أخبارأخبار العربتقارير قضايا عربية

بين آلام غياب السبسي وتحدي البحث عن خليفته.. تونس إلى أين؟

- هاجر العيادي

في وقت كانت فيه البلاد تستعد لإجراء انتخابات تشريعية مطلع أكتوبر المقبل، وانتخابات رئاسية منتصف نوفمبر، أفاق الشارع التونسي يوم الخميس الماضي على صدمة خبر وفاة الرئيس الباجي القايد السبسي عن عمر يناهز 93 سنة، إثر وعكة صحية ألمّت به نُقل على أثرها إلى المستشفى العسكري، ليصبح منصب الرئاسة شاغرًا.

وفاة السبسي تزامنت مع يوم الذكرى الـ62 لعيد الجمهورية التونسية، الذي شكل ولا يزال محطة مفصلية مضيئة في مسيرة نضالية تونسية، توجت بميلاد الجمهورية التونسية، كدولة مدنية ذات نظام جمهوري، حيث تم فيه إلغاء النظام الملكي، وإعلان النظام الجمهوري عام 1957، ليتم بذلك إقرار المساواة بين كافة المواطنين والمواطنات.

ورأى الكثيرون في هذا التزامن دلالة ورسالة على ضرورة وحدة الصف التونسي لتجاوز الأزمة والحفاظ على مكتسبات الوطن، وتحقيق الانتقال الديمقراطي الكامل بعد إجراء الانتخابات الرئيسية المقبلة واختيار الشعب لخليفة الرئيس الراحل.

من جانبها، دعت رئاسة الجمهورية التونسية الشعب التونسي كافة، إلى الوحدة الصماء، والصبر والتكاتف والالتفاف حول مؤسساته الدستورية صونًا لمستقبل تونس وحاضرها.

تحديات كبرى

جاءت وفاة الرئيس السبسي في ظل وضع سياسي متأزم، ومن المتوقع أن يشهد الوضع مزيدًا من الغموض خلال المرحلة القادمة، بسبب ضعف أداء النخبة السياسية، واتساع دائرة الصراع على السلطة، التي لا زال البعض ينظر إليها كفريسة يريد الانقضاض عليها، على حد وصف بعض المحللين.

ولعل هذا ما جعل الشارع التونسي في حالة من الترقب حول من سيتولى منصب الرئاسة، وفقًا لما ينص عليه الدستور، وفي غياب المحكمة الدستورية.

ويرى مراقبون أن الشارع التونسي الذي يعاني آلام فراق رئيسه سيكون عليه تجاوز تحدي اختيار رئيس جديد للدولو في فترة لا تتجاوز 90 يومًا، وهو ما يعني أن الاستحقاق الرئاسي سيسبق الموعد المحدد له قبل ذلك من جانب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وفي هذا السياق أعلن رئيس الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، نبيل بفون، أن موعد الانتخابات القادم سيكون في 15 سبتمبر بدلاً من 17 نوفمبر.

كما أوضح بفون أن تقديم الموعد يأتي وفقا للدستور الذي ينص على أن يكون لتونس رئيس جديد في غضون 3 أشهر.

رئيس مؤقت

وينصّ الفصل 84 من على أنّه “في حالة تقديم رئيس الجمهورية استقالته كتابة إلى رئيس المحكمة الدستورية، أو في حالة الوفاة، أو العجز الدائم، أو لأي سبب آخر من أسباب الشغور النهائي، تجتمع المحكمة الدستورية فورًا، وتقرّ الشغور النهائي، وتبلّغ ذلك إلى رئيس مجلس نواب الشعب الذي يتولى فورًا مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لأجل أدناه 45 يومًا وأقصاه 90 يوما”.

كما ينصّ الفصل 85 على انّه “في حالة الشغور النهائي يؤدي القائم بمهام رئيس الجمهورية اليمين الدستورية أمام مجلس نواب الشعب وعند الاقتضاء أمام مكتبه، أو أمام المحكمة الدستورية في حالة حل المجلس”.

وفي هذا الإطار أدى ، رئيس ، أمس الخميس، اليمين الدستورية، ليتولى رسميًا منصب رئيس مؤقت للجمهورية التونسية، وفق ما يقتضيه الدستور بعد وفاة .

وبعد أدائه اليمين الدستورية دعا الناصر جميع التونسيين إلى الثقة بالدولة والالتفاف حولها، ملتزما بإجراء الانتخابات في الإطار القانوني.

وقال الرئيس التونسي المؤقت في كلمة متلفزة “سأكون رئيسًا لجميع التونسيين ودون تمييز”، كما التزم بالحفاظ على استقلال البلاد، والحفاظ على مكاسبها في مسارها الديمقراطي الانتقالي. وأكد الناصر أن مؤسسات الدولة تعمل كالمعتاد للحفاظ على أمن البلاد.

ووفقًا للدستور يمارس القائم بمهام رئيس الجمهورية خلال الشغور الوقتي أو النهائي، وفق الفصل 86 من الدستور، المهام الرئاسية، ولا يحق له المبادرة باقتراح تعديل الدستور، أو اللجوء إلى الاستفتاء، أو حل مجلس نواب الشعب، وخلال المدة الرئاسية المؤقتة يُنتخب رئيس جمهورية جديد لمدة رئاسية كاملة، كما لا يمكن تقديم لائحة لوم ضدّ الحكومة.

رحيل رجل الدولة الديمقراطية

عُرف الرئيس الراحل قايد السبس، بأنه رجل الدولة الديمقراطية، وكان رمزًا للجمهورية التي شهد مختف تحولاتها منذ إعلانها في 25 يوليو 1957، والتي عمل في مختلف مراحلها، قبل أن يصبح رئيسًا لها إثر انتخابات نزيهة وديمقراطية.

كما كان حارسًا للدستور وللنموذج المجتمعي، عندما بادر في العام 2012 بتشكيل حزب سياسي “” من أجل إحداث التوازن مع تيار الإسلام السياسي.

ويرى مراقبون أن مبادرة الرئيس السبسي حمت تونس من الإسلاميين الذين يرون أنهم حاولوا تقسيم المجتمع، والدفع بالدولة إلى صراع المحاور إقليميًا ودوليًا، وانتزاعها من هويتها ذات الخصوصية المحلية، التي تجمع بين الأبعاد العربية والإسلامية والأفريقية والمتوسطية، وبين تجارب إصلاحية جعلتها تتصدر شقيقاتها من الدول العربية منذ إصدار دستور عام 1861، وقانون تحرير الرقّ ومنع العبودية في العام 1846، وتحرير المرأة في العام 1956، وتشكيل مسار ديمقراطي بعد انتفاضة شعبية في العام 2011.

وفي سياق متصل أثار السبسي سجالاً واسعًا في تونس بعد رفضه ختم القانون الانتخابي المعدّل، الذي رأى فيه إقصاءً لبعض الأطراف السياسية.

وتعرّض الرئيس الراحل إلى هجمات شرسة من قبل قوى في الحكم وأخرى في المعارضة. وبلغ الأمر بالبعض إلى دعوته إلى الاستقالة، فكان قدر الله أن ودع الحكم والحياة معًا، ليترك موقعًا مهمّا شاغرًا في حياة التونسيين.

نهاية النداء وصعود النهضة

لكن سياسيون ومراقبون يرون أن وفاة السبسي ستسدل الستار على حركة “نداء تونس” عقب وفاة مؤسسها، وذلك في ظل الاتهامات التي وجهها البعض لمديرها التنفيذي حافظ قائد السبسي، بأنه كان وراء رفض والده ختم التعديلات الأخيرة ذات المنحى الإقصائي في القانون الانتخابي.

ويؤكد المراقبون أن تونس ستشهد خلال الأيام القادمة تنافسًا واضحًا على منصب الرئاسة، حيث سيكون هناك مرشح لكل تيار من التيارات السياسية، سواء نداء تونس، أو ، أو غيرها من التيارات الليبرالية.

ومن هذا المنطلق يسعى الإسلاميون وحلفاؤهم العقائديون إلى بسط نفوذهم بالكامل على البلاد، ويرى البعض أن غياب قائد السبسي، بما يمثله من رمزية، سيزيد من اندفاعهم، بينما سيتم الدفع بالقانون المعدّل الذي لم يختمه الرئيس الراحل إلى النشر في الجريدة الرسمية ليتم تطبيقه، بما يمثّله ذلك من تأثير على إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، وهو ما سيعطي لحركة النهضة فرصة سانحة للتفوّق على خصومها.

تحالفات جديدة

في المقابل سيعمل كل من رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والراديكاليين من قيادات حزبه، على أن يكونوا أكثر حكمة في التعاطي مع المستجدات، كما سيبحث كل من هذه الأطراف عن تحالفات فعلية وجدية من خارج الإسلام السياسي، سعيًا منهم للإبقاء على التوازنات التي حاول الرئيس الراحل  أن يتعامل معها في أغلب الأوقات بكثير من الحذر.

إشكالية قانونية

في ظل هذه التطورات يبقى القانون الانتخابي هو الإشكال الأبرز المهيمن على المشهد السياسي في تونس، كما يعد في الوقت نفسه متنفسًا لعدد من المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية المقبلة.

فالقانون المعدل وضع عقبات تقصي بعض الشخصيات التي أعلنت نيتها خوض غمار السباق الرئاسي، في توجه يعتبر تتويجًا لجهود الإخوان ممثلين في حركة النهضة الإسلامية التي تهيمن على البرلمان بـ68 نائبًا من أصل 217.

وبانقضاء الآجال القانونية دون توقيع القانون المعدل ووفاة السبسي، فإن الدستور يقضي باعتماد نص القانون الأصلي قبل التعديلات.

وهو ما يعتبر ضربة قاضية للإسلاميين الذين كانوا يأملون في إقصاء شخصيات ليبرالية وتقدمية مرشحة بقوة لاكتساح القبة التشريعية وقصر الرئاسة.

البحث عن بديل

على صعيد آخر يؤكد المراقبون أن الشعب التونسي بات مطالبًا اليوم بالبحث جيدًا عن رئيس بديل، له العديد من صفات الباجي قائد السبسي، ومن أهمها الإيمان بالسيادة الوطنية والدفاع عنها، إضافة إلى الحداثة والمدنية، والاعتدال واحترام تقاليد الدبلوماسية التونسية في تحديد مساراتها التي رسمتها دولة الاستقلال، وتحصين الدستور من أي خروقات.

ومن الواضح أن موت السبسي سيجعل تونس أمام مرحلة تاريخية جديدة، يبدو أنها مجهولة الملامح في الوقت الحالي، لاسيما في ظل الصراع الحزبي على الحكم، إلى جانب تصفية الحسابات بين بعض القوى الفاعلة، أغلبها يتعلّق بالانتخابات والقانون المنقح.

كما أن المشهد السياسي في تونس يسوده الغموض، وسيشهد تصاعدًا في تحديد المسار الانتقالي واختيار من سيقود البلاد مستقبلاً.

أرض الميدان والأيام القادمة هي وحدها من ستكشف إلى أين ستؤول الأمور.

Advertisements

 

 

 

 

 

 

 

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: