أخبارأخبار العالم العربي

السودان يعتزم تسليم البشير للجنائية الدولية بعد محاكمته بالداخل

عادت قضية تسليم الرئيس السوداني المعزول عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية إلى الواجهة، مع إعلان قوى إعلان الحرية والتغيير المُعارضة توافق جميع مكوناتها على تسليمه إليها في حال برّأه القضاء السوداني، ليُصبح حينها أول رئيس عربي يُسلّم إلى وهو الموقف الذي عارضه المكوّن العسكري في المجلس السيادي الحاكم من قبل.

وقال القيادي في قِوى التغيير إبراهيم الشيخ، خلال مؤتمر صحفي بالخرطوم، أمس الأحد، إنه “تم التوافق على تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولا مشكلة في ذلك”. وأكّد أنه “إذا نجا البشير من المحاكمات بالداخل جراء الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها، سينال جزاءه في المحكمة الجنائية بالخارج”.

وأضاف أن “المحكمة الجنائية أصبحت لا تُمثّل مشكلة بالنسبة إليهم في قوى الحرية والتغيير، وأنهم متفقون على تسليم الرئيس المخلوع (البشير) وليست لديهم أي تحفظات حول تلك المسالة”، حسبما نقلت وكالة السودان للأنباء (سونا).

“مُطالبات مُتكررة”
فور سقوط البشير في 11 أبريل الماضي بعد 3 عقود على رأس السلطة، تصاعدت المطالبات بتسليمه إلى الجنائية الدولية، لكن قوبِلت جميعها بالرفض. ففي يونيو طلبت المدعية العامة للجنائية الدولية بالإسراع في تسليم البشير- الموجود في سجن كوبر المركزي بالخرطوم- للمحكمة في هولندا أو محاكمته في الخرطوم.

الأمر الذي ردّت عليه وزارة الخارجية السودانية بالرفض، مؤكّدة أنه “سيلقى محاكمة عادلة أمام القضاء السوداني بتهم تتعلق بالفساد، لأن البلاد ليست طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية”.

كما شدّد المجلس العسكري- الذي تولى إدارة البلاد مؤقتًا بعد عزل البشير- على أن هذا القرار “سيُتخذ من قِبل الحكومة المدنية التي ستتولى الحكم لاحقًا وليس من اختصاصه”.

والشهر الماضي، بحث النائب العام السوداني تاج السر علي الحبر، مع وفد من هيئة محامي دارفور إمكانية تسليم البشير للجنائية الدولية. واتفق الطرفان على أن “الوقت غير ملائم للخروج بتصريحات تتعلق بتسليم البشير، وأن تصريحات كهذه سابقة لأوانها”، وفق (سونا).

وكذلك أكّد رئيس الحكومة السودانية الدكتور عبدالله حمدوك، أن قرار تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية “لن يكون قرارًا سياسيًا”، موضحًا أن “الأمر متروك بشكل كامل للقضاء السوداني”، وذلك في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في أكتوبر المُنصرم.

وفي السياق ذاته، نفت وزارة العدل السودانية تقديمها أي تعهدات بشأن تسليم متورطين في انتهاكات دارفور، بينهم البشير، للجنائية الدولية. وأعلنت الأسبوع الماضي أن “الحكومة لم تتبن سياسة أو تتخذ قرارًا بعد بخصوص المطالبات الداخلية والخارجية لتسليمهم”، بحسب (سونا).

“اتهامات ضد البشير”
كانت المحكمة الجنائية الدولية، ومقرها في لاهاي، أصدرت مذكرتي توقيف بحق البشير عامي 2009 و2010، وذلك لمحاكمته بتهمة المسؤولية الجنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية، ارتُكبت في إقليم دارفور (غرب) بين عامي 2003 و2008.

و12 يوليو 2008. لم تُنفذ العدالة سريعًا على الرغم من مذكرات الاعتقال، وفاز البشير بالانتخابات الرئاسية في 2010 و2015، واستمر في التنقل في جميع أنحاء المنطقة وخارجها.

كما نفى في أكثر من مناسبة صحة تلك الاتهامات، واتهم المحكمة بأنها “مُسيّسة”، مُعتبرًا أن تلك الاتهامات أداة “استعمارية” موجهة ضد السودان وباقي الدول الأفريقية.

ومنذ عام 2003، تقاتل حركات مسلحة متمردة في دارفور ضد الحكومة السودانية، ما أدى إلى سقوط ما لا يقل عن 300 ألف قتيل ونحو 2.5 مليون مشرد من أصل 7 ملايين نسمة، وفق إحصاءات الأمم المتحدة. بينما تقول الخرطوم إن عدد القتلى لا يتجاوز 10 آلاف شخص.

ويخضع البشير للمحاكمة الآن بتهمة “الثراء الحرام والتعامل غير المشروع مع النقد الأجنبي”، وذلك بعد العثور على 7 ملايين يورو في مقرّ إقامته بعد عزله في 11 أبريل الماضي إثر احتجاجات شعبية دامت أشهر. ويقبع داخل زنزانة مزوّدة بسريرين ومُكيف هواء ودورة مياه داخلية في سجن كوبر بالخرطوم.

أُرجئت محاكمة الرئيس السوداني المعزول إلى 16 نوفمبر الجاري، وذلك خلال الجلسة التاسعة من جلسات محاكمته المُستمرة منذ 4 أشهر في “معهد العلوم القضائية والقانونية” بضاحية أركويت شرق الخرطوم وسط حراسة أمنية مُشددة.

“الحصانة الوظيفية “
بموجب القانون الدولي، يتمتع البشير كغيره من الرؤساء بحصانة من القضاء الجنائي. وحتى بعد ترك مناصبهم، تستمر حصانتهم بناء على تصرفاتهم الرسمية أثناء فترة حكمهم، وهو امتياز يُعرف بـ”الحصانة الوظيفية”.

وفي أكثر من مناسبة، أكدت المحكمة الجنائية الدولية أن الرؤساء يتمتعون بـ”حصانة وحماية كاملة من القضاء الجنائي”، وفق تقرير سابق لموقع “ذا كونفرسيشن” الأمريكي في يونيو الماضي.

وحسبما ورد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تتحمل الدول المسؤولية الرئيسية في مقاضاة الجرائم الدولية. ويتعين على الدول بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 مقاضاة الأشخاص المتهمين بجرائم الحرب أمام محاكمها الوطنية أو تسليمهم لكي يحاكموا في مكان آخر.

وتمارس اختصاصًا على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. ويشمل ذلك معظم الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني التي تغطيها اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكولان الإضافيان العام 1977 سواء ارتكبت خلال نزاع مسلح دولي أو غير دولي، وفق الموقع الالكتروني الرسمي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتأسّست الجنائية الدولية بصفة قانونية عام 2002 بموجب “ميثاق روما” الذي صادقت عليه أكثر من 60 دولة. وبدأت فكرة تأسيسها في عام 1998 حيث وافقت 120 دولة على ميثاق روما.

“نظام روما الأساسي”
مع ذلك، فإن” نظام روما الأساسي” للمحكمة الجنائية الدولية المُعتمد في روما في 17 يوليو 1998، يُمكّن المحكمة من إصدار أحكام بشأن القضايا المعروضة عليها بغض النظر عن الصفة الرسمية للمتهمين، بما في ذلك رؤساء الدول السابقين والحاليين.

لكن القانون الدولي يعتبر إلى حد كبير قائمًا على الموافقة، لذا يجب على الدولة التصديق على المعاهدة من أجل الالتزام ببنودها. والسودان كالعديد من الدول، ليس طرفًا من نظام روما الأساسي، وبالتالي لا يجب أن يخضع عادة للاختصاص في المحكمة الجنائية الدولية.

ورغم كل ذلك، فإن قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ملزمة بموجب القانون الدولي. في 31 مارس 2005 أصدر المجلس القرار رقم (1593) الذي يحيل البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية. ونتيجة لذلك، جرى التعامل مع السودان باعتباره خاضعًا لنظام روما الأساسي رغم عدم كونه طرفًا في المعاهدة.

“سُمعة سيئة”
من جهة أخرى، ترفض عدد من الدول الأفريقية تسليم البشير إلى الجنائية الدولية، لاسيا وأن سُمعتها سيئة في القارة الأفريقية التي ترى أنها مُستهدفة من قِبل المحكمة، حتى أن الاتحاد الأفريقي حث في وقت سابق الدول الأعضاء على عدم الامتثال للمحكمة وهددهم بعقوبات في حالة المخالفة.

وكانت الجنائية الدولية أصدرت عدة أحكام خلصت إلى أن دول تشاد وملاوي والسودان وجيبوتي وأوغندا وجنوب أفريقيا، فشلوا في تلبية طلبها باعتقال البشير ورفضوا التعاون معها.

لذا فإن تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية “لا يصُب في مصلحة ولا الاتحاد الأفريقي”، لأن ردهما الثابت ربما يؤدي في النهاية إلى إرساء العُرف”، وهي حجة مُعترف بها في القانون الدولي.

وبالتالي، فإنه من شبه المؤكد أن السودان سيتكفّل بقضاياه، ويكتفي بمحاكمة البشير داخليًا، في إجراء من شأنه أن يحمي رؤساء الدول الأفريقية الأخرى من التعرض للمحاكمات في الخارج مستقبلًا، بحسب تقرير موقع “ذا كونفيرسشن” الأمريكي.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين