أخبار العربتقاريرتقارير قضايا عربية

9 سنوات على الثورة التونسية.. حصاد المكاسب والخسائر

هاجر العيادي

تُحيي غدًا الثلاثاء الذكرى التاسعة لثورة يناير .. أو “” كما يلقبونها …ثورة انطلقت من محافظة سيدي بوزيد عقب إقدام الشاب على حرق نفسه احتجاجًا في 17 ديسمبر 2010.

وتسببن وفاة البوعزيزي في إندلاع شرارة احتجاجات شعبية في تونس انتهت بسقوط نظام الرئيس الأسبق في 14 يناير 2011، بعد هروبه من البلاد إلى السعودية حيث استقر وتوفي هناك.

تسع سنوات مرت على اندلاع التي كانت بداية ما أطلق عليه وقتها “ثورات الربيعع العربي”.. لكن بعد كل هذه السنوات ماذا تحقق في تونس؟، وما الذي حققه التونسيون من ثورتهم وما تلاها من تطورات؟.

راديو صوت العرب من يرصد لك ف هذا التقرير أهم المكاسب والخسائر التي نتجت عن الثورة التونسية خلال 9 سنوات

مجرد كتابة على الجدران

لعل المتابع لتسع سنوات من الثورة يدرك حق اليقين أن السجال الدائر حتى الآن يوحي في مظهره الخارجي بالانهماك في إعداد جرد لما تحقق، ومقارنته بما لم يتحقق، ومعيار كيل الكفتين، هو حتما تلك الشعارات التي ضجت بها الشوارع يومذاك، وأصبحت اليوم أثرًا بعد عين ولم يتبق منها إلا كتابة على الجدران والساحات، وفق مراقبين.

أسئلة عالقة

في المقابل قد يتجاوز ذلك الجرد المبسّط إلى طرح أسئلة أكثر عمقا وأبعد مدى لبحث ما تحقق من عدمه.
الأمر يتجاوز الحيز التونسي، وما تخلله من “ثورة” كان هناك اختلاف في توصيفها، ويتجه إلى سجال طال كل الثورات وكل المنعرجات الكبرى في التاريخ البشري: فهل بالخبز وحده يحيا الإنسان؟، وهل بوسع الإنسان المعاصر أن يقايض حقوقه الأساسية بحقوقه السياسية؟، وهل يحق له إنجاز ترتيب لأولوياته المعيشية قبل القيمية أو العكس؟

تردي الأوضاع وغلاء المعيشة

أما عن ما تحق وما لم يتحقق فعلى الصعيد الاجتماعي لاتزال تونس تعاني استمرار الفقر والعزل والتغييب وسوء الخدمات والفساد والمحسوبية وهدر المال العام وازدراء الخبرات والتعامل بفوقية مع الشعب والصفقات المريبة، وسواها من مفردات التاريخ الرث.

وباتت هذه المشاهد ملحوظة في المجتمع التونسي، حيث تعود التونسي على أن يغدو حالمًا بأن تتغير حياته، لكن لاجدوى من ذلك على حد قول المراقبين. فالحكومات تتوالى ولاجديد يذكر.

بوعزيزي جديد بعد 9 سنوات

كما استمرت الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية، وتصاعد الاحتجاج الاجتماعي ونزل الآلاف من المحتجين إلى الشارع.

وأحدث تلك الاحتجاجات حصلت في 24 ديسمبر الماضي، في مدينة القصرين (غرب)، وشهدت اشتباكات بين محتجين وقوات الأمن، إثر انتحار مصور تلفزيوني يدعى عبدالرزاق الرزقي حرقًا؛ احتجاجًا على الأوضاع الاجتماعية المتردية، وخاصة البطالة في المدينة.

أبرز المحطات طيلة 9 سنوات

شهدت تونس عدة محطات هامة منذ بدء الثورة، تخللتها اضطرابات اجتماعية وسياسية وأمنية، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

* بوعزيزي يطلق الشرارة: في 17 ديسمبر 2010، أقدم البائع المتجول محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد (وسط غرب) على إضرام النار في نفسه، ما أدى إلى إطلاق حركة احتجاج شعبية على الفقر والبطالة. وتوفي البوعزيزي في الرابع من يناير. وسرعان ما امتدت التظاهرات التي رافقتها أعمال شغب إلى كل أنحاء البلاد.

* هروب بن علي: تجمع الآلاف من المتظاهرين في تونس وفي الضواحي للمطالبة برحيل بن علي الذي فر إلى السعودية بعد 23 عامًا بلا منازع في الحكم. وأصبح أول رئيس عربي يغادر السلطة بضغط من الشارع. وقتل 338 قتيلاً خلال أحداث الثورة وفق مصادر أمنية .

* فوز حركة النهضة الإسلامية: في 23 أكتوبر 2011، فازت حركة النهضة الإسلامية، التي كانت محظورة خلال عهد بن علي وفازت في مارس، بـ89 مقعدا من أصل 217 في المجلس التشريعي في أول انتخابات حرة في تاريخ تونس.

* رئيسًا: وفي ديسمبر 2011، انتخب المجلس التأسيسي المنصف المرزوقي، الناشط اليساري المعارض لبن علي، رئيسًا للجمهورية، بينما تم تكليف حمادي الجبالي، الرجل الثاني في حركة النهضة، بتشكيل حكومة.

* اغتيال معارضين: في السادس من فبراير 2013، اغتيل المعارض اليساري شكري بلعيد في تونس العاصمة. وفي 25 يوليو، اغتيل المعارض القومي اليساري محمد البراهمي بالقرب من العاصمة. وتبنى جهاديون موالون لتنظيم الدولة الإسلامية عمليتي الاغتيال اللتين أثارتا أزمة سياسية.

* إقرار الدستور: في 26 يناير 2014 وبعد أشهر من المفاوضات الصعبة للخروج من الأزمة السياسية، وقع القادة التونسيون الدستور بعد تأخير استمر أكثر من عام.

* السبسي أول رئيس منتخب: فاز حزب نداء تونس المعادي للإسلاميين بقيادة الباجي قائد السبسي بالانتخابات التشريعية بعد حصوله على 86 مقعدا من أصل 217 في البرلمان متقدما على حزب النهضة. وفي ديسمبر، أصبح الباجي قائد السبسي أول رئيس تونسي منتخب ديمقراطيا بالاقتراع العام.

* اعتداءات إرهابية: في العام 2015 نفذ تنظيم الدولة الإسلامية المتواجد في ليبيا المجاورة عدة اعتداءات إرهابية: ففي 18 مارس قتل 21 سائحًا أجنبيًا وشرطي تونسي في اعتداء على متحف باردو في العاصمة.

وفي 26 يونيو، أوقع اعتداء على فندق بمرسى القنطاوي بالقرب من سوسة (جنوب) 38 قتيلا بينهم 30 ،

وفي 24 نوفمبر استهدف هجوم الحرس الرئاسي ما أسفر عن 12 قتيلا. وفي مارس 2016 هاجم العشرات من الجهاديين منشآت أمنية في بنقردان (جنوب).

* تغييرات كبيرة عام 2018: ودعت تونس عام 2018، الذي شهد تغييرات كبيرة في مشهد سياسي استمر منذ انتخابات 2014، بالتحالف الحكومي بين حزبي نداء تونس والنهضة.

ومن أبرز هذه التغييرات نجد إعلان الرئيس التونسي انتهاء التوافق بينه وبين حركة النهضة. إضافة إلى ابتعاد رئيس الحكومة يوسف الشاهد لمسافة عن الرئيس السبسي وعن القيادة الراهنة لحزبه (نداء تونس- ليبرالي). ومن المتوقع أن يؤسس الشاهد لمشروع سياسي جديد.

* المستقلون أولا: في 6 مايو 2018، جرت أول انتخابات بلدية منذ ثورة 2011، وتصدرت القوائم المستقلة نتائج الانتخابات بنسبة 32.9 بالمئة، تلتها حركة النهضة بـ29.68 بالمئة، وحركة نداء تونس بـ22.17 بالمئة.

نهاية الفترة الإنتقالية

كان عام 2019 مليئة بالعديد من الاحداث السياسية التي لخصت نهاية فترة في الانتقال الديمقراطي والدخول في مرحلة ثانية،

ولعلّ أهم الاحداث التي انعكست على المشهد السياسي، وفاة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وتنظيم انتخابات سابقة لاوانها وحدوث انقسام غير مسبوق في حزب نداء تونس.

عودة شعار “

على صعيد آخر كان من اللافت في إحياء ذكرى انطلاق شرارة الثورة هذا العام عودة شعارها الأصلي الذي صدح به التونسيون في كل ركن من أركان البلاد قبل 9 سنوات، وهو شعار “الشعب يريد”.

وجدد هذا الشعار المرشح الرئاسي قيس سعيّد في حملته الانتخابية، وهو الشعار الذي قاده إلى قصر قرطاج، وهو المواطن العادي البسيط الذي جاء من سياق شعبي خارج عن المألوف الحزبي والمربع الانتخابي التقليدي،

 

وللمرة الأولى، وفق متابعين، تسجل تونس استحقاقا انتخابيا بفوز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد برئاسة الجمهورية والإجماع شبه التام من قبل التونسيين على شخصه.

واستطاع أن يجدد الآمال في صفوف الشباب، خصوصاً والمناطق المحرومة، وهو ما يجعل من مسؤوليته مضاعفة ويرفع من سقف التوقعات المعلّقة عليه.

نجاح سياسي وتعثر اقتصادي

مع حلول يناير 2020 تكون قد مرت 9 سنوات على الثورة التونسية، لكن دار لقمان ظلت على حالها، فقد مر عام آخر دون أن يكتمل بناء المرحلة الانتقالية التي تعيشها تونس منذ 2011، ورغم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لم يتم تشكيل الحكومة الجديدة حتى الآن.

ويرى متابعون أن البناء المكتمل يشتمل بالضرورة ماهو اقتصادي واجتماعي، إلا أن مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس ما تزال مقتصرة على إنجاح الجانب السياسي، لكن هذ النجاح السياسي ترافق مع استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، التي لا زالت معقدة وعصية على الحل، وبدأت أيضًا تلقي بضلالها على الحياة السياسية.

فرغم تعدد الحكومات على مدار 9 سنوات عجزت الحكومات التونسية المتعاقبة عن مواجهة الازمة الاقتصادية بدءًا بحكومة الجبالي، ثم حكومة مهدي جمعة، إلى حكومة الحبيب الصيد، ووصولا إلى حكومة يوسف الشاهد، واليوم ننتظر حكومة خامسة هي حكومة الحبيب الجملي التي لم تر النور حتى الآن.

ولم تحظ حكومة الحبيب الجملي بثقة مجلس نواب الشعب بعد تصويت 134 نائبًا بالرفض، واحتفاظ 3 وموافقة 72 نائبا، في حين أن مرورها يتطلب حصولها على تصويت 109 نائبا.

5 حكومات متتالية طيلة 9 سنوات ودار لقمان ظلت على حالها لم تتغير بل زاد الوضع سوءًا، وفق متابعين.

الأمن في الصدارة

على الصعيد الأمني يقول متابعون إن تونس رغم ماشهدته من عمليات إرهابية مرورًا بحادثة الشعانبي الى اغتيال السياسين شكري بلعيد ومحمد الإبراهيمي، وحادثة متحف باردو وغيرها من الأحداث الأخرى، الا أن هاك عدة مكاسب في المجال الأمني شهدتها البلاد.

فبعد ضربات عديدة هدّدت الدّولة التونسية و مثّلت خطرا على وحدتها من قبل المجموعات الإرهابية المسلّحة التي تواجدت في تونس عقب الثورة، باتت الخطط الأمنية و العسكرية أكثر نجاعة في السنوات الخمس الأخيرة، والتي اختارت فيها وحداتنا الأمنية و العسكرية استهداف رؤوس تنظيم كتيبة عقبة بن نافع التابع لتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي.

ويعتبر هذا التنظيم الإرهابي الأخطر في المغرب العربي لاعتماده أساسا على قيادات إرهابية جزائرية متمرسة في حرب الجبال لعدة سنوات، تحت قيادة الإرهابي الجزائري عبد المالك درودكال، والمكنى بأبي مصعب عبد الودود.

كما عملت أجهزة الامن و الدفاع التونسية على تحديد القادة الإرهابيين الميدانين في جبال تونس و استهدفتها لإضعاف هذه التنظيمات التي تشرف عليها تنظيميا و لوجيستيا قيادات على علاقة مباشرة بتنظيم القاعدة.

وإضافة إلى هذا، تم القضاء على الإرهابي الخطير خالد الشايب و المكنى بلقمان أبو صخر و الذي قضي عليه بالمنطقة الفاصلة بين القصرين و قفصة سنة 2015، في كمين أدى أيضا إلى القضاء على المشرف الإعلامي على صفحات التنظيمات الإرهابية على وسائل التواصل الاجتماعي محمد أمين مسكوكة، المكنى بأبي ايمن الوهراني، وهو إرهابي جزائري خطير.

وعرفت سنتي 2018 و2019 إنجازات هامة حيث نالت التنظيمات الجهادية ضربات عديدة من قبل وحدات الحرس و الجيش الوطنيين، وتم القضاء على عديد الإرهابيين .

وتجدر أن على هؤلاء الإرهابيين كلف تونس استشهاد عشرات الأمنيين و العسكريين و المواطنين.

وتؤشر النجاحات الأمنية الملحوظة في تعقب الخلايا الإرهابية النائمة واستباق عملياتها التخريبية وكشف مخططاتها، إلى أن تونس الثورة الديمقراطية باتت لها أنياب تحفظ الوطن والمواطن سويا من مخاطر الصوملة والأفغنة، وفق متابعين.

الخطر مازل واردًا

وبالرغم من هذه المكاسب الأمنية إلا أن الواقع، على تحسّنه، يبقى على حافة الانفجار في أي لحظة، في ظل “غابة السلاح وما يعرف بالميليشيات الإرهابية” في ليبيا، وتمركز الجماعات الإرهابية في الساحل الأفريقي المتاخمة لمنطقة المغرب العربي، ومع بقاء جيوب إرهابيين في الجبال الغربية للبلاد.

مكاسب هامة رغم خيبات الأمل

في النهاية 9 سنوات مرت على الثورة التونسية، التي عرفت باسم ثورة الياسمين، وأولى شرارات الربيع العربي، ورغم الكثير من الإخفاقات وخيبات الأمل التي ألقت بها رياحها، تبقى هذه الثورة حدثا بارزًا في تاريخ تونس، حيث أثبتت قدرة الشعب على التعبير والانتفاضة وفق شهادة الكثيرين.

ورغم الوضع الصعب القائم، إلا أن التونسيين أثبتوا على مدار السنوات الماضية أنهم ماضون في نسج ثورتهم واستكمال بنائها، وأنهم على الرغم من كل هذه الصعوبات، متمسكين في كل استحقاق بالتداول السلمي للسلطة، واللجوء إلى الصندوق لحسم خلافاتهم.

ويبقى نجاح الثورة التونسية موكول إلى الحكام لتغيير الأوضاع الاجتماعية، على الرغم من المحيط المتوتر غير الملائم لتطوير أسواق العمالة والمبادلات الاقتصادية والتجارية، فضلا عن تطوير الاستثمار.

ويتطلب الأمر من الحكومة المرتقبة أن تكون حكومة خلّاقة، ولا تكتفي بإدارة الشأن اليوميّ، وأن تستنبط حلولاً وبدائل جديدة، قادرة على إحياء جذوة الأمل في صفوف الشبان والمستثمرين، وخلق مناخ ملائم لذلك، حتى تحقق تونس نجاحًا اقتصاديًا يناسب النجاح السياسي الذي أبهرت به دول المنطقة والعالم.

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: