أخبارأخبار العربتقارير قضايا عربية

أطفال فلسطين أمام المحاكم الإسرائيلية.. متهمون أم مجني عليهم؟!

أحمد الغـر

في الأسابيع الأخيرة؛ صعّدت من استهدافها لأطفال ، ليس فقط بإطلاق الرصاص والغازات السامة عليهم وضرب من يقع في أيدي جنودها، وإنما باستدعائهم إلى مراكز التحقيق، في انتهاك واضح لاتفاقيات حماية ، التي أقرتها المواثيق الدولية، وتطور يثير الاستغراب والاستهجان.

أصغر مطلوب للتحقيق!

مؤخرًا؛ توجه الطفل المقدسي “محمد عليان”، البالغ من العمر 3 سنوات ونصف، للتحقيق معه في مركز المسكوبية التابع للشرطة الإسرائيلية في القدس، الطفل الذي يُعدّ أصغر مطلوب للتحقيق في تاريخ القضية الفلسطينية، استدعته الشرطة للتحقيق معه بتهمة إلقاء الحجارة على جنود الجيش الإسرائيلي، في واقعة أثارت استهجان كل من سمعها أو عَلِمَ بها.

“إنها مفارقة موجعة حد البكاء”، هكذا تحدث “ربيع عليان”، والد الطفل، وهو يحاول وصف أمام كاميرات الصحفيين، وأمام طفله، الذي تلبسه الرعب على أبواب مركز التحقيق، بينما كان يحمل بيده بعض الحلوى، ويرافقه عشرات المقدسيين الذين توجهوا معه نحو المركز.

هكذا تتعامل مع ، فما جرى مع الطفل عليان، تكرر بنسخة كربونية مع الطفل “قيس عبيد”، البالغ من العمر 6 سنوات، من بلدة العيسوية والذي تم طلبه للتحقيق لنفس التهم، وقد سبقهما محاكمة الفتاة الفلسطينية الشجاعة عهد التميمي، التي أثارت قصتها وسائل الإعلام العالمية.

مبرر زائف

“هذه الحجارة يمكن أن تتسبب في موتنا”، هذا ما ادعته ذات يوم نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية “إيلانا شتاين”، عندما كانت تدافع عن إلقاء شرطة إسرائيل القبض على أطفال فلسطينيين.

لكن “شتاين” نسيت ـ أو تناست عمدًا ـ أن القذائف الإسرائيلية والموجهة والقنابل العنقودية والذكية التي تطلقها إسرائيل بغزارة على القرى والمدن الفلسطينية تتسبب في الموت المحتوم للأطفال والكبار وكل ما هو حي في المكان الذي تُقذف عليه.

معاناة الأطفال

سوء معاملة الأطفال تتم على نطاق واسع ومنهجي ومؤسسي، بدءًا من الاعتقال إلى التحقيق والمقاضاة ثم الإدانة في نهاية المطاف، معظم الاعتقالات تحدث في جوف الليل، ولا يتم إخطار الآباء دائمًا عن اعتقال أبنائهم، فغالبًا ما يحدث الأمر بشكل مفاجئ.

معاملة قاسية ولا إنسانية لا يُمكن أن تمارس بحق أطفال لا تتجاوز أعمارهم عدد أصابع اليدين، لكن السلطات الإسرائيلية تفعل ذلك بكل أريحية، وصولًا إلى حد القتل.

فأثناء الاستجواب، يُمّنَع الأطفال من الحصول على مشورة محام، أو وجود أحد الأقارب معهم، ويتعرض الأطفال للضرب المبرح، والحرمان من النوم، ومن الطعام، والتهديد والشتائم، والتحرش الجنسي، والحرمان من الزيارة.

كما يُستخدم معهم أبشع الوسائل النفسية والبدنية لانتزاع الاعترافات، والضغط عليهم لتجنيدهم للعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية.

والأسوأ في الأمر أن التهم الموجهة إليهم أحيانا ما تكون هي قذف الحجارة على المركبات الإسرائيلية، رغم كونها مصفحة ضد الرصاص والقذائف.

غير آدمية

في السجون والمعتقلات الإسرائيلية؛ يعاني الأطفال الأسرى من نفس الويلات التي يعاني منها الأسرى البالغين، من ظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية، تفتقر إلى مراعاة الحد الأدنى من المعايير الدولية لحقوق الأسرى، إلى جانب الانقطاع عن العالم الخارجي، والحرمان من زيارة الأهل.

كما يعانون من نقص الطعام ورداءته، وانعدام النظافة، وانتشار الحشرات، والاكتظاظ، والاحتجاز في غرف لا يتوفر فيها تهوية أو إنارة مناسبتين، ناهيك عن الإهمال الطبي وانعدام الرعاية الصحية وتفشي الأمراض، وأحيانا ما يتم احتجاز الأطفال الأسرى مع جنائيين إسرائيليين، مما يعرضهم للإساءة اللفظية والضرب والتحرش الجنسي.

إحصائيات مخزية

في كل عام؛ على مدى السنوات العشر الماضية، بحسب تقديرات منظمة للطفولة ()، تعتقل إسرائيل حوالي 700 طفل فلسطيني، تتراوح أعمارهم بين 10 إلى 17 عاماً، معظمهم من الفتيان، بمتوسط طفلين في اليوم الواحد.

فإسرائيل لا تقيم وزنًا لحياة الأطفال الفلسطينيين، تضعهم دائمًا في دائرة الاستهداف، خلال العام 2016م فقط تم إصابة وجرح نحو 3230 مواطناً فلسطينيًا، كان من بينهم نحو 1040 طفلاً، وخلال مسيرات العودة في ، منذ انطلاقتها في 30 مارس من عام 2018م، تم إصابة ما يقرب الـ 4072 طفل.

وقد وثَّقت المؤسسات الحقوقية للدفاع عن الأطفال في فلسطين استشهاد 2094 طفلاً على يد الجيش الإسرائيلي منذ عام 2000م؛ أي مع بدء انتفاضة الأقصى وحتى الآن.

أيقونات أطفال المقاومة

الأطفال عديدة وتأخذ صورًا مختلفة، أبرزها جريمة إحراق وقتل الطفل المقدسي “محمد أبو خضير”، بعد أن اختطفه المستوطنون، وجريمة إحراق أطفال عائلة دوابشة في داخل منزلهم في نابلس، وقصف طائرة إسرائيلية دون طيار لثلاثة أطفال في خان يونس، وهم: (خالد بسام، وعبد الحميد أبوظاهر، ومحمد السطري)، وجميعهم لا تتجاوز أعمارهم 13 عامًا، مما أدى إلى استشهادهم على الفور.

أيضًا الرضيعة “إيمان حجو” التي توفيت على إثر قصف دبابات إسرائيل لخان يونس بشكل عشوائي عام 2001م، أما الطفل الأيقونة “محمد الدرة” الذي استهدفه جنود إسرائيل وهو يحتمي بحضن والده في شارع صلاح الدين بقطاع غزة عام 2000م، وتحت رصد كاميرات المصورين، فهي الحالة الأبرز على حالات استشهاد الأطفال بسبب عنف الجنود الإسرائيليين.

هذه مجرد نماذج قليلة، إذ تتسع القائمة لتشمل آلاف الأطفال والأجنة والرضع الذين استشهدوا منذ بدء القضية الفلسطينية وحتى الآن، الأمر الذي حوّل موت الطفل الفلسطيني إلى مشهد يومي متكرر، ضمن يوميات مليئة بشتى أشكال الألم والفقد والمعاناة المستمرة، ولتغدو قصة استشهاد الطفل الفلسطيني معاناة مفتوحة، بلا سقف، وبلا حدود.

تحقيقات شكلية

أحيانا ما تفتح السلطات الإسرائيلية بعض التحقيقات الخاصة بشكل انتقائي في عدد محدود من حوادث قتل أو إصابة الأطفال الفلسطينيين، لكن كثيرًا ما تكون إجراءات هذه التحقيقات غير نزيهة وليست مستقلة، وفي ظل انتشار ثقافة الإفلات من العقاب في أوساط الجنود الإسرائيليين وعلمهم المسبق أنهم لن يحاسبوا على أفعالهم مهما كانت النتيجة، فإن انتهاكاتهم لا تتوقف، رغم كونها ترتقي لمستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

فإسرائيل لا تعطي بالًا إلى اتفاقية حقوق الطفل، أو اتفاقية مناهضة التعذيب، أو غيرها من الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، حتى قرارات الشجب التي تصدر بشكل متكرر عن منظمة الأمم المتحدة وأفرعها ومنظمات حقوق الإنسان والأطفال باتت من الأمور المعهودة، ولا تراعي إسرائيل حداثة سن الأطفال أثناء تقديمهم للمحاكمة، فلا يتم تشكيل محاكم خاصة لهم.

كما أن السلطات الإسرائيلية تحدد سن الطفل بما دون الـ 16 عاماً، ويستند في استصدار الأحكام ضد الأطفال إلى أمر عسكري إسرائيلي رقم “132”، وهو ما يشكل مخالفة صريحة لنص المادة رقم “1” من اتفاقية الطفل، التي عرفت الطفل بأنه “كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة عام”.

وعلى الرغم من عدم وجود الحكم بالسجن في القانون الإسرائيلي لقاصر دون سن 14 عامًا، فيجوز سجن فلسطيني يبلغ من العمر 12 عاما بموجب القانون العسكري لإسرائيل.

لا خطوط حمراء

الانتهاكات الإسرائيلية لم يتبق أمامها أي خطوط حمراء، فبعد انتهاك حرمة المستشفيات ودور العبادة وبيوت المدنيين وسيارات الإسعاف، وإطلاق الرصاص بقصد القتل من المسافة صفر على المصابين والشيوخ والنساء، لن يكون اعتقال الأطفال ومحاكمتهم أمرًا مستغربًا على السلطات الإسرائيلية.

ولن تكون هذه الجرائم هي الأخيرة، خاصةً إذا استمر الصمت الدولي حيالها. لقد وُلِدَ أطفال فلسطين ليكونوا كل شيء إلاّ أطفالا، وخرجوا إلى هذه الدنيا وقد أنفقوا حياتهم حتى قبل أن يعيشوها، إنهم أبطال المقاومة الصغار الذين يسطرون أبهى صفحات التاريخ ببطولاتهم.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: