تقاريرتقارير من أمريكاصوت أمريكا

في يوم “صاحبة الجلالة” الأمريكية.. حرية على المحك وسلطة لا تؤمن بقوة الصحافة

وصول ترامب للرئاسة عزز الخطاب المُعادي لحرية التعبير وقوة الصحافة

تشكيك في مصداقية الصحف أضر بقوتها وتأثيرها حول العالم

أحمـد الغــر

يوافق الرابع من سبتمبر من كل عام، يوم مهنة في الأمريكية، فمنذ أن وُلِدَت أول صحيفة أمريكية عام 1704م، لتتكاثر بعدها الصحف والمجلات إلى جانب المواقع الإلكترونية، والإعلام الأمريكي يحتل ريادة صناعة الخبر والتحليل، لكن مع وصول الرئيس إلى سدة الحكم، بدأت تهتز.

فبخلاف الأزمات المالية التي لحقت بالصحف حول العالم ـ وعلى رأسها الأمريكية بالطبع ـ وأضرت بها نسبيًا، فإن تشكيك إدارة ترامب في مصداقية بعض وسائل الإعلام والصحف الأمريكية قد أضر بقوتها وتأثيرها حول العالم.

وزاد الطين بِلّة.. أن الولايات المتحدة احتلت المركز الـ48 من 180 دولة لهذا العام، استنادًا لمؤشر منظمة “مراسلون بلا حدود”، التي تراقب في العالم، وتصنف الدول بحسب قدرتها على حماية الصحفيين والسماح لهم بتأدية وظيفتهم.

أول صحيفة

قبل أكثر 300 عام تقريبًا، نشر “جون كامبل”، مدير البريد في بوسطن، العدد الأول من رسالة بوسطن نيوز، وكانت ورقة واحدة صغيرة، طبعت على كلا الجانبين، يذكرها التاريخ كأول صحيفة منشورة باستمرار في ، وقد ظهرت Boston News-Letter أسبوعيًا حتى عام 1776م.

ولم تكن هناك منافسة في بوسطن حتى 21 ديسمبر 1719، عندما ظهر العدد الأول من Boston Gazette.

وحتى فيلادلفيا ونيويورك، أكبر مدينتين في أمريكا البريطانية، افتقرتا إلى صحيفتيهما الخاصتين حتى 1719 و1725 على التوالي.

ومع اجتياز عقود متتالية من الزمن، تطورت الصحافة بشكل مذهل، وحدثت زيادة رهيبة وتطور غير عادي في سرعة نقل وشكل وطبيعة الأخبار المنقولة للجمهور.

تراجع مستمر

في عام 2016م، أجرت منظمة “فريدوم هاوس” دراسة واسعة في 199 بلدًا، وجدت من خلال نتائجها أن حرية الصحافة تواجه تهديدات غير مسبوقة، وأنها وصلت إلى أدنى مستوى منذ 13 عامًا، وألمحت إلى أن وصول الرئيس ترامب للرئاسة الأمريكية قد عزز الخطاب المعادي لحرية التعبير وقوة الصحافة.

الدراسة خلُصت إلى أن 13% فقط من سكان العالم يتمتعون بـ”صحافة حرة”، تكون فيها تغطية الأخبار السياسية قوية، وسلامة الصحفيين مضمونة، ويكون تدخل الدولة في شؤون الإعلام عند أدنى مستوى، كما لا تخضع الصحافة إلى ضغوط قضائية أو اقتصادية ثقيلة.

فتعليقات الرئيس ترامب التحريضية ضد الصحفيين العام الماضي، مثل وصفه لعدد من وسائل الإعلام والشبكات الإخبارية الأمريكية بأعداء الشعب الأمريكي، قد ساهمت بشكل رئيسي في تراجع بلاده على مؤشر حرية الصحافة.

وهذا هو التراجع الثالث على التوالي، فبعدما كانت في الترتيب 41 في عام 2016، تراجع ترتيبها في عام 2017 إلى الترتيب 43، ثم في عام 2018 تراجعت مجددا لتحتل الترتيب 45، ثم تقهقرت هذا العام محتلة الترتيب 48.

فحرية الصحافة وحقوق الصحفيين في تدهور مستمر، بسبب جهود السياسيين في معظم الدول، وحتى الديمقراطية منها، لتحديد شكل التغطية الإخبارية ونزع الشرعية عن وسائل الإعلام.

وبحسب “مايكل إبراموفيتز” من “فريدوم هاوس” فإنه “عندما ينتقد السياسيون في دول ديمقراطية الإعلام، فإن ذلك يشجع نظراءهم في دول أخرى على فعل الشيء ذاته”.

حرية متدهورة

لكن هل وصول الرئيس ترامب لحكم الولايات المتحدة كان وحده هو السبب الرئيسي لتدهور حال الصحافة؟

من واقع الحال، وما أظهرته بعض الدراسات، فإن الصحافة الأمريكية تعاني من نوع من التدهور بسبب المتاعب المالية التي يواجهها قطاع الإعلام وزيادة تحزب المؤسسات الإخبارية.

لكن ترامب يسهم بشكل كبير في تدهور الوضع بهجماته على ما يصفه بـ”الأخبار الكاذبة”، وتوصيفه المستمر لوسائل الإعلام بأنها “عدوة الشعب”.

فمثل هذه التصريحات تشير إلى عدائية تجاه المبادئ الأساسية وأهداف حرية الصحافة، خاصة دور الإعلام الإخباري في محاسبة الحكومات على أقوالها وأفعالها.

وأسوأ ما في الأمر أن هذه الممارسات ساهمت في تراجع الولايات المتحدة، ولم تعد هي النموذج والمعيار الذي تستلهم منه الدول الأخرى، بل وأسقطت الصورة الراسخة بأنها حجر الزاوية في الديمقراطية العالمية.

عداء قديم ـ متجدد

خلال حملته الانتخابية للرئاسة وصف ترامب وسائل الإعلام بأنها عدوة الشعب، إثر نشر واشنطن بوست تصريحات قديمة له عدت مسيئة للنساء، وقد اضطر للاعتذار عنها، ولكنه شن حملة شعواء ضد وسائل الإعلام التي اعتبرها منحازة لمنافسته الديمقراطية “هيلاري كلينتون”.

وعقب تنصيبه شن المتحدث باسم البيت الأبيض هجومًا على وسائل الإعلام وخاصة “سي إن إن” التي قارنت بين حضور حفل تنصيب أوباما عام 2013، والذين حضروا تنصيب ترامب عام 2017، وخلال هذه الفترة شككت شبكة “إم إس إن بي سي” في صحة ترامب العقلية.

في حين شارك ترامب في الهجوم معتبرًا شبكة فوكس، وهى المفضلة لديه، هي الأعلى مشاهدة بالمقارنة بـ “سي إن إن” التي قال عنها إنها تنشر أخبارًا كاذبة.

وقد لجأ ترامب في هجومه على وسائل الإعلام إلى الخطابة وسط حشود من مؤيديه، أو التغريد على تويتر، حيث نشر فيديو بدا فيه وكأنه يصرع شبكة “سي إن إن”.

لسنا أعداء أحد

وكرد فعل على هجوم الرئيس ترامب المتواصل على الصحف ووسائل الإعلام، فقد أطلقت الصحف الأمريكية مبادرة تحت هشتاج بعنوان “لسنا أعداء أحد” EnemyOfNone#، وقادت الحملة صحيفة “بوسطن غلوب” وانضمت إليها أكثر من 300 صحيفة ووسيلة إعلامية في البلاد.

وقد تحدثت “بوسطن غلوب” في إحدى افتتاحياتها: “لدينا اليوم في الولايات المتحدة رئيس خلق شعارًا يقول إن وسائل الإعلام التي لا تدعم بشكل صارخ سياسات الإدارة الأميركية الحالية هي عدوة الشعب، الصحافيون ليسوا أعداء، هذه واحدة من الأكاذيب العديدة التي أطلقها هذا الرئيس”.

أما “نيويورك تايمز”، وهى إحدى أكثر الصحف المستهدفة من انتقادات ترامب، فقد نشرت في أحد أعدادها بعنوان ضخم كتب بالأحرف العريضة “الصحافة الحرة بحاجة إليكم”، متحدثة عن حق للناس في انتقاد الصحافة إذا أخطأت، لكن “الإصرار على أن الحقائق التي لا تعجبك هي أخبار كاذبة، خطر على شريان حياة الديمقراطية، وتسمية الصحفيين بأنهم أعداء الشعب مسألة خطيرة”.

وفي إطار التضامن مع نفس الحملة، تحدثت صحيفة “ديموان ريجستر” التي تصدر في إيوا: “الأعداء الحقيقيون للشعب الديمقراطي هم من يحاولون خنق الحقيقة بجعل من يوصلها يبدو شريرًا”، مؤكدة على أن مساعي ترامب تهدد دور الصحافة كمراقب لانتهاكات السلطة، كما أن هذه المساعي تعرض المادة الأولى من للخطر التي تضمن حرية الصحافة.

حتى إدارة (أوباما) أيضًا

إدارة الرئيس الأمريكي السابق “” مارست هي الأخرى ضغوطًا على الصحفيين لكشف مصادر التسريبات الحكومة أو المعلومات التي لا يفترض أن تنشر على الملأ.

ففي عام 2013م، حصل محامون تابعون لإدارة أوباما على سجلات هاتفية لصحفيين تابعين لوكالة “أسوشيتد برس”، وكذلك اتسم رد الحكومة بالبطء، وأحيانا الرفض تجاه طلبات صحفية بالكشف عن معلومات.

وفي يناير 2012 وجهت صحيفة “واشنطن بوست” ضربة قاضية تسئ إلى سمعة الولايات المتحدة التي تقدم نفسها دوما كنموذج  للتعبير عن الحريات وتدعي احترامها لحقوق الإنسان‏، عندما تحدثت في أحد تقاريرها عن 10 أدلة علي أنها لم تطبق شيئا من الحقوق التي تنتقدها في كل دول العالم.

مشيرةً إلى قائمة طويلة من القوانين والممارسات الموجودة داخل الولايات المتحدة منذ أحداث11 من سبتمبر2001، التي غيّرت شكل السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية، وجعلت منها دولة لا تتمتع بالحرية كما يتوهم الأمريكيون.

أسطورة الحرية

في كتاب صدر بعنوان “أسطورة حرية الصحافة”، الذي كتب مقدمته الكاتب والروائي الأمريكي “جورفيدال”، يستعرض عدد من ألمع وأبرز الصحفيين الأمريكيين تجاربهم خلف الكواليس في الصحف وشبكات التليفزيون، وعلي مر سنوات طويلة من العمل الصحفي.

العجيب أن كل التجارب كانت مثيرة إلى الدهشة التي تصل إلي حد الصدمة، كاشفةً بجلاء عن السياق الذي تحركت من خلاله وسائل الإعلام والصحافة الأمريكية من خلاله في تغطية الأحداث التي وقعت في أعقاب 11 سبتمبر.

أكاذيب وأنصاف حقائق تسود باستمرار، ويتم توظيفها في خدمة السياسة التي يرسمها مسئولي الأحزاب الكبرى، وما تم كشفه في “ويكيليكس” من معلومات صادمة حول أن شركة جوجل سبق وأن كشفت معلومات شخصية لصحفيين يستخدمون بريدها الالكتروني “جي ميل” من خلال تسليمها لجهات حكومية لا يروق لها نشاط أولئك الصحفيين.

هجمات واعتداءات

في عام 1974م، حدد عالم الاجتماع الأمريكي “جيمس دبليو كاري” مشكلة الصحافة في أنها تشهد توسعًا مطردًا وبطيئًا في الحرية والمعرفة، هذا بخلاف النكسات التي تعانيها في الإثارة والصحافة الصفراء، وهو ما يؤثر على تقدمها إلى الأمام وقدرتها على كشف عن المستور والقيام بمسؤوليتها الاجتماعية.

ولا يمكن إنكار الهجمات المؤسسية على الصحافة في الولايات المتحدة، ومن أشهرها حادثة صحيفة “كابيتال جازيت” في يونيو الماضي بمدينة أنابوليس التابعة لولاية ميريلاند، حيث قتل 5 صحفيين يعملون في الصحيفة، إثر هجوم قام به رجل مسلح كان قد خسر قضية رفعها على الصحيفة.

أيضا حادثة الطرود المفخخة التي أرسلها “سيزار سيوك” إلى عدد من السياسيين الديمقراطيين، وكذلك إلى مكتب شبكة “سي إن إن” الإخبارية.

وأيضا قضية “كريستوفر هاسن” الضابط الذي اُتهِمَ بتخزين الأسلحة لمهاجمة صحفيين وسياسيين ليبراليين.

وقد أظهر استطلاع للرأي، أجرته جامعة كوينبياك الأمريكية، أن 51% من الناخبين الجمهوريين يعتقدون بأن الصحافة “عدوة للشعب مقابل كونها جزء مهم من الديمقراطية”.

وفي تجمع رئاسي في فلوريدا في يوليو 2018 ، صورت شبكة “سي إن إن” مقطع فيديو لمؤيدي ترامب وهم يصرخون بالشتائم والسباب في وجه الصحفيين الذين يغطون التجمع.

صحافة الانترنت

النمو السريع لشبكة الإنترنت، خاصة مع بداية الألفية، كان له تأثير واضح على سرعة نقل الأخبار، وكذلك الإعلانات المبوبة التي تُنشر للجمهور، وهو ما أثّرَ سلبًا على إيرادات الصحف والمجلات الورقية.

ولم يكن خفيًا على أحد حالة الإفلاسالتي كادت أن تصل إليها بعض الصحف الكبرى، مثل: روكي ماونتن نيوز، وشيكاغو تريبيون، ولوس أنجلوس تايمز، وغيرها.

والتي أنقذها من هذه المحنة بعض الحلول المبتكرة، مثل: التحول إلى منصات متعددة ونظام الدفع والاشتراك المسبق للإطلاع على الأخبار، إلى جانب الحلول التقليدية مثل: تقليص العاملين، وذلك لمواجهة تحدي البقاء.

خطر كبير

“إذا انحرف النقاش السياسي صراحة، أو ضمنًا إلى ما يشبه أجواء الحروب الأهلية، حيث يتم التعامل مع الصحفيين بوصفهم أكباش فداء، فإن الديمقراطية في خطر كبير”، هكذا تحدث “كريستوف ديلوار”، الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود.

وأضاف أيضًا أن “الوقف الفوري لمسلسل التخويف مسألة غاية في الأهمية لكل الذين يقدرون الحريات المكتسبة عبر التاريخ”.

إن تعليقات الرئيس دونالد ترامب هي بمثابة تحريض لتهديد الصحفيين الذين يقومون بتغطية نشاطاته وأخبار إدارته، وقد تفتح تصريحاته الهجومية عليها بابًا من العدائية نحوها، قد يصعُب غلقه.

وفي يوم مهنة الصحافة في أمريكا.. من الضروري أن نجدد التأكيد على قيمتها وأهميتها في حياة الأمريكيين، أو كما قال الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش”، في بيان له: “لا تمام للديمقراطية إلا بالوصول إلى معلومات شفافة وموثوقة”.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: