أخبارأخبار العالم العربي

اشتباكات بين الجيشين السوداني والإثيوبي تشعل أزمة سد النهضة

يبدو أن أزمة سد النهضة الإثيوبي قد تجاوزت مرحلة الخلاف السياسي مع كل من مصر والسودان، وذلك بعد أن بدأت الأزمة تأخذ مسار المواجهة العسكرية المباشرة.

فمؤخرًا دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الجيش للاستعداد القتالي، في ضوء تعنت الجانب الإثيوبي وإصراره على البدء في ملء خزان السد بحلول يونيو المقبل دون انتظار موافقة من الجانبين المصري والسوداني.

فيما تطور الأمر إلى اشتباكات مباشرة بين الجيشين السوداني والإثيوبي. حيث قالت وكالة السودان للأنباء إن ضابطًا بالجيش السوداني قُتل، وأصيب عدد آخر يوم الخميس في هجوم نفذته قوات إثيوبية على الجانب السوداني من الحدود.

مواجهات مباشرة

وقال الجيش السوداني إن اشتباكات وقعت مع قوات إثيوبية نظامية، أمس الخميس، على خلفية محاولة مليشيات موالية لأديس أبابا سحب المياه من نهر عطبرة، وزراعة أراضٍ سودانية دون موافقة الخرطوم.

ويوم الأربعاء، حضر مزارعون إثيوبيون وضباط من القوات الإثيوبية إلى منطقة كمبو دالي للاجتماع مع القوات السودانية في منطقة جبل حلاوة، لطلب السماح لهم بالزراعة داخل الأراضي السودانية، إلا أن طلبهم قوبل بالرفض.

وفي اليوم التالي، تعرضت قوة استطلاع سودانية لإطلاق نار كثيف من مليشيات إثيوبية عددها 250 فردًا، ما أسفر عن “إصابة ضابط برتبة ملازم وفقدان أحد الأفراد من طوف الاستطلاع”، وفقا للناطق باسم الجيش السوداني.

وأوضح الناطق باسم الجيش السوداني، عامر محمد الحسن، أن الاشتباكات استمرت على مدار يوم الخميس أسفرت عن مقتل ضابط سوداني، وإصابة 6 آخرين، حسب وكالة الأنباء الرسمية السودانية (سونا).

وأضاف الحسن: “المليشيات الإثيوبية بإسناد من الجيش الإثيوبي درجت على تكرار الاعتداء على الأراضي والموارد السودانية”، مؤكدًا أن الخرطوم “تمد حبال الصبر في إكمال العملية التفاوضية الرامية إلى وضع حد لهذه الأعمال العدائية والإجرامية”.

تفاصيل الاشتباكات

وروى الحسن تفاصيل الأحداث مُشيرًا إلى أنه في 26 مايو انتشرت قوة تقدر بقوة سرية مشاة للجيش الإثيوبي حول معسكر القوات السودانية في منطقة العلاو داخل الأراضي السودانية.

ولفت أنه بعد مفاوضات بين الجانبين جرى الاتفاق على سحب نقطة المراقبة التابعة للقوات السودانية إلى داخل المعسكر، على أن تعود السرية الإثيوبية إلى معسكرها.

ويوم الخميس، وصلت مليشيات إثيوبية إلى الضفة الشرقية لنهر عطبرة (أحد روافد نهر النيل) من أجل سحب المياه منه، قبل أن تمنعها قوات سودانية من أخذها، بحسب عامر الحسن.

ولفت الناطق باسم الجيش السوداني أن المليشيات انسحبت إلى المعسكر الإثيوبي، بعد اشتباكات نتج عنها إصابة أحد عناصرها، إلا أنها عادت مرة أخرى إلى منطقة شرق بركة نورين مدعومة بتعزيزات من فصيلة من الجيش الإثيوبي، واشتبكوا مع قواتنا مجددًا.

وقال الناطق إنه في نفس اليوم وصلت إلى الضفة الشرقية لنهر عطبرة سرية مشاة من الجيش الإثيوبي، واشتبكت مع القوات السودانية غرب النهر، ما أدى إلى مقتل ضابط سوداني برتبة النقيب وإصابة 6 أفراد، بينهم ضابط برتبة ملازم أول.

وعلى هامش تواصل الاشتباكات بشكل متقطع، و”استخدام القوات الإثيوبية الرشاشات والبنادق القناصة ومدافع الأربجي”، أصيب 3 مدنيين سودانيين وقُتل طفل، حسبما قال الناطق.

فرصة للدبلوماسية

وقال المتحدث باسم الجيش السوداني، اليوم الجمعة، إن السودان يرى إعطاء فرصة للدبلوماسية مع إثيوبيا قبل اندلاع حرب شاملة بين البلدين.

وبحسب ما أفادت “الأناضول”، أكد الحسن أنه “على إثيوبيا تنفيذ ما اتفقنا عليه بشأن ترسيم الحدود وانتشار القوات”. وكشف الحسن أن هناك اتصالات بين قيادتي الجيشين السوداني والإثيوبي لاحتواء الخلافات الحدودية.

وأشار إلى “عودة الهدوء إلى الحدود السودانية الإثيوبية بعد اشتباكات الأمس”. في حين نقلت “سكاي نيوز” عن مراسها، أن الجيش السوداني دفع بتعزيزات عسكرية، في وقت سابق اليوم، إلى الحدود مع إثيوبيا.

وكان الجيش السوداني أعاد، في 30 مارس/آذار الماضي، انتشاره بعد غياب استمر لنحو 25 عاما في منطقة “الفشقة الصغرى” الحدودية مع إثيوبيا والمتنازع عليها بين البلدين، والتي تشهد توترات من وقت لآخر جراء نشاط عصابات في المنطقة.

توتر إقليمي

وتأتي الاشتباكات وسط توتر إقليمي بسبب سد النهضة الإثيوبي، الذي تعتزم أديس أبابا ملء خزانه في يونيو المقبل، بعد رفضها توقيع اتفاق في هذا الشأن مع مصر والسودان برعاية أمريكية.

ونفت وزارة الري والموارد المائية السودانية، أمس الخميس، ما أورده موقع “جريدة السوداني” حول إبلاغها نظيرتها المصرية باتساع الخلافات مع إثيوبيا بشأن استئناف مفاوضات سد النهضة، نافية صحة ذلك. وقالت إن ما نُشر هدفه “خلق بيئة غير مناسبة لبدء التفاوض”، حسب وكالة الأنباء السودانية.

ولعبت إثيوبيا دورًا لافتًا في إتمام اتفاق تبادل السلطة في السودان بين الموقع بين المجلس العسكري الحاكم وتحالف قوى الحرية والتغيير في يوليو تموز 2019. وجاء ذلك بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في مطلع أبريل نيسان من العام نفسه، في غضون انتفاضة شعبية دامت لشهور.

سد مثير للجدل

ويشكل سد النهضة الإثيوبي مصدرًا للتوتر في حوض نهر النيل، منذ أن أطلقت إثيوبيا المشروع في عام 2011، وتقول أديس أبابا إن السد مهم لاقتصادها، بينما تخشى القاهرة من أن يوثر على كمية مياه النيل الذي يوفر كل احتياجات مصر من المياه تقريبا.

وفشلت المحادثات، التي أجريت في وقت سابق من هذا العام، بين الحكومتين والسودان، الدولة الأخرى المعنية، في تحقيق انفراج.

وفي تطور لافت طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخرًا من الجيش المصري “التحلي بأقصى درجات الجاهزية والاستعداد القتالي لحماية أمن مصر القومي”.

وأثار هذا الإعلان جملة من التساؤلات بشأن توقيته، خاصة وأنه جاء بعد إعلان الخارجية الأثيوبية عدم تأجيل ملء سد النهضة.

 وكان وزير الخارجية الإثيوبي غيدو أندارغاشيو، قد أكد في رسالة بعث بها إلى مجلس الأمن، إن بلاده “لا ترى أي سبب لتأجيل ملء خزان سدها” الضخم، على الرغم من تحذيرات مصر من أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة.

وفي أبريل الماضي، اقترح رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد المضي في “ملء المرحلة الأولى” التي ستجمع 18.4 مليار متر مكعب من المياه في خزان السد على مدى عامين.

لكن كلا من مصر والسودان يخشيان من أن الخزان، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية القصوى 74 مليار متر مكعب، سيحتجز إمدادات المياه الأساسية السنوية للنهر.

هل تشتعل الحرب؟

يؤكد المراقبون أن مصر والسودان لا تسعيان للحرب، لكنهما تدفعان على صعيد دولي لإجبار أثيوبيا على العودة للتفاوض واحترام الوسطاء.

وأشاروا إلى أن مصر منذ اللحظات الأولى للأزمة جنحت للسلم ولم تلوح بالحل العسكري رغم امتلاكها القدرة على تدمير السد، وفضلت احترام العلاقات التاريخية بين القاهرة وأديس أبابا وطلبت من الولايات المتحدة الوساطة في الملف ونقلته فيما بعد إلى مجلس الأمن.

وأوضح ويليام دافيسون من مجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة لمنع النزاعات، أنّه في حين أن رسالة مصر إلى مجلس الأمن تزيد من مخاطر نشوب نزاع، فإن احتمال نشوب نزاع مسلح بسبب الخلاف حول السد لا يزال “مستبعداً للغاية”.

وقال دافيسون “يمكننا توقع نوع من التصعيد الدبلوماسي وخطاب أكثر عدوانية. لكن من الواضح أن التوصل إلى حل تفاوضي هو أفضل سبيل للجميع. ولا يزال هناك كثير من الاحتمالات لذلك”.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين