تقاريرتقارير من أمريكاصوت أمريكا

منحتهم حقوقهم فجعلوا منها قوة عظمى .. عمال أمريكا يحتفلون بعيدهم الـ125

أحمـد الغــر

يشكل الاثنين الأول من شهر سبتمبر كل عام إعلانًا بنهاية فصل الصيف، وبداية لفصل الخريف، لكنه بالنسبة للأمريكيين يحمل ذكرى سنوية لمناسبة مهمة في تاريخ عمّال النضالي.

إنها مناسبة ، الذي أعلنه الرئيس “” عطلة وطنية في العام 1894، وخصّصه لتكريم الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية للعمّال الأمريكيين.

منذ ذلك الحين؛ أصبحت القوى العاملة الأمريكية أقوى وأكثر تنوعًا، ومع مرور الوقت صارت المناسبة جديرة بأن يُحتفل بها.

وهذا العام تأتي الذكرى الـ 125 لعطلة عيد العمال، لتكرس العمل الدؤوب لعمال الولايات المتحدة الذين جعلوا بنضالهم من اقتصادها أكبر قوة في العالم.

من صاحب الفكرة؟

كانت في القرن التاسع عشر تخوض نزاعات عمالية لتخفيض ساعات العمل في هاميلتون، وبشكل خاص في الحركة التي تعرف بحركة الـ 8 ساعات.

وفي الحادي والعشرين من أبريل 1856م جرى الاحتفال لأول مرة بعيد العمال في أستراليا، التي كانت تشهد أيضًا، إلى جانب كندا والولايات المتحدة، احتجاجات عمالية للمطالبة بحقوق العمال.

في الخامس من سبتمبر عام 1882م؛ شهد زعيم العمال الأمريكي “بيتر ماكغواير” إحدى الاحتفالات بعيد العمال في تورونتو الكندية، واستلهامًا من أحداث الاحتفالات الكندية، عاد ماكغواير إلى نيويورك ليقوم بتنظيم أول عيد للعمال يحتفل به في نفس اليوم، في الخامس من سبتمبر من كل عام.

هناك رواية أخرى ترجح أن “ماثيو مغواير”، والذي عمل سكرتيرًا لاتحاد العمل المركزي في نيويورك، هو من اقترح العطلة في 1882م.

وعلى الرغم من عدم الاستقرار على رواية أكيدة للمناسبة، إلا أن كافة المعلومات المتوفرة تشير إلى أن الاحتفال بعيد العمال الأمريكيين جاء بجهود أصلية تقدم بها الأمريكيون أنفسهم.

قضية

“ولدي الصغير عندما تكبر وتصبح شابًا، وتحقق أمنية عمري ستعرف لماذا أموت، ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريء، وأموت من أجل قضية شريفة، ولهذا لا أخاف الموت، وعندما تكبر ستفخر بأبيك وتحكى قصته لأصدقائك”.

هذه الكلمات كانت الكلمات الأخيرة التي تركها العامل الأمريكي “أوجست سبايز” في خطاب لابنه، قبل أن ينفذ عليه حكم الإعدام في أشهر قضية عمالية في التاريخ.

إنها قضية هايماركت، التي وقعت نتيجة للإضراب العام في كل من شيكاغو وإلينوى، وشارك فيها عموم العمال والحرفيين والتجار الأمريكيين، وقد وصل عددهم ما بين 350 و 400 ألف عامل، يطالبون بتحديد ساعات العمل تحت شعار “8 ساعات عمل، 8 ساعات نوم، 8 ساعات فراغ للراحة والاستمتاع”.

لكن الأمر لم يَرق للسلطات وأرباب العمل، خاصةً بعد أن حقق الإضراب نجاحًا، وأحدث شللًا في الحركة الاقتصادية، ففتحت الشرطة النار على 4 من المضربين في شركة ماكورميك للحصاد الزراعي، وقتلهم في الحال، وهو ما دفع حشودًا من العمال للتجمع في ساحة هايماركت في اليوم التالي.

ومع تدخل الشرطة لفض الاحتشاد، ألقى مجهول قنبلة وسط تجمع الشرطة، فتسبب في ما لا يقل عن 12 شخصًا، بينهم 8 من رجال الشرطة، وقد تلا ذلك محاكمة مثيرة للجدل، لـ 8 من المُدّعِى عليهم بسبب آرائهم السياسية، وليس لتورطهم في التفجير.

ذكرى تأبى النسيان

أفضت المحاكمة إلى إعدام 7 أشخاص، لكن قضية هايماركت صارت مصدرًا للغضب في أرجاء العالم في السنوات التالية، وظلت ذكرى شهداء هايماركت في الذاكرة الأمريكية، ضمن العديد من الإجراءات والمظاهرات الخاصة بالحركة العمالية.

وفي عام 1992م، عمدت الولايات المتحدة إلى تحويل منطقة هايماركت إلى أحد معالم شيكاغو، وتم إقامة نصب مكرس للأحداث فيها عام 2004م، كما أقامت نصبًا للشهداء في موقع دفن الضحايا في متنزه فوريست.

الأول من مايو

مع تجاوز قضية هايماركت لحدود الولايات المتحدة، وبلوغ صداها عمال العالم، أحيا المؤتمر الأول للأممية الاشتراكية ذكراها في العاصمة باريس عام 1889م، وتمت الدعوة لمظاهرات دولية لإحياء ذكرى هايماركت عام 1889م.

وفي عام 1904م ومن خلال اجتماع مؤتمر الاشتراكية الدولية في أمستردام، تمت دعوة جميع المنظمات والنقابات العمالية في جميع أنحاء العالم إلى عدم العمل في الأول من مايو من كل عام، وجعله إجازة رسمية.

في عام 1955م، باركت الكنيسة الكاثوليكية يوم الأول من مايو عيدًا للعمال، واعتبرت القديس يوسف النجار شفيعًا للعمال والحرفيين.

وفى عام 1958م خصص الكونغرس الأمريكي يوم الأول من مايو كيوم للوفاء للعمال، نظرًا للتقدير الذي حظي به هذا اليوم.

ومن المثير أن هناك دولاً عديدة تحظر تنظيم أي فعاليات بالمناسبة، منها: تركيا وإندونيسيا وباكستان، بالرغم من كونه يوم عطلة في هذه الدول، فيما لا تحتفل دول أخرى بالمناسبة، منها: هولندا وإسرائيل وبعض دول شبه الجزيرة العربية.

تقليد أمريكي راسخ

بالرغم من أن معظم دول العالم تحتفل بعيد العمال في الأول من مايو سنويًا، إلا أن الولايات المتحدة حافظت على تقليدها القديم، واعتبرت أول يوم اثنين من شهر سبتمبر من كل عام عيدًا للعمل، وكذلك الأمر في كندا.

ففي أعقاب وفاة عدد من العمال على أيدي الجيش الأمريكي خلال إضراب بولمان عام 1894م، وضع الرئيس “غروفر كليفلاند” تسويات مصالحة مع حزب العمل باعتباره أولوية سياسية.

وخوفًا من المزيد من الصراعات والإضرابات، تم تشريع عيد العمال يومًا وطنيًا وجعله عطلة رسمية من خلال الموافقة عليه في الكونغرس بالإجماع، فقط بعد ستة أيام من انتهاء الإضراب.

سبتمبر وليس مايو!

كان الرئيس كليفلاند يشعر بالقلق إذا ما تزامنت عطلة عيد العمال الأمريكي مع احتفالات عيد العمال في الأول من مايو، خاصةً وأن الأول من مايو يثير مشاعر سلبية مرتبطة بقضية هايماركت، إضافة إلى أن الاحتفال بعيد العمال في مايو ظل مقترنًا لفترة طويلة بالشيوعية، ومن هنا جاء اختيار الاثنين الأول من سبتمبر كموعد لعيد العمال الأمريكي خيارًا مثاليًا.

ومنذ ذلك الحين تحتفل الخمسون ولاية بعيد العمال في هذا التاريخ، وكانت أوريغون أول ولاية تدرج يوم عيد العمال رسميًا في لائحة قوانينها عام 1887، وتبعتها ولايات: كولورادو وماستشوستس ونيوجيرزي ونيويورك في العام ذاته.

مظاهر احتفالية ومظاهرات سياسية

ومع مرور السنوات ووفقًا للتقاليد، يتم الاحتفال بعيد العمال الأمريكيين، كيوم للراحة، فهو لا يخلو من الأشكال الاحتفالية المعهودة، التي تتضمن النزهات، وحفلات الشواء، وعروض الألعاب النارية، والرياضات المائية، والفعاليات الفنية العامة.

وأيضًا فرصة لاستغلال تخفيضات كبرى في المحلات التجارية على اختلافها، وكذلك المسيرات والمواكب.

وقد يجد فيه البعض أحيانًا فرصة لإلقاء الخطب، وتنظيم التظاهرات السياسية، خاصة منظمات العمال الحقوقية، التي تستغل المناسبة للمطالبة بمزيد من الحقوق والمساواة.

مكتسبات رائدة

في العام 1941م، أعلن أنصار حقوق العمال عن مناهضتهم لعدم وجود عمالة أمريكية أفريقية في الحكومة الفيدرالية وفي الصناعات الدفاعية الأمريكية، ونتيجة لذلك فقد وقع الرئيس “فرانكلين روزفلت” أمرًا تنفيذيًا يحظر التمييز العنصري في هذين القطاعين، ولا يُنسى فضل الناشط الحقوقي الأميركي-الأفريقي “فيليب راندولف”، في الحصول على هذا المكتسب.

ومع مرور الوقت، حقق العمال كثيرًا من المكاسب إثر قيام الاتحادات والنقابات العمالية، منها الضمان الاجتماعي للعمال إثر الإصابة أو المرض، واستحقاق العامل عطلة أسبوعيًا، وإنشاء مكاتب حكومية مهمتها التأكد من أن أرباب العمل يتبعون كل سبل السلامة للحفاظ على صحة العمال.

وكذلك تحديد حد أدنى للأجر، وتحديد سن التقاعد، ومنح المتقاعد معاشًا، وعدم فصل العامل من عمله إلا بعد عقد مجلس تأديب، يشارك فيه اتحاد العمال، ومنح المرأة العاملة إجازة براتب كامل لمدة أربعة أشهر بعد الولادة، ووجوب تمثيل نقابات العمال في مجالس إدارات المؤسسات.

هوليوود والعمال

لم تغفل أفلام هوليوود قضية العمال، منذ بداية عهدها، حيث الأفلام الصامتة وصولًا إلى عصر الأفلام ثلاثية الأبعاد، فتناولت قضايا التنظيم النقابي والإضرابات ونضال العمال من أجل نيل حقوقهم.

في مقدمة هذه الأفلام؛ نجد “مودرن تايمز”، وهو فيلم صامت، كتبه وأخرجه وقام ببطولته تشارلي شابلن عام 1936م، وتناول بشكل ساخر تأثير الآلات المصنعية الحديثة وساعات العمل الطويلة على العامل بشكل خاص والإنسان بشكل عام.

وفي عام 1940م، تناول فيلم “عناقيد الغضب” المقتبس عن رواية بنفس العنوان للكاتب “جون ستاينبك”، أوضاع العمال والمزارعين في فترة الكساد الاقتصادي الشهيرة، فيما تناولت أفلام الخمسينات قضية العنصرية ضد العمال بسبب أصولهم العرقية، من بينها فيلم “ملح الأرض” عام 1954م.

في السبعينات، أنتجت هوليوود عددًا كبيرًا من الأفلام التي تناولت تأثير فيتنام على الطبقة العاملة، ولعل أبرزها فيلم “صائد الغزلان” الذي يُظهر تأثير الحرب على مدينة أمريكية صغيرة أغلب سكانها من العمال.

أما الثمانينات؛ فقد وجهت أفلامها نقدًا واضحًا لسياسات النيوليبرالية التي انتهجتها إدارة الرئيس ريغان، والتي أثرت على الطبقة العاملة، ومن بينها فيلم “وول ستريت” للمخرج أوليفر ستون، أما التسعينيات فتناولت شخصيات أثّرَت في تاريخ الحركة العمالية مثل فيلم “هوفا” الذي تناول سيرة الزعيم النقابي “جيمي هوفا” الذي قاد نقابة سائقي الشاحنات لعدة عقود.

فيما برزت أفلام الألفية قضية المساواة بين الجنسين في مواقع العمل، مثل فيلم “نورث كاونتي”، بطولة تشارليز ثيرون، والذي عالج قضية المساواة بين العاملين والعاملات، وحماية العاملات من التحرش الجنسي.

المرأة العاملة

في حين استطعن النساء أن يحصلن على فرصة مساوية للرجال في كل مجالات العمل، وأصبحن يشكلن حوالي نصف القوة العاملة في الولايات المتحدة، فالنساء البالغ عددهن 75 مليون امرأة يساعدن من خلال عملهن على جعل أكبر وأكثر إنتاجية في العالم.

ففي وقتٍ كانت النساء الأمريكيات مستبعدات من الدرجات العليا في مجال الرعاية الصحية، كما أن مهنة التدريس لم تكن مفتوحة أمامهن بالشكل الكامل، أصبحت النساء الآن يشكلن 36% من الأطباء والجراحين في الولايات المتحدة، و80% من معلمي مراحل ما دون المستوى الجامعي.

وتخلصت النساء من الكثير من القيود التي كانت في الماضي مفروضة على الأدوار القتالية التي يمكن أن يقومن بها، مما أتاح توفير 255 منصبًا أمام التحاق النساء بالقوات المسلحة الأمريكية.

وأصبح هناك أكثر من 200 ألف سيدة في الخدمة الفعلية في القوات الأمريكية الآن، منهن 60 سيدة برتبة جنرال وأدميرال، كما أن هناك 100 ألف سيدة يعملن في هيئات فرض تطبيق القوانين الفدرالية والولائية والمحلية.

في حين باتت تملك النساء 36% من جميع الشركات الأمريكية، وفقا لتعداد للسكان في عام 2012م، وقد وصفت مجلة فوربس عام 2016 بأنه العام الذي يمثل “بداية العصر الذهبي لرائدات الأعمال”.

عمل شاق واقتصاد قوي

وفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الولايات المتحدة تعتبر خامس أكبر دولة في العالم من حيث الإنتاجية، فالعمال الأمريكيون يساهمون في الاقتصاد الأمريكي  بـ 68.30 دولار كل ساعة، ومتوسط عدد ساعات عملهم تبلغ 33.6 أسبوعيًا، وهذا المعدل هو أعلى من الدول الأوروبية الأربع التي تأتي في تصنيف أعلى قبل الولايات المتحدة في الإنتاجية.

ومع هذا الجهد والعمل الشاق، فقد بات مستوى التوظيف في اقتصاد أميركا مرتفع بشكل عام، وأصبح معدل البطالة متدنيًا، فهناك حوالي 153.5 مليون شخص يعملون، وهو أعلى معدل خلال 10 سنوات على الأقل، وفقا لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي.

بينما انخفض معدل البطالة في شهر يوليو إلى 4.3%، وهو أدنى مستوى له منذ 16 عامًا، فيما تشارك النساء بنسبة 56.7% في سوق العمل، كما يشارك 17.9% من أصحاب الإعاقة في سوق العمل.

لقد أصبحت القوى العاملة الأمريكية أكثر تنوعًا عن ذي قبل، وهذا بفضل كفاح العمال أنفسهم لنيل حقوقهم، وقوانين العمل التي وُضِعَت للحفاظ عليها، فيما يستمر الاقتصاد في الازدهار، ويظل متربعًا على عرش الاقتصاد الأكبر في العالم.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: