أخبارفن وثقافة

دراسة تكشف حقائق جديدة عن نصوص أدبية تحمل أسماء مستعارة في أوروبا

مروة غنيم: الكتابة تحت اسم مستعار من التقاليد القديمة المستمرة حتى وقتنا هذا

أجرى الحوار: حسام عبد القادر

البحث في التاريخ له مذاق خاص، فعشاق التاريخ وباحثوه يتمكنون من إزاحة الستار دائمًا عن كثير من الخبايا والأسرار التي تظل غامضة وقتًا طويلًا يصل إلى عدة قرون.

والبحث في التاريخ قد يصحح لنا كثير من الأفكار المغلوطة التي قرأناها في كتب تسمى “كتب تاريخ” أيضًا، وهكذا يأتي دائمًا من يجدد لنا الأفكار وينير لنا الطريق، وهو الدور الصعب، والمهمة الثقيلة للباحثين في التاريخ.

ولكن ماذا إذا كان عاشق التاريخ هنا قد تمكن من الربط بين حقبة تاريخية صعبة لقلة مصادرها، وهي القرن الثامن عشر، ومنطقة مليئة بالأحداث هي أوروبا، والأخطر هو الموضوع والذي يتحدث عن الكتابات المجهولة للأدباء والكتاب في هذه الحقبة بأوروبا.

فرغم انتشار المعرفة وانتشار الابتكارات والاختراعات، وزيادة معدلات القراءة والكتابة في القرن الثامن عشر بأوروبا، ونمو إنتاج الكتب، إلا أن هذا العصر شهد كثير من الكتابات الأدبية ونشر الأعمال مجهولة بدون اسم أو بأسماء مستعارة، وتعددت الأسباب منها ما هو ثقافي، سياسي، وأيضًا ديني بسبب الخوف من الكنيسة.

دراسة مهمة وباحثة مميزة

هذا الموضوع تصدت له الباحثة الإيطالية من أصل مصري، مروة محمد غنيم، في رسالتها للماجستير بجامعة ميلانو- قسم النقد الأدبي المعاصر.

وجاءت الرسالة بعنوان “النصوص الأدبية التي كانت تُنشر بشكل مجهول أو عن طريق اسم مستعار في القرن الثامن عشر”، وتم مناقشها بقسم النقد الأدبي المعاصر بجامعة ميلانو، في الرابع عشر من يوليو الجاري.

وتكونت لجنة الإشراف من الدكتورة لودوڤيكا برايدا Lodovica Braida  مشرفة رئيسية، والدكتورة اليزا ماراتسي  Elisa Marazziوالدكتورة لوتشيا تراڤايني Lucia Travaini، والدكتورة روبيرتا شيزانا  Roberta Cesana، والدكتور فولكو ڤاليينتي Folco Vaglienti.

مروة محمد غنيم هي ابنة الشاعر والكاتب المصري الإيطالي الكبير محمد غنيم، وهو أحد الطيور المصرية المهاجرة، حيث استقر بإيطاليا منذ عقود من الزمن، ونشر العديد من الكتب بالإيطالية وحصل على كثير من الجوائز والتكريمات بإيطاليا.

ويبدو أن مروة ورثت عنه حب الأدب والمعرفة، وكانت مروة ناقشت في مشروع تخرجها عام 2017 أسباب سقوط دولة المماليك بمصر وسوريا عام 1517، وكانت رسالة تخرج غير مسبوقة حازت على إعجاب المشرفين بجامعة برغامو الإيطالية.

ولا يجب إغفال دور مروة الاجتماعي نحو دينها، عندما قامت بعمل مبادرة مهمة بالتعاون مع أختها سارة بعنوان “ليس باسمي”، تشرح فيها أن أعمال داعش والحركات الإرهابية لا علاقة بالإسلام وأنها لا تمثلها كمسلمة، وهي مبادرة لاقت ردود فعل دولية واسعة.

ثم جاءت رسالتها للماجستير لتستكمل رحلة بحثها في أسرار وخبايا التاريخ عن الكتابات المجهولة في القرن الثامن عشر بأوروبا.

مفارقة غريبة

* سألت مروة: لماذا اخترت حقبة القرن الثامن عشر في أوروبا بالذات دون غيرها، هل هذا متعلق بالأحداث السياسية وقتها، أم لماذا؟

** أجابت قائلة: أنا عاشقة للتاريخ، وأعلم بأن من لا يدرس التاريخ لن يكون له مستقبل، وقد قمت من قبل بعمل بحث عن “نهاية الدولة المملوكية في مصر وسوريا في عام 1517″، وتناولت فيه أسباب سقوط دولة المماليك، فاهتمامي بالتاريخ ليس جديدا ولن ينتهي.

أما عن سبب اختياري لموضوع الماجستير، لأني وجدت أن هناك مفارقة غريبة لهذا العصر، فهو عصر يعتبر مميز بسبب الابتكارات والاختراعات، وزيادة معدلات المعرفة والقراءة والكتابة، ونمو إنتاج الكتاب، وقبل كل شيء ولادة حق المؤلف، وبالتالي أصبح للمؤلف دور مركزي متزايد في المشهد الثقافي.

لكن على جانب آخر، وهنا تظهر المفارقة، أن القرن الثامن عشر هو القرن الذي تصبح فيه ممارسة كتابة ونشر الأعمال بشكل مجهول كعادة أو قاعدة ولأسباب متعددة.

* كم عدد الكتاب الذين تناولتهم الرسالة؟ ومن أهمهم؟

** وصلت رسالتي إلى حوالي 400 صفحة، وهو عدد كبير، ولكي أصل إلى هذا العدد من الصفحات كنت أحتاج إلى كثرة المصادر، والإفادة منها بشكل جيد، لا لمجرد كثرة عدد الصفحات، ولكنّ لكي أحيط بحثي بكل الجوانب، ولذلك وصل عدد الكتاب أكثر من 150 كاتبًا. وكان من أهمهم على سبيل المثال لا الحصر: Pietro Verri – بيترو ڤيري، Giuseppe Parini – چوزيبي پاريني، Cesare Beccaria – شيزاري بيكاريا، Carlo Denina – كارلو دينينا، Vittorio Alfieri- ڤيتوريو الفيري.

الأعمال المجهولة

* هل توصلت خلال الرسالة بمعرفة الأسماء الحقيقية لهؤلاء الكتاب؟

 

** لطالما أثارت النصوص المجهولة والمعروفة الفضول لدى محبي الكتب والباحثين، الذين عملوا على مر القرون في عمل لتحديد المؤلفين وإسناد النصوص، ليس من المقدر أن تبقى الأعمال المجهولة لغزًا لفترة طويلة، وفي وقت مبكر من القرن السابع عشر، ظهر جليا نشاط الباحثين والعلماء للكشف عن أسماء مؤلفي الأعمال المجهولة والمعروفة. 

من بين المؤلفين الذين قاموا بهذا الموضوع، يمكننا أن نذكر عددًا قليلًا مثل: رينود، جايسلر، بلاشيوس، أبروسيو، بيليه، حتى الأسماء الثلاثة الأكثر أهمية حتى الآن: باربير، ميلزي، هالكيت ولينغ.

وتم إعادة بناء تاريخ وإنشاء قاموس من الأسماء المجهولة والأسماء المستعارة، وربط أصول هذا النشاط بالنقد الكنسي التاريخي اللغوي الذي يبدأٔ بين القرنين السادس عشر والسابع عشر في التشكيك في صحة بعض أشكال الشخصيات الأسطورية مثلOrpheus ، Zoroaster

ويرتبط هذا المبدأ بالحاجة الحديثة للمعرفة، كما يقول مولسو، والذي دعا محبي الكتب والمثقفين والباحثين أن ينخرطون في كشف النقاب عن كل المؤلفين المجهولين، ولا يرتبط هذا النشاط فقط بالسياق الإيطالي، ولكن بشكل عام بالسياق الأوروبي، وقبل كل شيء بالسياقين الفرنسي والألماني.

سر الأسماء المستعارة

* لماذا كان الكتاب يكتبون بأسماء مستعارة في هذه الفترة؟ 

** هي ظاهرة قديمة والأسماء المستعارة وجدت عبر التاريخ ولجأ إليها الشعراء والفلاسفة والكتاب، وحتى النساء كانت ممنوعة من الظهور لأسباب اجتماعية وخشية البطش والتنكيل بهن، أو الهرب من واقع اجتماعي لا يتفق مع رؤية الكاتب.

ومن الضروري أن أوضح أن نشر عمل الكاتب دون إعطاءه الاسم هو خيار شخصي يتخذه المؤلف بوعي ويؤثر بالفعل على الطريقة التي يتم بها نقل تأليفه، لأن إخفاء الهوية لا ينكر حالة الكاتب، ولا تأليف المصنف ولا أقل من ذلك يؤثر على مبدأٔ المسئولية الفكرية، ‎وهناك بعض الكتاب يؤمنون بالفكرة ولا يهمه الشهرة وكل همه أن تصل كلماته، ‎أما الأسباب فليس من السهل الإحاطة بها لأن المؤلف نفسه لا يريد التحدث عن نفسه.

وقد قال أدريان بيليه ” Adrien Baillet ” في عام 1690، “أن من بين أسباب لجوء بعض الكتاب الكتابة باسم مستعار، هو الحذر أو الخوف من الرقابة، التي تمنع النشر الذي لا يتوافق مع فكر الحاكم السياسي والديني”. وهناك سبب آخر وهو خجل بعض المؤلفين من نشر أعمالهم ظننا منهم أنها ليست عمل فني يستحق النشر، مثل الرواية، والقصيدة النثرية حيث كانت في هذه الحقبة لا تليق بالأدب الأرستقراطي، وحتى داخل الدوائر البرجوازية كانت غير مناسبة.

و‎في حالات أخرى، كان سبب عدم الكشف عن اسم المؤلف هو خجله من أن يكون اسمه مثيرًا للسخرية، أو الخوف من تلقي انتقادات سلبية أو تعليقات شخصية من المنتقدين.

معنى مختلف للحرية

* هل ترين وجود تشابه بين القرن الثامن عشر والوقت الحالي الذي نعيش فيه؟ 

** الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان وسطوة الحكم وشهوته تجعل في كل زمن للحرية معنى مختلف، وأنا لا اعتقد أن هناك حرية مطلقة فدائما هناك قيد ما، ولو بحثنا في جنبات التاريخ سوف تجد في كل حقبه منه، مطالب بحرية الفكر والكلمة والصحافة، فهي حقيقة موجودة في كل عصر، ودائمًا المثقفين يحاولون التغلب على هذه العقبات التي تحرمهم من حريتهم.

ولذلك تحايل الكاتب بالكتابة تحت اسم مستعار أصبحت من التقاليد الصحافية القديمة حتى وقتنا هذا، وهذا التخفي أو الاسم المستعار كان في الماضي يستخدمه كاتب ما، أو في بعض الأحيان مجموعة من الأشخاص بغرض إخفاء هويته الحقيقية.

وما زال المثقف والكاتب يعاني وسيظل في الوقت الحالي وبرغم عصر الرقمية هناك كثير  جدا من المبدعين تستخدم السوشيال ميديا بنفس الطريقة التي كانت تستخدم في القرن الثامن عشر، بمعنى أن عدد كبير من الكتاب يلجأون للأسماء المستعارة علي الفيسبوك أو تويتر أو انستغرام لكي يعبروا عن فكرهم السياسي أو الديني، وغيره.

أعمال متنوعة

* وما هي طبيعة هذه النصوص؟ وما هو أهم محتوياتها؟

** الأعمال كانت عبارة عن مجموعة متنوعة بشكل مدهش، لا تقتصر على النصوص المتعلقة بموضوع سياسي أو ديني، ولكنها تتراوح بين الطب إلى اللغة، من الرواية إلى الشعر، من النصوص التاريخية إلى الأعمال الفلسفية والعلمية، من الفن إلى الهندسة المعمارية، وأيضا الأعمال التي كتبها النساء.

وهناك بعض النصوص التي كان يتم تداولها على نطاق واسع وتلك تتعلق بالمعرفة العملية (التي كانت تُنظر إليها على أنها أنواع أدنى)‎ من بين “الأنواع” التي تم نشرها عادةً بشكل مجهول: والصحف والدوريات في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والكتيبات، والمراجعات، والهجاء، والشظايا، والكتابات الصحفية والتاريخية والسيرة الذاتية، وقصائد ومجموعات قصائد مستعملة من قبل مؤلفين مختلفين.

إن بحث مروة غنيم للماجستير يفتح سلسلة من الحقائق عن حقبة تاريخية مهمة، ويجعلنا نتأمل من جديد هذه الفترة، وقد يكون التاريخ يعيد نفسه، ولكن بأشكال مختلفة، وبأساليب وتقنيات جديدة.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين