أخبار أميركاالراديو

بايدن في مواجهة روسيا والصين.. مزيد من الصراعات أم حوار وتعاون؟

حلقة خاصة من برنامج "صوت العاصمة".. مع الإعلامية سميرة بلعكري

تترقب العديد من دول العالم نهج الرئيس الجديد جو بايدن في إدارة ملف السياسة الخارجية الأمريكية، بعضهم يأملون في سياسة مغايرة لسياسة ترامب، وآخرون يخشون تكرار سياسة أوباما.

وما بين الاثنين ينتظر الأمريكيون نهجًا جديدًا يعيد لأمريكا مكانتها كقائدة للعالم، رغم ما قد يواجه ذلك من تحديات، وعلى رأسها تحديات العلاقة مع المنافسين الحقيقيين (روسيا والصين).

كيف سيكون شكل العلاقات الأمريكية مع كل من الدب الروسي والمارد الصيني؟، هل ستشهد مزيدًا من التوتر أم ستتجه لاعتماد نهج الحوار؟.

هل نحن مقبلون على تحالفات تعمل تحت قيادة أمريكية، أم صدامات وصراع على الصدارة يفقد العالم المزيد من الفرص ويلحق به الكثير من الخسائر؟

هذا الموضوع الهام كان محور النقاش في الحلقة الجديدة من برنامج “صوت العاصمة” مع الإعلامية سميرة بلعكري، وضيوفها الدكتور رائد الحلبي، الخبير والمحلل السياسي في الشأن الروسي ورئيس النادي الروسي العربي للأعمال، والأستاذ نور الحضيري، الباحث المصري في الشئون الصينية والآسيوية.

عودة للساحة الدولية

* أبدأ معك أستاذ نور الحضيري.. ودعنا نسأل أولًا: هل سيستمر بايدن في سياسة الانكفاء على الداخل، وعدم الانخراط في السياسة الخارجية، ليفسح المزيد من المجال لروسيا والصين للتغول وتوسيع النفوذ؟

– لا أعتقد ذلك، فمن خلال متابعتي للحملة الانتخابية للرئيس بايدن وتصريحاته أرى أن لديه رغبة في عودة أمريكا للساحة الدولية من جديد، فقد قال إنه سيعود لاتفاق باريس للمناخ ولمنظمة الصحة العالمية، وهو ما حدث بالفعل.

كما سبق وأن انتقد ما فعله ترامب من انكفاء على الداخل، لأن هذا أثر بالسلب على التواجد الأمريكي على الساحة الدولية، وهو ما أعطى الفرصة لروسيا لتوسيع نفوذها في العديد من المناطق، وبصفة خاصة منطقة الشرق الأوسط في سوريا وليبيا.

كما أتاح الفرصة للصين لتوسيع نفوذها في شرق آسيا، وهو ما يختلف معه بايدن كثيرًا وكان ينتقد سياسة ترامب بشأنه، لذا أعتقد أنه سيتوسع وسيحرص على العودة لدور أمريكا القيادي في العالم.

العلاقة مع الصين

* بالمقارنة بروسيا بدا ترامب معارضًا للصين بشكل كامل، وشهدت فترته توترًا شديدًا في العلاقات بين البلدين، هل سيستمر هذا التوتر، أم سيسعى بايدن لتخفيفه؟

– بايدن سيسعى لتخفيف حدة الخلاف مع الصين، فالاختلاف الرئيسي بينه وبين ترامب أن ترامب كان يؤمن بالمباراة الصفرية في تعامله مع الصين، وهو ما يرفضه بايدن الذي يرى أن هناك فرصة للتعاون مع الصين في مواجهة التهديدات العالمية مثل التحديات المناخية ومكافحة التغير المناخي.

ولن تنجح أمريكا في تحقيق ذلك بدون تعاون الصين التي تعد أكبر مصدر في العالم لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. لذلك أرى أنه سيخفف من حدة التوتر مع الصين دون أن يؤدي ذلك للإضرار بالمصالح الأمريكية.

الفيروس الصيني

* في ظل المعاناة الأمريكية الكبيرة من جائحة كورونا، هل سيدعم بايدن توجه محاسبة الصين على تهاونها وتسببها في انتشار الجائحة عالميًا؟

– لا أعتقد أن بايدن سيفعل ذلك، فمسألة الربط بين الصين وانتشار جائحة كورونا عالميًا كانت مسألة سياسية ركز عليها الرئيس السابق ترامب في إطار صراعه مع الصين والضغط الذي كان يمارسه عليها، رغم أنه كان يعلم أن إثبات مسئولية الصين ليس أمرًا سهلًا.

وحاليًا هناك لجنة تحقيق دولية تابعة لمنظمة الصحة العالمية تقوم بالتحقيق في هذا الأمر، وزارت ووهان التي كانت مركز انتشار الفيروس، لمعرفة ما إذا كان هناك تقصير قد حدث من جانب السلطات الصينية، أو إبطاء في الإعلان عما حدث، مما أدى لانتشار الفيروس وعدم السيطرة عليه، وهو ما تنفيه الصين بشكل دائم.

ومن المعروف أن الضرر الناتج عن جائحة كورونا لم يؤثر فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، بل كانت أزمة عالمية عانت منها جميع الدول، ولذلك فمسألة عقاب الولايات المتحدة للصين بسبب هذه الجائحة لا تبدو لي أمرًا منطقيًا، فهذا يتطلب تحركًا دوليًا.

وطالما لم يكن هناك اتفاق عالمي على مسئولية الصين عن انتشار الجائحة بشكل مثبت فلن يتم التحرك في هذا الاتجاه، وبايدن لن يتحرك منفردًا في هذا الملف، وهو أمر لم يتحدث عنه الرئيس الجديد أو أي من مستشاريه، لا قبل الانتخابات أو بعدها.

ومؤخرًا أعلنت الخارجية الصينية أن الصين قدمت مساعدات لنحو 150 دولة من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في إطار ما يمكن أن نسميه دبلوماسية اللقاح، كما قامت الصين بتقديم الكثير من المعدات واللوازم الطبية للولايات المتحدة سواء على شكل مساعدات أو صادرات من المقاطعات الصينية المختلفة، وكل هذه مؤشرات تنفي أن تكون هناك نية لدى الولايات المتحدة على معاقبة الصين على هذه الجائحة، خاصة وأنه لم تثبت مسئوليتها عنه.

* وماذا لو أثبتت لجنة التحقيق الخاصة بمنظمة الصحة العالمية أن هناك تهاون أو تقصير حدث من جانب الصين تسبب في انتشار الجائحة وحدوث كل هذه الأضرار بالعالم كله، كيف سيكون موقف بايدن؟

– ليس هناك سيناريو متوقع لما سيكون عليه الأمر، لكنها ستكون سيناريوهات مفتوحة، وربما مختلفة عما نتوقعه، خاصة بعد ظهور سلالات جديدة من الفيروس في دول أخرى مثل بريطانيا وجنوب إفريقيا، وانتقالها إلى دول العالم الأخرى، فهذا أشبه بما حدث مع الصين، ورغم ذلك لم يتم توجيه اتهامات لهذه الدول بمسئوليتها عن انتقال السلالة الجديدة للفيروس والتي تضررت منها الصين أيضًا.

لكن بشكل عام لو ثبت تورط الصين أو تقصيرها من خلال لجنة التحقيق الدولية، فسيكون الوضع مختلفًا في التعامل مع الصين، وأعتقد أن القرار الأمريكي في هذا الشأن سيكون بالتعاون مع الدول الأخرى.

وربما تواجه الصين عقوبات أمريكية ودولية مؤلمة على اقتصادها، وقد يصل الأمر إلى مطالبتها بدفع تعويضات عن الأضرار والخسائر المادية والبشرية الهائلة التي شهدها العالم بسبب هذه الجائحة، وذلك من خلال قضايا يرفعها مواطنون أمام القضاء الأمريكي.

معركة تكنولوجية

– حشدت إدارة ترامب تأييدًا عالميًا لمقاطعة تكنولوجيا الاتصالات الصينية، مثلما فعل مع شركة هواوي، هل يتوقع أن يستمر بايدن في تنفيذ هذه السياسة؟

– ليس لدي شك في أن بايدن سيكمل ما بدأه ترامب في هذا الأمر، حيث منع توريد الرقائق الإلكترونية لهواوي، والتي كانت تعتمد عليها بشكل كبير في صناعة وتثبيت تكنولوجيا الجيل الخامس، وكان هذا بمثابة ضرة قاضية لشركة هوواي.

كما أجبرت إدارة ترامب حلفائها، مثل بريطانيا وأستراليا، على إلغاء الاتفاقيات مع شركة هواوي بشأن توريد تكنولوجيا الجيل الخامس.

وأعتقد أن بايدن سيكمل ما بدأه ترامب، لأنه هو والكثير من مستشاريه، يدركون خطورة هذه الشركة ويعتقدون في تبعيتها لجيش التحرير الشعبي الصيني، وهناك اتهامات موجهة لها باستخدام تكنولوجيا الجيل الخامس في التجسس، لذلك فهذا الملف تحديدًا من الملفات القليلة التي سيتفق فيها بايدن مع ترامب وسيكمل ما بدأه فيه.

قضايا الصين الداخلية

* هل سيقتصر تعامل بايدن مع الملفات المتعلقة بالمصالح الأمريكية أم سيتطرق أيضًا لمشاكل تعتبرها الصين داخلية مثل قضية هونج كونج وتايوان ووضع مسلمي الإيجور؟

– بالتأكيد لن يقتصر تعامل بايدن مع الصين على الملف التجاري فقط، بل سيعتمد على تعزيز البعد القيمي للسياسة الخارجية الأمريكية، وهو البعد الهام الذي دائمًا ما تستند إليه أمريكا في علاقاتها الخارجية.

فأمريكا تعتبر أنها الدولة الأولى المسئولة عن نشر الديمقراطية في العالم، والدفاع عن حقوق الإنسان، وهذا نهج رئيسي في الحزب الديمقراطي الذي يمثله بايدن، وهذا النهج تخلى عنه ترامب، لكن بايدن سيعتمد عليه في التعامل مع الصين.

وكان هذا واضحًا في مواقف وتصريحات بايدن منذ ترشحه للرئاسة، فبعد إقرار قانون الأمن القومي في جزيرة هونج كونج، الذي يستهدف دعاة الاستقلال والانفصال عن الصين، قال بايدن إنه سيقوم بتوقيع عقوبات على الصين في حالة إقرار قوانين من شأنها أن تغيير طبيعة الوضع الخاص لجزيرة هونج كونج، ويقصد بذلك الطبيعة الديمقراطية.

كما قال إنه لن يسمح للشركات الأمريكية بأن تساند السلطات الصينية في التجسس على الصينيين، لذلك أنا أرى أن بايدن لن يقتصر على الملف الاقتصادي أو التجاري فقط مع الصين، ولكن سيركز أيضًا على ملف تايوان وملف هونج كونج، والمطالبة بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في الصين.

سياسة العقوبات

* هل يعني هذا أن بايدن ربما لن يتخذ إجراءات قاسية بحق الصين كتلك التي سبق أن اتخذها الرئيس السابق دونالد ترامب؟

– ليس بالضبط، فهو لن ينتهج سياسة الحرب التجارية مع الصين بنفس الحدة، ولكنه سيعتمد على الأسلوب الدبلوماسي بشكل أكبر، وربما تخضع العلاقات التجارية بين البلدين إلى مفاوضات جديدة، ويدعم ذلك الانفتاح الذي تسعى إليه الصين في علاقاتها مع الإدارة الجديدة، وتفاؤلها الذي عبرت عنه بعد فوز بايدن

العلاقات مع روسيا

* ننتقل إليك دكتور رائد الحلبي فيما يخص الملف الروسي، ودعنا بداية نتحدث عن توقعاتك لما ستكون عليه سياسة الرئيس بايدن تجاه روسيا، هل ستكون مشابهة لسياسات أوباما، أم أن الرئيس المنتخب سيكون له نهج مختلف؟

– أعتقد أن بايدن سيسير في نفس قالب إدارة أوباما، لأنه كان جزءًا من هذه الإدارة، وقد اتضح ذلك من موقفه من الملف النووي الإيراني على سبيل المثال، وإعلانه عن نيته العودة للاتفاق النووي، وهو ما يشير إلى أن سياسته ستكون على نفس نهج أوباما في التعامل مع روسيا.

وهناك خلافات كبيرة بين الجانبين فيما بتعلق بالقضايا الأساسية الكبرى، ومنها خلافات تتعلق بسباق التسلح والتسليح النووي والصواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وكذلك خلافات بشأن التعامل مع الملف النووي الإيراني، وهذه كلها ملفات شائكة في العلاقات بين البلدين.

أما في القضايا الثانوية مثل الملف السوري واليمني والليبي والأوكراني مثلُا فأعتقد أنه سيكون هناك توافق أكبر وتفاهم مع روسيا بشأن هذه القضايا.

كما أعتقد أنه سيكون هناك توافق أيضًا بين الجانبين في التعامل مع الصين، والتي تمثل خطرًا على الجانبين، لكنها تشكل خطرًا على روسيا أكثر من أمريكا، فروسيا تشعر أنها مهددة بقوة من الصين المجاورة لحدودها، بشعبها البالغ نحو 1.5 مليار نسمة، لدرجة أن روسيا ليس بها استثمارات صينية إلا في أشكال نادرة، فهي تخشى أن يسيطر الصينيون على اقتصادها وربما يحتلونها، وهي مطمع بالنسبة لهم لأنها تشكل سدس العالم ولا يوجد بها سوى 145 مليون نسمة.

وفي كل الأحوال الأمر بين أمريكا وروسيا يحتاج إلى بعض الوقت وبعض الثقة لكي يكون هناك توافق وتعاون بين الطرفين بشأن العلاقات الثنائية والقضايا الدولية

بايدن وبوتين

* اعتمدت سياسة ترامب مع روسيا على التناقض، فقد كان متسامحًا بشكل شخصي مع بوتين، فيما اتجه لفرض عقوبات على روسيا، هل سيستمر هذا الأمر مع بايدن؟، وكيف سيكون شكل العلاقة بين بايدن وبوتين؟

– لا أعتقد أن التعامل سيكون هو نفسه، فالرئيس بوتين والرئيس بايدن سياسيين مخضرمين، ولهما باع طويل في عالم السياسة، أما ترامب فلم يكن سياسيًا، لذلك فيمكن لبايدن وبوتين بوزنهما السياسي الثقيل أن يصلا لتفاهمات في القضايا غير الشائكة الأقل خطرًا على الأمن القومي للبلدين، فيما سيستمر الخلاف في القضايا الأخرى الشائكة التي قد تمثل خطرًا على أي منهما مثل الدرع الصاروخي لأوروبا، فهذا الأمر تراه روسيًا خطرًا على أمنها القومي، وكذلك سباق التسليح بين البلدين.

وحتى في بعض هذه القضايا أعطى الرئيس بايدن مؤشرات إيجابية، وأعلن أنه مع تمديد العمل بمعاهدة ستارت، وهذا أمر سينعكس إيجابيًا على البلدين، خاصة وان اقتصادهما منهك ولا يحتمل الدخول في سباق عسكري. فحجم الدين القومي الأمريكي اليوم يبلغ 27 تريليون دولار، فيما يبلغ حجم الإنتاج القومي 21 مليار دولار، ورغم أن الاقتصاد الروسي ربما يكون في وضع أفضل، لكن لا يمكن لروسيا تحمل الدخول في منافسة مع أمريكا في المجال العسكري.

وحاليًا ميزانية أمريكا العسكرية في حدود 770 مليار دولار، وهي تعادل 16 مرة ضعف الميزانية العسكرية الروسية التي تلغ 70 مليار دولار، في المقابل فإن قدرات التصنيع الروسية أعلى، لأن روسيا تعتبر قارة بمساحتها الضخمة، لذلك تفضل روسيا أكثر إنتاج الصواريخ والمنظومات الصاروخية ولا تتجه للطائرات وحاملات الطائرات مثل أمريكا.

قضية نافالني

* بدأ بايدن ولايته بإدانة اعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني، وهو ما اعتبرته روسيا تدخلا في شئونها الداخلية، إلى أي مدى يمكن أن يؤثر هذا الأمر على العلاقات بين البلدين؟

– روسيا لديها تخوف دائم مما يسمى بـ”الثورات الملونة”، خاصة في الدول المستقلة التي توجد في محيطها، فأغلبها أنظمة شمولية، وروسيا تخاف أن يحدث انفجار بهذه الجمهوريات، لأن أي انفجار شعبي لا يمكن التنبؤ بتطوراته.

لكن في الداخل الروسي نفسه أعتقد أنه لا توجد مخاوف من حدوث ثورة، ولا أعتقد أن موضوع نافالني يشكل خطرًا كبيرًا على النظام السياسي الروسي، لأن الروس عانوا في مرحلة يلتسن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث كان الاقتصاد منهارًا وهناك حالة إفلاس ولا توجد رواتب، ولعب بوتين دورًا كبيرًا في إصلاح كل ذلك وأعاد توحيد روسيا ونهض باقتصادها وأعاد لها مكانتها على الساحة الدولية.

لكن بالتأكيد هناك تأخر في مجال مكافحة الفساد في روسيا، والنظام الحكومي لا زال يعاني من وجود ثغرات كبيرة تساعد على استمرار الفساد، ونافالني يدعو إلى محاربة الفساد في روسيا، وأعتقد أنه محق في دعوته.

ونحن لسنا ضد هذه الفكرة، لكن روسيا ليست هي الاتحاد السوفيتي القديم، لكنها تعتبر دولة حديثة عمرها 20 أو 22 سنة فقط، وبالتأكيد الشعب الروسي يدرك هذا الأمر، ويتمنى محاربة الفساد، لكنه لا ينسى أن بوتين هو من أصلح الأوضاع وقضى على المافيا وأعاد الرواتب وطور الصحة والتعليم ووحد روسيا ورفع قيمة الجيش الروسي الذي كانت معنوياته منهارة بعد خسارته من الشيشان فأعاد بناءه وطوره.

المصالح أم المبادئ؟

* لكن دكتور هناك احتجاجات كبيرة ومؤيدين لنافالني ومعظمهم من الشباب الذين يطالبون بالتغيير ورحيل بوتين، كما يطالبون بالإفراج عن نافالني ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وهو مطلب يلقى تأييدًا من جانب الرئيس بايدن، فكيف تتوقع أن تكون إدارة هذا الملف بين البلدين؟

– في السياسة نعرف أن المصالح تتغلب على المبادئ، بل يمكن القول إن المبادئ تستخدم كغطاء لتمرير المصالح، وهناك حروب وصراعات دائرة حالية مات فيها الملايين من الناس ولم يتحرك أحد لوقفها أو لإنقاذ الناس، مثلما حدث في ليبيا وسوريا واليمن، فكلهم يتكلمون عن المبادئ لكنهم يفعلون ما تمليه عليهم المصالح، التي هي في الأساس سلاح قوي للضغط على أي طرف.

لكن بغض النظر عن ذلك فلابد بالفعل من محاربة الفساد في روسيا، وكان من الخطأ اعتقال نافالني، فهو يمثل جزءً كبيرًا من المعارضة، وهذه تصرفات خاطئة، وتمثل مدخلًا لبايدن في الضغط على روسيا، وأحد الأوراق التي سيستخدمها في المرحلة المقبلة.

ولو كانت روسيا قد انتهجت الحوار مع نافالني لما كنا وصلنا لهذه التطورات والاحتجاجات، ولما أهدت سلاحًا لبايدن وغيره ليستخدمه ضد روسيا.

التدخل الروسي في الانتخابات

* تعهد بايدن برد فعل قوي على التدخل الروسي في الانتخابات فكيف سيتعامل مع هذه القضية؟

– في رأيي أن هذه القضية أثارها الديمقراطيون في عهد ترامب لأنهم كانوا بحاجة إلى عدو وهمي ينسبون إليه أسباب طعنهم في نتيجة الانتخابات وشرعية فوز ترامب، وكل التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمريكية في هذا الشأن لم تتوصل إلى شيء، ولم تثبت وجود هذا التدخل.

لذلك لا اعتقد أن هذه القضية سيكون لها تأثير كبير في العلاقات بين أمريكا وروسيا، وإذا تم استخدامها سيكون من باب الضغط السياسي للحصول على مكاسب أكبر في قضايا أخرى.

قتل الجنود الأمريكيين

* هل سنشهد فتح ملف المكافآت الروسية لطالبان مقابل استهدف القوات الأمريكية في أفغانستان؟

– قولًا واحدًا، لا أعتقد أن روسيا مهتمة بدعم طالبان، وليس لديها مصلحة في هذا الأمر، لأن أي دعم لهذه الحركة سينعكس سلبًا على روسيا، ومثل هذا الدعم سيفجر بركان الأنظمة الشمولية الموجودة على حدود روسيا، والتي تمثل بقايا الاتحاد السوفيتي، مثل طاجاكستان وكازخستان وغيرها.

* لكن بالرغم من ذلك هناك اعتقاد أمريكي وبصفة خاصة لدى الديمقراطيين والرئيس بايدن بأن روسيا قامت بذلك وخصصت مكافآت لمقاتلي طالبان بهدف قتل الجنود الأمريكيين هناك، فكيف سيتم التعامل مع هذا الملف؟

– نعم، ولكن هذه المزاعم لا زالت تحتاج إلى إثباتات، ومن الصعب إثباتها، تمامًا مثلما حدث مع مزاعم التدخل الروسي في الانتخابات، ولا زلت أؤكد أنها كلها مجرد أوراق ضغط على روسيا للحصول على مكاسب في قضايا أخرى.

وأؤكد أيضًا أن دعم طالبان سيقربها أكثر من الحدود الروسية، لذلك من غير المنطقي أن تقوم روسيا بدعم طالبان، لأن هذا سيفجر الأوضاع في الدول المجاورة للجنوب الروسي.

روسيا والعالم العربي

* وكيف في رأيك سيواجه بايدن زيادة النفوذ الروسي في العالم العربي، خاصة في سوريا وليبيا؟

– أمريكا ليست مهتمة كثيرًا بمنطقة الوطن العربي حاليًا، فهي تمتلك احتياطيات نفط وغاز كبيرة، وهي بعيدة عن أي تهديد، ولا تشكل لها هذه المنطقة أي تهديد.

وقضايا سوريا وليبيا من القضايا الثانوية التي لن تؤثر كثيرًا على العلاقات بين أمريكا وروسيا، سواءً اتفقا أو اختلفا بشأنها، فمثل هذه الساحات تكون مساحة لاستعراض العضلات، لأنها تكون غير مكلفة لهما.

ففي الملف السوري مثلًا نجد أن سوريا من أقل ساحات الصراع تكلفة بالنسبة للبلدين، فأمريكا موجودة في شمال سوريا، وروسيا موجودة في الشمال الشرقي والشمال الغربي، ويحرص كل منهما على إحداث التوازن من خلال تواجده، وبينهما اتفاق ضمني غير مباشر على مساحة حركة كل منهما.

وقد تحدث مناوشات وخلافات بين الجانبين هناك قد تهدف للحصول على مكاسب أكبر لكنها لن تصل أبدًا لحرب بينهما، وبشكل عام لا أعتقد انه سيكون هناك تصعيد كبير بين أمريكا وروسيا فيما يتعلق بالملفين السوري والليبي.

توازن العلاقات

* إذن دكتور رائد.. كيف تعتقد أن يوازن بايدن بين التعامل مع الملفات الشائكة في العلاقات بين البلدين، وتلك التي تتطلب تعاونًا وحوارًا مثل معاهدة الحد من الترسانة النووية وغيرها من القضايا الدولية الهامة؟

– اعتقد أنه يجب طرح أفكار مشتركة بين البلدين، وأعني بذلك الأفكار التي تتعلق بالقضايا والمشاكل الكبرى، لأنه كما قلت سابقًا فإن الثقة والتفاهم بين أمريكا وروسيا سيكون في الملفات الصغرى مثل سوريا وليبيا وأوكرانيا، والتي ربما سيكون التفاهم فيها قاعدة لتفاهم آخر في ملفات كبرى.

* في ختام حلقتنا من برنامج صوت العاصمة، أتوجه بالشطر لضيفي من موسكو الدكتور رائد الحلبي، الخبير والمحلل السياسي في الشأن الروسي، ورئيس النادي الروسي العربي للأعمال، كما أشكر ضيفي من الصين، الأستاذ نور الحضيري الباحث المصري في الشئون الصينية والآسيوية، وشكرًا لكم مستمعينا الكرام عبر أثير صوت العرب من أمريكا وإلى لقاء آخر إن شاء الله.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين