أخبارتقارير

الحرب تشتعل في ليبيا.. وصراع الـ3 حكومات حائر بين خيارات السلام والحسم العسكري

علي البلهاسي

“ليبيا على مشارف حرب”.. هذا هو العنوان الرئيسي الذي تصدر وسائل الإعلام المتابعة للشأن الليبي من إعلان المشير خليفة الأمر لقواته بالتحرك صوب طرابلس لتحريرها من المليشيات المسلحة، وفق زعمه.

فيما أعلنت فصائل الموالية لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا النفير العام استعدادًا لوقف تقدم قوات حفتر، وهو ما أثار قلق المجتمع الدولي من تداعيات المواجهة بين الجانبين.

وتأتي هذه التطورات متزامنة مع زيارة انطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة لطرابلس، بهدف دعم مؤتمر المصالحة الوطنية الجامع في ليبيا، والذي كان من المخطط أن ينعقد منتصف الشهر الجاري في .

وفي ظل هذا التصعيد، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا طارئًا مساء الجمعة لبحث التطورات في ليبيا، وذلك بعد دعوات دولية إلى ضبط النفس، وتحذيرات من “حمام دم” جديد في ليبيا.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس قد وصل إلى ليبيا لبحث تطورات الأوضاع الأخيرة. وقال جوتيريس في تغريدة له عبر موقع “تويتر” أنه يسعى لتجنب المواجهات العسكرية في الأراضي الليبية، مشيرًا إلى أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية.

 

حرب مدمرة

من جانبها قالت جريدة التايمز البريطانية إن استيلاء قوات حفتر على مدينة غريان التي تبعد 80 كيلومترًا فقط عن العاصمة الليبية طرابلس يهدد باشتعال مرة أخرى في ليبيا. مشيرة إلى أن حفتر الذي يلقى الدعم من كل من والإمارات تمكن من تأسيس أكبر منطقة حكم ذاتي تحت سيطرته في شرق ليبيا منذ انهيار نظام ، ويسعى حاليًا لتحرير العاصمة طرابلس مما يقول إنها جماعات متطرفة تسيطر عليها.

فيما ترى الجارديان أن الحرب المقبلة التي تستعد لها ليبيا قد تدمر كل ما تبقى بعد سنوات القتال السابقة، مشيرة إلى أن حفتر تحدى الأمم المتحدة وأصدر الأوامر لقواته بالزحف نحو طرابلس بهدف الإطاحة بحكومتها التي يتزعمها وتحظى بدعم المنظمة الدولية.

فيما يؤكد اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم قوات حفتر، أن “طرابلس تقع تحت سيطرة ميليشيات إرهابية وعصابات توغلت في مؤسسات الدولة وشُرعنت من قبل حكومة السراج، وهذا مناف للاتفاق السياسي الذي يؤكد حل هذه الميليشيات”.

وأضاف: “كنا نتمنى ألا يتدخل السراج، وهو نفسه ليس إرهابيًا، أو لا يقف إلى جانب الميليشيات المؤدلجة، لكنه رفض هذه العملية”. مؤكدًا: “لا نسعى إلى إسقاط السراج ولا الاتفاق السياسي ولا الملتقى الجامع”.

فيما أعلن السراج النفير العام في مواجهة قوات حفتر، وأمر بنشر القوات، وتنفيذ غارات جوية عند الحاجة، لوقف أي هجوم على طرابلس. كما أعلنت المجموعات المسلحة القوية التي تسيطر على منطقة مصراته أنها مستعدة للمشاركة في أي عمليات عسكرية لدعم حكومة السراج في مواجهة قوات حفتر.

 

تصعيد خطير

وعبر عادل كرموس، عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، عن مخاوفه من تطورات الاشتباكات الدائرة بين الجانبين، قائلاً إن دخول قوات بآليات عسكرية ثقيلة، يمكن أن يدمر العاصمة، خاصة أنها لا تعاني من وجود الإرهاب، حيث ساهمت القوات التابعة لحكومة الوفاق في القضاء على تنظيم “داعش” في سرت في وقت سابق. وتابع أن الاشتباكات الحالية قد تؤثر بشكل كبير على الملتقى الوطني الجامع  المرتقب في غدامس.

ويذكر أنَّ آخر صراعٍ كبير في طرابلس اندلع في عام 2014، وأشعلته آنذاك أحزابٌ سياسية متنافسة غير راضية عن نتيجة الانتخابات الوطنية الأخيرة في ليبيا. وقد أسفر القتال آنذاك عن تدمير البنية التحتية المدنية الرئيسية -بما في ذلك المطار الدولي- وترك البلاد منقسمة بين حكومتين وبرلمانين وجيشين متنافسين.

بدورها أعربت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، عن قلقها الكبير إزاء التحركات العسكرية والتحشيد المسلح الذي تشهده المناطق الوسطى والغربية والجنوب الغربية من البلاد، في بادرة تنذر بتصعيد جديد لأعمال العنف والاشتباكات المسلحة، وتشكل تهديد وخطر كبيرين على سلامة وحياة المدنيين وأمنهم.

وحذرت اللجنة من جر البلاد إلى حرب أهلية جديدة وتعريض الوحدة الوطنية والاجتماعية والجغرافية لليبيا لخطر التقسيم. وطالبت جميع الأطراف بضبط النفس، وتجنيب البلاد والمدنيين ويلات الحروب والنزاعات المسلحة،  وتغليب المصلحة الوطنية العليا للبلاد.

وأكدت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، على أنه لا سبيل لإنهاء الأزمة السياسية القائمة في البلاد وانقسام المؤسسات إلا من خلال الحوار والحل السياسي والسلمي للأزمة.

وجددت اللجنة تذكيرها لجميع الأطراف إلى اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للحيلولة دون وقوع ضحايا من المدنيين وإيقاف جميع الأعمال العدائية، وضرورة احترام الإنساني، وذلك من خلال ضمان أمن وسلامة وحياة المدنيين للخطر.

 

هجوم حفتر

وكان قائد الجيش الليبي، خليفة حفتر قد أعلن يوم الخميس عن إصدار أوامر لقواته بالتقدم إلى العاصمة الليبية طرابلس، وقال إن الهدف من هذه العملية هو تحرير طرابلس من “المليشيات المسلحة”، وتطهيرها من قبضة “الإرهابيين والمسلحين”، وفرض هيبة الدولة وتوحيد المؤسسات السيادية، وتمكينها من ممارسة عملها بعيدًا عن بطش الجماعات والكتائب المسلحة التي تسيطر على العاصمة.

ويوم الجمعة، أعلنت قوات حفتر السيطرة على عدد من المناطق جنوب غربي العاصمة طرابلس. حيث أفاد مصدر عسكري بأن الجيش الليبي تمكن من السيطرة على منطقتين جنوب العاصمة طرابلس بعد اشتباكات عنيفة.

فيما أكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، العميد أحمد المسماري، أن قرار تطهير طرابلس صدر ولا رجعة فيه، مشيرا إلى أن العملية العسكرية لاقت ترحيبًا من الأهلي لتطهير المنطقة من الإرهاب والجريمة.

وأضاف أن الجيش الليبي دخل مدينة غريان جنوب طرابلس دون مقاومة، وبسط سيطرته على بلدة صرمان غرب طرابلس، وأن القوات تقترب من العاصمة، ودعا الميليشيات إلى الاستسلام، قائلا “نضمن أمن من يرفع الراية البيضاء، ومن يلقي سلاحه فهو آمن”.

وتابع “جنودنا لديهم تعليمات بحماية المدنيين والمقرات الدبلوماسية والممتلكات العامة، وأن الحرب مستمرة حتى القضاء على الإرهاب نهائيًا، ولا علاقة لها بالجانب السياسي”.

ولم يحدد المسماري، موعدا لانتهاء العملية قائلا: “لم نعط أبدًا تاريخ انتهاء للمعركة، لسنا في نزهة، ولكننا في حرب، وقد تكون هناك مستجدات وتكتيكات على الأرض”.

 

دعم مجلس النواب

من جانبه أعلن رئيس مجلس النواب الليبي، المستشار عقيلة صالح، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة (وفق الإعلان الدستوري)، دعمه العمليات العسكرية التي تنفذها قوات الجيش بقيادة حفتر من أجل تحرير كافة المدن والمناطق الليبية من الإرهابيين والمتطرفين ومن يهددون أمن وسلامة الوطن والمواطنين.

ودعا صالح في بيان له كافة المواطنين لدعم تحركات قوات الجيش الليبي، والالتفاف حول أبنائهم من منتسبى المؤسسة العسكرية، ودعمهم والوقوف معهم، لبسط الأمن في كافة المناطق والمدن التي تدخلها، مؤكدًا أن العملية العسكرية للجيش الليبي تهدف لحفظ الممتلكات العامة والخاصة دون المساس بأحد.

وكان صالح قد أكد، عقب لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس، أهمية إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في البلاد، ووضع آلية محددة لحل الأزمة الحالية التي تعصف بليبيا. كما أكد على وفاء مجلس النواب بكافة الاستحقاقات التشريعية التي مناط بها، وآخرها إصدار قانون الاستفتاء على الدستور الدائم في ليبيا، داعيا لوضع آلية خلال اجتماعات الملتقى الوطني الليبي لإنهاء الأزمة الحالية في البلاد وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

 

جدل الأجانب

وسط الصراع المحتدم بين الجانبين أثيرت اتهامات بوجود مقاتلين أجانب يدعمون قوات حفتر في معركته نحو طرابلس، وأكد فتحي باشاغا، وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية، أن دولة عربية هي التي منحت الضوء الأخضر للتحرك العسكري لحفتر باتجاه العاصمة طرابلس.

وقال باشاغا إن رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج ذهب إلى أبوظبي بنية الوصول لحل سياسي، وقدم تنازلات لحفتر من أجل الشعب الليبي، ولكن حفتر غدر بالاتفاق.

وأضاف أن السراج وافق على مطالب حفتر بأن يكون القائد العام للجيش “لكن تكشفت نية الطرف الآخر الذي أراد أن يغدر بقوة السلاح”.

من جانبه نفى اللواء أحمد المسماري، الناطق الرسمي باسم قوات حفتر، مشاركة أي جنود أجانب في تحرير طرابلس. وأضاف في تصريحات خاصة لقناة الحرة الأمريكية: “نعتز بالجيشين المصري والجزائري لكن هذه معركة ليبيين ومعركة إرادة وطنية ولا يمكن أن يخوضها إلا الليبيون”.

وأضاف: “سترون الطائرات القديمة جدًا ولا توجد أي مشاركات أجنبية على الإطلاق، مؤكدًا أن هناك طائرات أجنبية تدخل يوميًا بعضها بهدف القضاء على داعش وبعضها بهدف الاستطلاع وهي تدخل المجال الجوي الليبي بدون التنسيق مع الجيش الوطني”.

كما نفى المسماري، أيضًا، أن يكون تطهير طرابلس من الإرهاب جاء بعد الحصول على ضوء أخضر من دولة عربية.

 

مهمة صعبة

وفقًا لمراقبين فإن قوات الجيش الليبي بقيادة حفتر تواجه تحديات كبيرة تصعب مهمة دخولها إلى العاصمة طرابلس، أبرزها محاولة بعض الأطراف والمكونات في المنطقة الغربية لحشد الطاقات وتحويلها إلى حرب قبلية، وذلك بسبب الخلافات بين قبائل برقة وطرابلس التاريخية واختلاف الرؤى لدى الطرفين.

كما أن حكومة الوفاق الليبية برئاسة فائز السراج التي تدير طرابلس هي الجهة التي يتعامل معها المجتمع الدولي ويعترف بها، وهو ما يصعب مهمة قوات حفتر في الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بها كممثل شرعي للقوات المسلحة في طرابلس.

وأكد المراقبون أن قوات حفتر تحتاج لإبرام تحالفات عسكرية مع كيانات مسلحة في المنطقة الغربية، وذلك لدخول عدد من مدن المنطقة الغربية بشكل سلمى دون الانخراط في معارك مسلحة تستنزف قدرات الجيش الوطني الليبي.

ويمتلك  حفتر قاعدة دعم متنامية في جميع أنحاء غربي ليبيا، من البلدات التي تشعر بخيبة أمل إزاء الفوضى التي أعقبت عام 2011، وحكومة الوفاق الوطني التي فشلت، على مدى ثلاث سنوات، في إحداث تأثيرٍ كبير في مناطق أخرى غير العاصمة.

ويرى البعض أنَّ حفتر، الذي قدَّم نفسه على أنَّه «رجلٌ قوي» قادر على قيادة الانتصارات العسكرية، يُمثِّل حلاً محتملاً للفوضى الذي أصابت ليبيا بعد عام 2011، لكن منتقدوه يقولون إنه سيصبح حاكمًا ديكتاتوريًا جديدًا على غرار القذافي لو سيطر على غرب البلاد.

ورغم أنَّ حفتر يحظى بدعمٍ من فرنسا وروسيا والإمارات العربية المتحدة ومصر، فإنَّ معظم المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والولايات المتحدة، يقف ضده.

 

حشد مضاد

في المقابل أعلن فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، حالة “النفير العام” لقوات الجيش والشرطة. وطالب السراج، بصفته القائد الأعلى للجيش، قواته، بـ”الاستعداد والتصدي لأية تهديدات تستهدف زعزعة الأمن في أية منطقة أو مدينة ليبية”.

من جانبها قالت “قوة حماية طرابلس”، التابعة لحكومة الوفاق الليبية، والمؤلفة من تحالف فصائل طرابلسية، إنها أطلقت عملية لوقف تقدم قوات حفتر. وكشفت أن المنطقة الممتدة من مناطق الزاوية حتى العزيزية والسراج وإسبيعة تحت سيطرة “تجمع قوات المنطقة الدفاعية الغربية وطرابلس والوسطى”، نافية الأنباء عن سيطرة قوات حفتر على تلك المناطق، بحسب موقع بوابة أفريقيا.

وأكدت “حماية طرابلس” أن استهداف بعض المواقع التابعة للجيش وتدمير مدرعتين له، وغنم سيارتين (23) مضيفة أنها تتقدم مع وصول التعزيزات لكافة المحاور.

فيما قالت مصادر إن قوات حكومة الوفاق الليبية صدت الجمعة مقاتلين تابعين لحفتر أطلقوا هجومًا في محاولة للتقدم نحو طرابلس التي باتوا مساء الخميس على نحو 30 كم منها.

 

قوات داعمة

وأعلنت فصائل من مدينة مصراتة مؤيدة لحكومة الوفاق استعدادها لوقف “الزحف المشؤوم” لقوات حفتر. ونقلت وكالة رويترز عن سكان أن مجموعات مسلحة من مدينة مصراتة غربي ليبيا، بدأت بالتحرك نحو العاصمة طرابلس “للدفاع عنها”.

وقال قائد عسكري، الجمعة، إن قوات ليبية متحالفة مع حكومة طرابلس أسرت 145 من قوات (الجيش الوطني الليبي). وذكر قائد غرفة عمليات المنطقة الغربية إن الأسرى اعتقلوا في مدينة الزاوية غربي طرابلس. وقال لرويترز إنه تم الاستيلاء على 60 مركبة.

جديرٌ بالذكر أنَّ معظم ميليشيات طرابلس حاليًا تدعم حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًا. كما تحظى تلك الحكومة بدعم قوات البنيان المرصوص، التي ينتمي معظم قياداتها إلى مدينة مصراتة، التي تُواصل تأمين مدينة سرت بعدما قادت معركة هزيمة داعش هناك في عام 2016، وتعتبر حفتر عدوًا قديمًا.

وسبق أن صرَّح اللواء محمد الغصري، المتحدث باسم قوات البنيان المرصوص، بأنَّ أي توغُّلٍ لقوات حفتر في سرت سيُعامل على أنَّه إعلان حرب.

وقال: «قوات البنيان المرصوص وكل مدينة مصراتة يقفان مع حكومة الوفاق الوطني. نحن دائمًا على استعدادٍ لمحاربة أي عدوان محتمل في سرت، ولم نخفض حالة التأهب، أو نقلل من إجراءاتنا الواجبة لتوفير الأمن والمراقبة هناك منذ عام 2016″. وقال الغصري إن مصراتة لديها ما يكفي من القوات للدفاع عن أراضيها الحالية، بما في ذلك طريقٌ ساحلي سريع طوله 250 كيلومتراً.

 

مناطق السيطرة

بعد 8 سنوات من الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي، لا تزال ليبيا تحت رحمة 1500 مليشيا، وثلاث حكومات تتصارع في ما بينها وتسعى لنيل الشرعية الدولية.

ومن المعروف أن قوات المشير خليفة حفتر، المدعومة من مجلس النواب في طبرق (شرق) وكتائب مصراته وحلفائها، يتقاسمون السيطرة على ليبيا، حيث تسيطر كتائب مصراتة على معظم إقليمي طرابلس وفزان في الغرب (نحو 60 في المائة من المساحة والكتلة السكانية) بما فيهم العاصمة طرابلس بكل ما تمثله من ثقل سياسي وبشري، في حين تسيطر قوات حفتر على معظم أجزاء إقليم برقة في الشرق، وبالأخص حقول وموانئ النفط في الهلال النفطي (وسط) التي تشكل نحو ثلثي ثروات البلاد النفطية.

وتجدر الإشارة إلى أن ليبيا ذات مساحة واسعة تفوق مليون و760 كلم مربع، مقابل عدد سكان صغير جدا، يبلغ نحو 6.2 مليون نسمة، ويتركز أزيد من 90 بالمائة من السكان في المدن الساحلية وشمالي البلاد، أما الجنوب فهو بحر من الرمال تتوزع فيه مدن صغيرة وبلدات وواحات متفرقة، لذلك يقيس الليبيون حجم سيطرتهم على الأرض من خلال حجم الكتلة البشرية والثروات النفطية والاقتصادية، وليس من حيث مساحة الأرض.

ويتمركز أزيد من نصف سكان ليبيا في إقليم طرابلس (نحو 3 ملايين ونصف)، بينما يقيم قرابة ثلث السكان في إقليم برقة (أقل من مليوني نسمة)، ونحو نصف مليون نسمة في إقليم فزان، حسب تقارير إعلامية.

ويصعب بشكل دقيق تحديد مناطق سيطرة كتائب مصراته والغرب الليبي وقوات حفتر، بالنظر إلى التغيرات الميدانية المتسارعة على الأرض وتغير ولاءات القبائل والكتائب، وانقسامها أحيانا.

 

3 حكومات

وتشهد ليبيا صراعات مسلحة مستمرة منذ الإطاحة بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011، حيث تتنازع ثلاث سلطات على الحكم في البلاد، أولها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا وتحظى بدعم الأمم المتحدة، ويرأسها فائز السراج المنتمي إلى التحالف القومي الوطني ومقرها في العاصمة طرابلس، وتشكلت في فبراير/شباط 2016 بموجب اتفاق الصخيرات، وهو اتفاق سلام وقعه برلمانيون ليبيون في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015 برعاية الأمم المتحدة بمدينة الصخيرات المغربية.

أما الحكومة الثانية فهي حكومة الإنقاذ التي شكّلها المؤتمر الوطني العام الليبي في أغسطس/آب 2014، ومقرها في طرابلس، ويترأسها خليفة الغويل، ولم تنل الاعتراف الدولي. وسيطرت هذه الحكومة على مناطق واسعة من غربي وجنوبي ليبيا خلال 2015، وتحظى بدعم “مجلس شورى ثوار بنغازي” وهو تحالف يضم كتائب إسلامية تتصارع مع قوات “الجيش الوطني الليبي” التي يتزعمها خليفة حفتر. وأعلنت هذه الحكومة في 5 أبريل/نيسان 2016 عن تخليها عن السلطة وفسح المجال لحكومة “الوفاق الوطني” برئاسة السراج لتسلم الحكم بعد أقل من أسبوع من دخولها البلاد.

لكن عددًا من أعضاء المؤتمر الوطني العام ومن حكومة الإنقاذ سيطروا يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 2016 على مقرات المجلس الأعلى للدولة في العاصمة وعادت الحكومة إلى الواجهة السياسية. ودعا الغويل في بيان ألقاه من داخل قصر الضيافة الرئاسي بطرابلس الى وقف عمل حكومة الوفاق الوطني. ودعت الحكومة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حكومة عبد الله الثني في طبرق، في إطار حوار ليبي ودون وساطة خارجية.

أما الحكومة الثالثة فهي الحكومة المؤقتة، ويطلق عليها أيضًا اسم حكومة طبرق، وانبثقت عن برلمان طبرق المنحل في سبتمبر/أيلول 2014، وتتخذ من مدينة البيضاء شرقي ليبيا مقرا لها ويترأسها عبد الله الثني الذي اختار الثني الوقوف إلى جانب خليفة حفتر وبرلمان طبرق الذي كلفه بتشكيل حكومة موازية لحكومة الإنقاذ. وتحظى هذه الحكومة بدعم حفتر الذي يتزعم قوات “الجيش الوطني الليبي” الذي يحظى بدعم مصر والإمارات.

وأعلنت حكومة الثني دعمها لحكومة الوفاق التي تشكلت بموجب اتفاق الصخيرات، واتفقت مع حكومة الإنقاذ في أكتوبر/تشرين الأول 2016 على تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وتعاقب ثلاثة ممثلين للأمم المتحدة في تولي قيادة الجهود الدولية لوضع حد للفوضى في ليبيا وجمع الأطراف المتنافسة لتشكيل حكومة موحدة أو سلطة مركزية واحدة، لكن هذه الجهود لم تحقق نجاحًا يذكر حتى الآن. وبات المشهد السياسي الليبي أكثر تعقيدًا مع فشل أخر جولة من المفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة مؤخرا في ، وكان المجتمع الدولي يعلق الآمال على المؤتمر الوطني الجامع الذي كان من المنتظر أن ينعقد منتصف أبريل في غدامس.

 

إفشال الحل السياسي

وكان المجلس الرئاسي الليبي قد استنكر ما وصفه بالتصعيد العسكري من قبل بعض الأطراف، وإعلانها التوجه نحو طرابلس، وقال في بيان: “إن هذه اللغة لا تساعد على تحقيق وفاق أو توافق، وتحبط آمال الليبيين في الاستقرار، وتستهين بجميع الأطراف؛ حيث يأتي هذا التصعيد الممنهج قبل أيام معدودة من عقد الملتقى الوطني الجامع، الذي يرى فيه الليبيون بصيص أمل ومخرجًا من الأزمة وفرصة لتوحيد المؤسسات وطريقًا يوصل للانتخابات”.

وجدد المجلس الرئاسي الليبي تأكيده بألا حل عسكريًا للأزمة الليبية، قائلاً “إن الحرب لا تجلب إلا الدمار للبلد والمعاناة للشعب، فكفوا عن لغة التهديد والوعيد، واحتكموا للغة العقل والحكمة”.

وقال عضو المجلس الرئاسي في ليبيا أحمد معيتيق إن القائد العسكري المشير خليفة حفتر خالف كافة التفاهمات مع المجتمع الدولي بعد دخول قواته للمنطقة الغربية، مشيرًا إلى أن المجلس الرئاسي لم يسع للدخول في أي مواجهات عسكرية بين أبناء الوطن الواحد، مؤكدا على قدرة حكومة الوفاق على التصدي لأي هجوم يستهدف المنطقة الغربية.

وأكد معيتيق أن تحركات “حفتر” العسكرية تهدف إلى كسب مساحات على الأرض من أجل أي تسوية سياسية، وهو أمر مرفوض تمامًا حسب تعبيره.

وأضاف أنه أكد للبعثة الأممية وعدد من وزراء خارجية الدول الكبرى أن تحركات “حفتر” العسكرية مؤشر واضح على أنه لا يرغب في أي تسوية سياسية ولا في انعقاد الملتقى الوطني، مشيرًا إلى أن هذه المواجهات ستصعب من إمكانية الوصول إلى اتفاق بين الأطراف السياسية في حال انعقاد الملتقى الوطني في موعده.

لكن المتحدث باسم قوات حفتر اللواء أحمد المسماري أكد دعمه ” للملتقى الجامع” المقرر عقده منتصف الشهر الجاري في البلاد. وقال: “إننا نسير وندعم المؤتمر الجامع الذي يقوده المبعوث الأممي غسان سلامة، ولكن هناك تشويشًا على هذا المؤتمر من قبل جماعة الإخوان المسلمين بعد تنظيمها مؤتمرًا مضادًا لمؤتمر غسان”.

 

قلق دول الجوار

من جانبها أعربت دول جوار ليبيا عن قلقها من تطورات الأحداث، وأعربت مصر عن بالغ القلق من الاشتباكات التي اندلعت في عددٍ من المناطق الليبية، وناشدت جميع الأطراف ضبط النفس ووقف التصعيد.

كما أكد البيان على موقف مصر الثابت والقائم على دعم جهود الأمم المتحدة والتمسُّك بالحل السياسي كخيار وحيد للحفاظ على ليبيا وضمان سلامة ووحدة أراضيها وحماية مقدرات شعبها وثرواته من أي سوء، مع التأكيد على ضرورة مواصلة مكافحة الإرهاب واجتثاثه من كافة الأراضي الليبية.

فيما أعربت تونس عن قلقها البالغ إزاء التطورات الخطيرة وما آلت إليه الأوضاع في ليبيا، داعية جميع الأطراف إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس وتفادي التصعيد الذي من شأنه أن يزيد معاناة الشعب الليبي، ويهدد انسجامه ووحدة أراضيه.

وأكدت أهمية الحفاظ على المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتوفير كل ظروف النجاح للمؤتمر الوطني الجامع المنتظر عقده خلال الفترة القادمة، والإسراع بإيجاد حلّ سياسي دائم يمكن من إعادة الأمن والاستقرار إلى ليبيا.

أما أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، فقد دعا كافة الأطراف الليبية إلي ضبط النفس والقيام علي الفور بخفض حالة التصعيد الميدانية الناتجة عن التحركات العسكرية الأخيرة في المناطق الغربية من البلاد والالتزام بالمسار السياسي باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة في ليبيا.

كما دعت منظمة التعاون الإسلامي الأطراف الليبية، إلى ضبط النفس وحل الخلافات بالطرق السلمية، وتجنب أي تصعيدٍ مسلح قد يؤدي إلى فوضى عارمة تهدد الأمن والسلم وتُجهض عملية المصالحة الشاملة في البلاد.

وأكدت المنظمة “مساندتها لجهود الأمم المتحدة التي تهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة هناك، وذلك من خلال تشجيع الحوار الوطني الليبي بهدف التوصل إلى التسوية السلمية الشاملة”.

 

موقف المجتمع الدولي

وعلى الصعيد الدولي دعت وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والإمارات العربية المتحدة “كلّ الأطراف” في ليبيا إلى خفض “التوترات فورًا”. وقالت الدول الخمس في بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الأميركية: “في هذا الوقت الحسّاس من العملية الانتقالية في ليبيا، فإنّ التحرّكات العسكرية والتهديدات بإجراءات أحادية الجانب تهدّد فقط بإغراق ليبيا مجدّداً في الفوضى”.

وأضاف البيان: “نعتقد اعتقاداً راسخاً بأنّ ليس هناك حلّ عسكري للنزاع الليبي، وحكوماتنا تعارض أيّ عمل عسكري في ليبيا وستحمّل كلّ فصيل ليبي يؤجّج النزاع الأهلي المسؤولية”.

وأكّدت الدول الخمس في بيانها “دعمها الكامل للأمم المتّحدة في إيجاد حلّ للأزمة الليبية”.

فيما أعلن وزير الخارجية الإيطالي، إينزو موافيرو ميلانيزي، أنه سيقترح تبني موقف مشترك حول ليبيا خلال الاجتماع الوزاري لمجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى “جي 7” الذي انعقد، الجمعة، بمدينة دينارد الفرنسية، ليساعد في تجنب التصعيد العسكري وتشجيع التطور السلمي والبناء بما يتفق مع جهود الأمم المتحدة.

من ناحية أخرى قالت الرئاسة الروسية، الجمعة إن موسكو ليس لديها خطط لتقديم الدعم للقائد العسكري الليبي حفتر، مؤكدة أن موسكو لا تلعب أي دور في الأحداث الليبية الراهنة.

وقال المتحدث الصحفي باسم الرئاسة الروسية “الكرملين”، دميتري بيسكوف: “نحن نراقب عن كثب تطور الوضع في ليبيا، ونعتقد أن الأمر الرئيسي هو ألا تؤدي أي أعمال إلى استئناف إراقة الدماء في هذا البلد”. وأكد ضرورة مواصلة بذل كل الجهود الممكنة لحل الوضع بالكامل بالوسائل السياسية السلمية.

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين