أخبار أميركاتقارير

ماذا لو نجح الديمقراطيون في عزل ترامب؟

أحمـد الغــر

“إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونجرس”، تهمتان تبناهما الديمقراطيون في مجلس النواب الأمريكي ضد الرئيس “دونالد ترامب” في إطار السعي إلى عزله، وعلى أساس هاتين التهمتين ستتم محاكمته في مجلس الشيوخ الذي تسيطر عليه أغلبية من الجمهوريين.

وفي ظل الوضع الراهن، تتكاثر الأسئلة حول جدوى الإصرار على محاكمة لن تؤدي لعزل ترامب في النهاية.

فهل هي مجرد مؤامرة ديمقراطية لتشويه ترامب والحزب الجمهوري ليس أكثر؟، وما هي مكاسب وخسائر الجمهوريين والديمقراطيين في هذه الأزمة، وتأثيرها عليهما في الانتخابات المقبلة؟.

ما هي خيارات ترامب للمواجهة؟، وماذا لو ـ فرضًا ـ لم ينج ترامب من محاكمته في مجلس الشيوخ؟، ما هي السيناريوهات المحتملة في هذه الحالة؟، وما تأثيرها على الاقتصاد والسياسة الخارجية للولايات المتحدة؟.

تساؤلات خارج الصندوق نناقشها معكم في التقرير التالي:

آخر تطورات العزل

مستغلّين الأكثرية التي يملكونها في مجلس النواب، نجح الديمقراطيون في إدانة الرئيس الـ45 للولايات المتحدة “دونالد ترامب” بتهمتين، وكانت نسبة موافقة المجلس على تهمة استغلال الرئيس للسلطة بأغلبية 230 صوتًا مقابل 197، فيما تم إقرار تهمة عرقلة عمل الكونجرس بأغلبية 229 صوتًا مقابل 198.

بذلك يصبح ترامب ثالث رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يواجه إجراءً رسميًا لعزله، وقد سارع ترامب إلى التنديد بهذا التصويت التاريخي الذي جرى ضدّه، متهّمًا خصومه الديمقراطيين بأنّهم مدفوعون بـالحسد والحقد والغضب، ويحاولون إبطال تصويت عشرات ملايين الأمريكيين الذين انتخبوه رئيسًا في 2016.

تجميد المحاكمة

كانت هناك بعض الظنون بأن الديمقراطيين يمكن أن يترددوا في مواصلة السعي للتخلص من ترامب عن طريق السبل القانونية، وأن يلجأوا إلى التركيز على هزيمة ترامب عبر الانتخابات في حال استمرت العملية حتى العام 2020.

هذه الظنون تتوارد في وقت يخشى فيه الديمقراطيون أيضًا ألا تتم محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ بصورة عادلة وشفافة.

ولعل هذا ما دفع “نانسي بيلوسي”، رئيسة مجلس النواب، إلى الانتظار، وعدم إحالة فقرتي الاتهام إلى مجلس الشيوخ، حتى يحدث اتفاق بين زعيمي الغالبية والأقلية في المجلس على إجراءات المحاكمة.

وهذا يعني تعطيل الإحالة لمدة أسبوعين، وربما أكثر، طالما أن الدستور لم يحدد أي شيء يتعلق بإجراءات الإحالة وسقفها الزمني.

غير أن أسئلة أخرى تدور حول ما الذي سيحدث إذا لم يتم الاتفاق على أهم نقطة خلافية في المحاكمة، وهي سماع الشهود والاطلاع على الوثائق.

مواجهة بين بيلوسي وماكونيل

أمر تجميد إحالة فقرتي الاتهام إلى مجلس الشيوخ، خلق معركة من نوع خاص، بين “ميتش ماكونيل” زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، و”نانسي بيلوسي” رئيسة مجلس النواب.

حيث قام “ماكونيل” بمهاجمة “بيلوسي” معتبرًا أن ما قامت به “عمل رديء”، وأن الديمقراطيين يتخوفون من إرسال التهمتين اللتين أقرهما مجلس النواب ضد ترامب إلى مجلس الشيوخ لاستكمال الإجراءات.

لكن “بيلوسي” سارعت بعقد مؤتمر صحفي، وقالت فيه “من صاغوا الدستور الأمريكي وضعوا في حسبانهم إمكانية أن يكون هناك رئيس محتال، لكنهم ربما يضعون في اعتبارهم أن يكون زعيم مجلس الشيوخ محتالًا أيضًا في الوقت نفسه”، في إشارة واضحة منها إلى “ماكونيل”.

مكسب الأمريكيين

بالنسبة للمجتمع الأمريكي فقد تحققت عدة مكاسب من إجراءات محاكمة ترامب التي تمت حتى الآن،، وذلك عبر التأكيد على مبدأ الانتصار للديمقراطية والدستور، وتأكيد أنه لا أحد فوق المساءلة، حتى وإن كان رئيس الولايات المتحدة نفسه، لكن في المقابل زادت الفجوة الموجودة في المجتمع من خلال زيادة الانقسام الحادث بين الحزبين الكبيرين في البلاد.

ورطة لترامب أم الديمقراطيين؟

بالنسبة للديمقراطيين، فإن عامل الوقت غير ملائم، صحيح أن عدم تقديم عريضة الاتهام لمجلس الشيوخ سيشكل نوعًا من استنزاف ترامب، وسيعمل على إبقائه تحت ضغط عدم انتهاء قضية عزله، بدلًا من التفرغ للتركيز على حملة إعادة انتخابه، إلا أن هذه الإستراتيجية قد تفضي إلى انقلاب الرأي العام ضد الديمقراطيين في أية لحظة، في وقت تتطلّع فيه غالبية الناس إلى طيّ صفحة قضية عزل ترامب.

موقف صعب للجمهوريين

أما الجمهوريون؛ فهم في موقف صعب للغاية، خاصة بعد أن وضعهم ترامب هذه المرة في مأزق كبير، ما جعلهم يشعرون بالحيرة أمام كيفية التعاطي مع هذا التطوّر، فقد صار دعمهم له مرتبكًا، لكن هم في النهاية مضطرون إلى تقديم هذا الدعم، لأن إلصاق تلك التهم بترامب أو نجاح عزله، يعني أن تلك السُبّة قد التصقت بالحزب الجمهوري للأبد.

لكن استمرار نواب الكونجرس من الجمهوريين في دعم لترامب وإفشال محاكمته قد يضعهم أيضًا في مأزق أمام الناخب الأمريكي الذي ربما يفقد الثقة في مصداقيتهم مما يؤثر على إعادة انتخابهم في دوائرهم.

كيف يواجه ترامب؟

بالنسبة لترامب؛ فإنه يحضّ حلفاءه الجمهوريين على السيطرة بشكل صارم على مجريات المحاكمة في مجلس الشيوخ، وذلك لضمان تبرئته بشكل سريع. بينما يحاول هو الإبقاء على قاعدته الشعبية التي تؤمن بأفكاره وبه كرئيس، كي تظل تناصره وتدعمه.

ويطمح ترامب إلى أنه في حالة تبرئته، فإنه سيستغل إجراءات العزل كذخيرة في الحملة الانتخابية الرئاسية لتعبئة قاعدته الجماهيرية والتشهير بخصومه السياسيين.

إجراءات المحاكمة

دستوريًا فإن مجلس الشيوخ هو المنوط به محاكمة الرئيس وتحديد ما إذا كان مذنبًا أم لا. وفي مثل هذه المحاكمة يقوم أعضاء مجلس النواب بدور الإدعاء، وأعضاء مجلس الشيوخ بدور المحلفين.

ويرأس جلسات المحاكمة كبير القضاة في المحكمة العليا، وتتطلب إدانة الرئيس وعزله موافقة مجلس الشيوخ المؤلف من 100 عضو بأغلبية الثلثين.

عقبة كبيرة

العقبة في هذه المحاكمة، تكمن في توزيع المقاعد داخل مجلس الشيوخ، حيث يحتل الجمهوريون 53 مقعدًا، فيما يحتل الديمقراطيون 45 فقط، بالإضافة إلى عضوين مستقلين، وتتطلب إدانة ترامب وعزله موافقة 67 عضوًا، مما يعنيّ أن عزل ترامب من منصبه في حالة المساءلة يستلزم موافقة 20 عضوا جمهوريًا، بالإضافة إلى جميع الأعضاء الديمقراطيين والعضوين المستقلين.

محاكمة شكلية أم جادة؟

في حالة لو لم تقم “نانسي بيلوسي” بتجميد عملية تقديم عريضة الاتهام إلى مجلس الشيوخ، فإن معظم التكهنات تشير إلى أن الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ كانت ستلجأ إلى محاكمة وجيزة وسريعة، مستغلة فترة الأعياد والأجازات، وتصوت على الفور بإسقاط التهم الموجهة لترامب، دون النظر في الأدلة أو استدعاء الشهود، ومن ثمّ تنتهي القضية.

لكن الديمقراطيين وعلى رأسهم نانسي بيلوسي يرهنون استكمال الإجراءات بوجود ضمانات لإجراء محاكمة جادة تتضمن الاستماع للشهود، بمن فيه ممن منعهم ترامب من الشهادة أمام مجلس النواب، والإطلاع كذلك على الوثائق التي عطل ترامب حصول مجلس النواب عليها.

بوتين على خط الأزمة

الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” دخل بدوره على خط الأزمة، حيث اعتبر أن إجراءات عزل ترامب “تستند إلى أسس مختلقة”، مضيفًا أنه لا يعتقد أنها تنذر بقرب نهاية حكم دونالد ترامب، واصفًا الأمر بأنه “ببساطة استمرار لنزاع سياسي داخلي بين الديمقراطيين والجمهوريين”.

وأضاف بوتين أن “الاتهام لا يزال يتعين أن يمر عبر مجلس الشيوخ حيث يتمتع الجمهوريون بالأغلبية، ومن غير المرجح أن يزيحوا ممثل حزبهم من منصبه، على أسس مختلقة تمامًا”.

وأشار بوتين إلى أنه يعتقد أن اتهام الكونجرس لترامب باستغلال النفوذ، بسبب محادثة هاتفية مع الرئيس الأوكراني، مجرد حجة يستخدمها الديمقراطيون لعزل ترامب بعد فشلهم في توريطه في مزاعم بأن موسكو تدخلت في انتخابات الرئاسة التي جاءت به إلى السلطة في 2016.

تحول حزبي

في ظل التطورات المستمرة لهذه الأزمة، أعلن النائب الديمقراطي عن نيوجيرسي “جيف فان درو”، من البيت الأبيض أنّه سينضم إلى الحزب الجمهوري، وذلك غداة تصويته ضدّ عزل ترامب.

وعلق ترامب على ذلك بقوله، إنّ “جيف سينضم إلى الحزب الجمهوري، هذا خبر عظيم!”، وأضاف: “نحن سعداء بوجود جيف معنا”.

أما النائب الديمقراطي وبينما كان يجلس إلى جانب ترامب أنّه سيدعمه بشكل ثابت، وقال في سياق حديثه عن تبديل الحزب: “أعتقد ببساطة أنّ الأمر ملائم لي أكثر”، وتوجه إلى ترامب قائلًا: “لكم دعمي الأبدي”.

سيناريوهات محتملة

تاريخيًا؛ لم يحدث من قبل أن تم عزل رئيس أمريكي من منصبه كنتيجة مباشرة للمساءلة، فيما استقال “ريتشارد نيكسون” من منصبه عام 1974م قبل مساءلته، في حين وجه مجلس النواب اتهامات لـ “أندرو جونسون”، و”بيل كلينتون”، لكن مجلس الشيوخ لم يصدر قرارًا بإدانة أي منهما.

العواقب قد تكون دراماتيكية بالنسبة للديمقراطيين، إذا لم يحدث تغيير في البيت الأبيض، وقد ينقلب السحر على الساحر، ويزداد عدد الناخبين المستاءين منهم، خاصة في ظل الأجواء المسمومة وحالة التشرذم التي تشهدها البلاد سياسيًا.

بعيدًا عن أروقة المؤسسات؛ فإن ترامب يخشى أيضا وبشدة أن تؤثر هذه الزوبعة الكبرى على قاعدته الانتخابية الوفية، خاصةً وأنه لم يتمكن من تعزيزها منذ وصوله إلى البيت الأبيض، كما أن مؤشرات استطلاعات الرأي متباينة حول شعبيته.

ماذا لو نجح العزل؟

لكن هل من الممكن أن تنقلب المنضدة رأسًا على عقب، وينجح العزل؟.. هذا احتمال شبه مستحيل، لكن في حالة حدوثه فإن الحزب الجمهوري سينال وصمة عار لن تمحيها السنوات مهما طالت، فيما سيسجل ترامب اسمه في التاريخ كأول رئيس أمريكي يتم عزله!

لكن هناك مخاوف من ألا يستسلم ترامب ومناصريه لفكرة العزل بسهولة، والبعض أطلق مخاوف من نشوب نزاعات أهلية قد تؤججها تصريحات ومواقف ترامب نفسه إذا تم عزله.

ناهيك عن الارتباك والصدمة التي ستنال تداعياتها كل شيء، ليس في أمريكا وحدها، ولكن في العالم كله، خاصة وأن العالم جهز نفسه لسيناريو استمرار ترامب في الحكم، دون أن يكون لديه شك في تجاوز ترامب لمعركة العزل، بل وفوزه في الانتخابات المقبلة بسهولة في ظل عدم وجود منافس ديمقراطي قوي.

بديل عاجز

ولعل عزل ترامب سواء من خلال المحاكمة أو من خلال الانتخابات سيؤدي غالبًا إلى انتخاب رئيس ديمقراطي يحل محله، وهو السيناريو الذي يثير مخاوف أيضًا تتعلق بقدرة الرئيس الديمقراطي الجديد على إدارة أمريكا والعالم بفعالية، خاصة إذا فشل الديمقراطيون في استعادة مجلس الشيوخ.

ففي هذه الحالة فإن الرئيس الديمقراطي لن يكون قادرًا على تمرير الكثير من التشريعات في أول عامين له في منصبه، ولن يتمكن من فعل أي شيء دون الحصول على إذن من ميتش ماكونيل، زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذي سيستمر تحت سيطرة الجمهوريين حتى 2021.

وبذلك لن يتمتع الرئيس الديمقراطي بسلطة تعيين أي قاضٍ في المحكمة العليا، كما لن يستطيع تعيين مرشحيه المفضلين على رأس وزارة الخزانة أو «المجلس الأعلى للتعليم».

وإذا صح هذا السيناريو سنكون أمام رئيس ديمقراطي ضعيف لدرجة العجز عن تمرير أي تشريع طموح تعهد به أمام قاعدته الانتخابية، إلا إذا نجح الديمقراطيون في تحقيق المعجزة بالإطاحة بترامب سواء من خلال المحاكمة أو الانتخابات، واستعادة السيطرة على مجلس الشيوخ والاحتفاظ بالسيطرة على مجلس النواب.

هذا ما يأمله كثيرون، لكنه أمل أقرب إلى حلم.. فهل يتحقق؟.. ربما نعم.. وربما لا.. فالأمر مرون بإرادة الناخبين وما سيقررونه في الانتخابات المقبلة.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين