الإفلات من العزل، أم أن شعبيته الجمهورية وشعبويته في التغريد ستنتصر؟

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: