أخبار أميركاتقارير

بايدن ومواجهة العنصرية.. هل يكفي التنوع في التعيينات؟

هاجر العيادي

أشهر قليلة تمر عن تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة، ويومًا بعد يوم تتكشف ملامح سياسة إدارته الجديدة، والتي تعتمد في أغلب تعييناتها إلى عناصر عملت سابقاً ضمن إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

ورغم الجدل المثار حول هذا الأمر، وقول الجمهوريين إن إدارة بايدن ستكون نسخة ثانية من إدارة بايدن، إلا أن الإدارة الجديدة لفتت الأنظار بعيدًا بانتهاج سياسة جديدة في التعيينات تعتمد على التنوع، حتى وصفت بأنها الإدارة الأكثر تنوعًا في تاريخ البلاد.

وإلى جانب مراعاة إدارة بايدن اختيار أصحاب الكفاءات والخبراء، فقد عمدت إلى أن يكون أصحاب هذه الكفاءات متنوعين بين أصحاب البشرة السوداء والبيضاء، والمهاجرين والسكان الأصليين، بل وحتى المثليين والمتحولين جنسيًا، كما تضم ذوي أصول عربية ومسلمة وأفريقية وشرق آسيوية، بالإضافة إلى تمثيل غير مسبوق للمرأة في المناصب العليا المهمة.

ويرى مراقبون أن بايدن أراد من تلك السياسة إعلان قطيعة مع سياسة سلفه دونالد ترامب التي كرست للكراهية وتفوق العرق الأبيض والتمييز العنصري، وهو ما تعهد بايدن بمواجهته والقضاء عليه.

لكن مراقبين يرون أن القضاء على هذا الإرث العنصري الذي خلفته إدارة ترامب يحتاج إلى وقت طويل وجهود كبيرة تتجاوز مسألة التعيينات إلى تغيير حقيقي على الأرض للقضاء على كافة أشكال وممارسات الكراهية والعنصرية.

ولعل استمرار الاحتجاجات والمظاهرات المناهضة للعنصرية وممارساتها حتى الآن يؤكد هذا الأمر، ومن بينها الاحتجاجات الأخيرة ضد الجرائم العنصرية التي تمارس بحق الأمريكيين من أصول آسيوية وسكان جزر المحيط الهادئ، والتي اندلعت عقب مقتل 8 أمريكيين من أصل آسيوي في حوادث إطلاق نار بمنتجعات صحية في منطقة أتلانتا، وغيرها من الحوادث المماثلة.

فهل ستنجح سياسة التنوع في تعيينات إدارة بايدن، ونهج الإدارة الجديدة في القضاء على التمييز العنصري، أم أن الوقت مازال مبكرًا للحكم على ذلك

“راديو صوت العرب من أمريكا” حاول الإجابة عن هذا التساؤل على لسان بعض الإعلاميين والخبراء والمحللين السياسيين.

تعيين الملونين لايكفي

البداية كانت مع الكاتب والباحث في الدراسات الإستراتيجية، مصطفى عطية، والذي أكد تجذر التمييز العنصري في الولايات المتحدة، قائلًا: “يجب الإقرار في البدء بأن التمييز العنصري متجذر بعمق في الثقافة الاجتماعية لأمريكا البيضاء وذلك بالرغم من القوانين والتشريعات التي تم سنها على امتداد سنوات عديدة”.

ولفت إلى أنه على الرغم “من ظهور تيارات متنوعة المشارب لمواجهة هذه الآفة العنصرية الخطيرة التي تنهش المجتمع الأمريكي إلا أن التمييز العنصري لايزال موجودًا”

مصطفى عطية

وأرجع عطية تفاقم هذه الظاهرة إلى “ظهور مجموعات يمينية متطرفة تنهل من مستنقعات التمييز العنصري البغيض بكل ما فيها من حقد وكراهية وعنف لغوي ومعنوي ومادي”، في إشارة إلى السياسيين اليمينيين الشعبويين، على حد قوله.

لافتًا إلى أن هذا النوع من السياسيين “مارس التحريض بطرق مباشرة وغير مباشرة بهدف الحصول على أكبر نسبة ممكنة من أصوات الناخبين البيض المتطرفين.”

في المقابل يرى عطية أن من أسماهم بالمعتدلين، بقيادة تيارات من داخل الحزب الديمقراطي والجمعيات والمنظمات الحقوقية بما في ذلك الرييس جو بايدن، تعمل على مواجهة هذا المد العنصري الخطير والمتفاقم على إيقاع الانفلات الحاصل في منصات التواصل الإجتماعي، والتي أصبحت وسيلة لبث الكراهية “

وفي هذا الصدد قال: “لا شك أن تعيين “الملونين” ضمن طواقم إدارة جو بايدن الجددية يحمل دلالات إيجابية، من شأنها أن تساهم في نشر الوعي بخطورة ظاهرة العنصرية على وحدة المجتمع الأمريكي وقيمه”.

وأكد عطية أن هذه التعيينات وحدها لا تكفي لمواجهة هذا الخطر الداهم، إذ لا بد من حزمة جديدة وجريئة من القوانين والتشريعات الرادعة، لأن التشريعات الحالية إهترأت، وأصبحت قابلة للتجاوز والاختراق”.

العنصرية لن تتبخر 

ويتفق الإعلامي والمحلل السياسي، الدكتور عاطف عبد الجواد، مع ما قاله مصطفى عطية قائلًا إن “العنصرية لن تتبخر بالتعيينات، لأنها مترسخة في نفوس البعض، ولن يتم القضاء عليها بالتعيينات والتنوع العرقي في الوظائف الحكومية العليا فقط”.

وأوضح عبد الجواد أن التعيينات استراتيجية جيدة، لكنها لن تكون وحدها كافية للقضاء على التمييز العنصري بصفة نهائية، وذلك بسبب تجذر ظاهرة التمييز في المجتمع الأمريكي.

وقال إن “المفارقة هي أن التنوع العرقي الموجود في الولايات المتحدة يستند إلى قلق العرق الأبيض من أن الهيمنة على المجتمع تنفلت من أيديهم شيئًا فشيئًا”.

وتابع: “توضح الإحصاءات أنه بحلول العام 2050 ستصبح الأقليات في أمريكا هي الأغلبية، ليس أقلية بعينها، ولكن إجمالي الأقليات سيصبح الأغلبية أمام العنصر الأبيض”.

وفيما يتعلق بإدارة بايدن واعتمادها على التنوع يرى الإعلامي عاطف أن حكومة بايدن هي دون شك الأكثر تعددية وتنوعا حتى أن بعض الأقليات الصغيرة الأخرى تطالبه الآن بأن يكون لها نصيب في هذه التعيينات”، على حد قوله.

وأضاف: “هذه التعددية العرقية والتنوع العنصري سوف يسهم في تخفيف العنصرية في المجتمع، ولكنه لن يقضي عليها تمامًا. ولعل من الظواهر التي لاحظناها مع قدوم دونالد ترامب الى البيت الأبيض أن جماعات التطرف العنصري الأبيض، التي كنا نظن أنها اندثرت واختفت الى الأبد، عادت إلى الظهور، ودبت فيها الحياة بعد اختفاء طويل، مثل جماعة “كو كلوكس كلان” وجماعات أخرى جديدة”.

الإعلامي د. عاطف عبد الجواد

وقال عبد الجواد إن “التعيينات التي أقدم عليها بايدن، فضلا عن التعددية الأكبر الموجودة في الكونجرس، سوف تسهم في ظهور تشريعات وممارسات جديدة، تعمل على تهميش العنصرية بوتيرة أسرع”

وشدد على أن “التعددية العرقية الموجودة في المجتمع الأمريكي تعد سببًا في استمرار وجود العنصرية، ليس فقط بسبب مخاوف البيض من فقدان هيمنتهم التقليدية والتاريخية على المجتمع، بل أيضًا لأن معظم مجتمعات العالم الأخرى كلها مجتمعات متجانسة عرقيًا، لأنها لا تفتح أبوابها للهجرة مثل أمريكا”.

وأوضح الدكتور عاطف عبد الجواد أن “هناك دولا عربية لا تمنح الجنسية للمهاجرين إليها للعمل، ومهما طال وجود هذه العمالة في تلك البلاد فإنها لا تحصل على الجنسية. وهذا بعكس الولايات المتحدة.” على حد تعبيره.

وحول ما إذا كانت سياسة بايدن في التعيينات تمثل استراتيجية واضحة للقضاء على التمييز العنصري قال الدكتور عبد الجواد إن “ميزة تعيينات الرئيس بايدن هي أنها تشكل سابقة مهمة سوف يحتذي بها رؤساء آخرون في المستقبل. وهذا يعني أن التمييز العنصري حتى وإن استمر في المجتمع الأمريكي لعقود طويلة مقبلة، إلا أنه سيكون بدرجات متناقصة. فقد بدأ هذا التمييز بالعبودية أو الرق، ثم خاضت الولايات المتحدة حربًا أهلية بسبب إلغاء العبودية. واغتيل أبراهام لنكولن نتيجة لذلك.

وتابع: “في الستينيات والسبعينيات تحققت قوانين الحقوق المدنية، واغتيل مارتن لوثر كينج نتيجة لذلك. ورغم هذا التقدم استمر التمييز العنصري. ومن المؤكد أن تعيينات بايدن ستسهم في تعزيز الحركة نحو القضاء على التمييز العنصري، ولكنها ستكون خطوة أخرى على الطريق، ولكنها لن تقضي تمامًا على هذا التمييز”.

مهمة صعبة

من جانبها عبرت الصحافية التونسية يمنية حمدي عن اعتقادها بأن تعيين الرئيس جو بايدن لشخصيات من مجتمع السود، ومن خلفيات متنوعة عرقية وأيديولوجية، هي خطوة إيجابية لمعالجة قضايا العنصرية التي طفت على السطح في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

وقالت حمدي، محررة شؤون الأسرة والمجتمع في صحيفة العرب اللندنية: “لا يبدو من السهل القضاء على نزعة تفوق العرق الأبيض والإرهاب الداخلي في المجتمع الأمريكي، والذي يعاني من إرث عرقي وإيديولوجي، فمثل هذا الأمر لا يتطلب فقط تعيين قلة من السود في مناصب رفيعة بالحكومة، فيما ترزح الطبقات الدنيا من الأمريكيين السود تحت التمييز وظروف الحياة القاسية”.

واستحضرت حمدي مقولة شائعة لعالم النفس الاجتماعي البريطاني ريتشارد هوغارت قال فيها إن “التمييز بين الطبقات لا يختفي، لكن الطبقات تتعلم طرقاً جديدة للتعبير عن نفسها. ومع كل عقد من الزمان نقول إن الطبقية ماتت، لكن الكفن يبقى فارغاً”.

يمينة حمدي

وقالت حمدي، المقيمة في لندن منذ سنوات، إن “العنصرية في المجتمع الأمريكي عميقة الجذور، وليس من السهل على الرئيس بايدن انتزاعها بسهولة، لأنها تحتاج إلى عقود من الممارسة والتثقيف والاندماج وتجريم الفصل العرقي وتحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم للأمريكيين الأفارقة، وما لم يتحقق ذلك فإن البلاد ستعاني من موجات غضب متجددة مرارًا وتكرارا”.

واختمت كلامها قائلة: أرى أنه من السابق لأوانه القول إن بايدن نجح أو فشل في القضاء على العنصرية، لكنه قطع بعض الخطوات الوئيدة على الطريق الصحيح.

بايدن قد ينجح.. ولكن!

وفي نفس الإطار أكد الإعلامي والمحلل السياسي، مختار الدبابي، أنه “لا يمكن الحديث عن إجراءات للقضاء على التمييز العنصري في الوظائف مهما كان الشخص الذي يقف وراءها، فالتمييز على أساس اللون هو وليد ثقافة تمييزية مستمرة منذ قرون في الولايات المتحدة، ومن الصعب أن يواجهها أي شخص مهما كان موقعه”.

مختار الدبابي

وأضاف: “لكن خطوات بايدن في الانفتاح أكثر على أصحاب البشرة السوداء وزيادة تمثليهم في المواقع المتقدمة داخل إدارته أمر جيد، ويمكن أن يكون نواة لتوسيع أكبر في مع رؤساء قادمين، خاصة من الديمقراطيين الذين يحاولون أن يظهروا تعاطفا أوضح مع السود، والدليل ترشيح أوباما لرئاسة البلاد لدورتين متتاليتين”.

وأضاف الدبابي: “المشكلة الآن أن الصراع على أساس اللون أصبح أكثر حدة في الولايات المتحدة بسبب مخلفات حقبة حكم الشعبويين في فترة ترامب، وتشكل مجموعات عنصرية أكثر راديكالية تريد استعادة حكم البيض، وهي لا تخفي موقفها المعادي للسود وللعرقيات الأخرى التي باتت جزءًا من النسيج الأمريكي”.

وتابع: “لا ننسى أن الديمقراطيين يجدون في عداء الشعبوية تجاه مختلف العرقيات فرصة للاستقطاب السياسي وتوسيع الخزان الانتخابي، وهذا عنصر كان محددًا في انتخابات أكثر من ولاية، لكن من الصعب الحديث عن تحول الديمقراطيين إلى نصير لقضايا السود وذوي الأصول الأجنبية فالأمر مرتبط بمناخ اجتماعي وثقافي غير مهيأ لمثل هذه التحولات، خاصة داخل “الجمهور الأبيض” للديمقراطيين أنفسهم”.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين