أخبار العالم العربيتقارير

هل ينجح “قانون قيصر” في حماية السوريين من جرائم نظام الأسد؟

علي البلهاسي

بعد جهود حثيثة قادها نشطاء أمريكيون وسوريون معارضون استمرت لأكثر من 5 سنوات خرج قانون “قيصر” للنور، أمس الجمعة، بعد أن وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا بهدف حماية المدنيين السوريين من جرائم نظام بشار الأسد.

القانون موجه بالأساس لحكومة دمشق وحلفائها في سوريا وإيران، وسبق أن أقره الكونجرس الأمريكي بمجلسيه (النواب والشيوخ) لمنح السلطات الأمريكية أدوات لـ”المساعدة في إنهاء النزاع المروع المستمر في سوريا” من خلال “التشجيع على مساءلة” حكومة بشار الأسد، وفقًا لما صرح به وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بيان نشر على موقع الوزارة عقب توقيع ترامب للقانون.

وقال بومبيو إن تبني “قانون قيصر” هو “خطوة مهمة في سبيل تعزيز المحاسبة عن الفظائع التي يقترفها الأسد ونظامه”، مؤكدًا أن “هذا القانون الجديد يجعلنا أقرب من ضمان العدالة لهؤلاء الذين يعانون من وحشية النظام”.

فما هو هذا القانون؟، وما هي بنوده؟، وهل سينجح في تحقيق أهدافه؟، والأهم هل أمريكا جادة هذه المرة في حماية السوريين ومحاسبة النظام السوري على جرائمه؟، أم أن القانون سيكون شكليًا ولا يجد فرصة حقيقية للتطبيق على أرض الواقع، خاصة وأن النظام السوري كعادته سيسعى للتهرب من عقوباته بدعم ومساعده من حلفائه في سوريا وإيران؟، وكيف سينجح قانون حماية السوريين من بطش نظام بشار في حمايتهم من تداعيات العقوبات المرتقبة؟

أسئلة كثيرة نحاول الإجابة عليها في التقرير التالي:

ما هو قانون قيصر؟

قانون “سيزر” أو “قيصر”، هو قانون لحماية المدنيين السوريين، سُمي بهذا الاسم نسبة لمصور سابق في الجيش السوري خاطر بحياته عندما انشق عن النظام السوري، واستخدم اسم “سيزر” أو “قيصر” كاسم حركي لإخفاء هويته الحقيقية، وهرب إلى أمريكا عام 2014 حاملاً معه 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل قتلوا تحت التعذيب في سجون النظام السوري، والتي تعود لحوالي 6000 معتقل.

وتم عرض هذه الصور في مجلس الشيوخ الأمريكي، وأثارت ردود فعل عالمية غاضبة. وبعدها انطلقت جهود نشطاء سوريين معارضين لدفع الكونجرس نحو إقرار قانون يحمي المدنيين السوريين من بطش النظام السوري.

وعلق (قيصر) على إقرار قانون قيصر قائلًا إنه “يجدد الأمل لشعب تعرض للاضطهاد والظلم، وبأن ثورتنا والعدالة التي نتطلع إليها تجاه الضحايا لم تمت”، وأضاف قائلاً “توقنا للحرية سيستمر، مادام هناك رجال ونساء أحرار في هذا العالم مثل الشعب الأمريكي والكونجرس”.

رحلة صعبة في الكونجرس

رغم فظاعة ما كشفت عنه الصور المسربة لم يجد مشروع قانون “قيصر” أو “سيزر” طريقه سهلًا نحو الإقرار في الكونجرس، واستمرت المناقشات حوله والمحاولات لتمريره نحو 5 سنوات.

وكان مشروع القانون قد تم تقديمه والتصديق عليه 3 مرات في مجلس النواب خلال آخر 3 سنوات، كما تم إقراره في مجلس الشيوخ أيضًا، لكن المشكلة كانت تتمثل في أن النسخة المقرة في مجلس النواب لم تكن تتوافق مع النسخة المقرة في مجلس الشيوخ، مما كان يعني عدم تمكن الكونغرس (بغرفتيه) من إرساله للرئيس للتوقيع عليه وإصداره للتنفيذ، كما كان مشروع القانون مرتبطًا في البداية بثلاث مسودات قوانين أخرى.

ونجح نشطاء الجالية السورية في دفع جهود فصل قانون سيزر عن القوانين الثلاثة الأخرى التي أقرت معه في مجلس الشيوخ، وتم هذا الأمر بناء على نصيحة من السيناتور “مكونيل” والسيناتور “روبيو” خاصة وأن أحد هذه القوانين الثلاثة، وهو قانون خاص بالموازنة العامة، كان لا يحظى بموافقة مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.

لذلك كان الحل الوحيد هو دفع أعضاء بارزين بكلا الغرفتين للقبول بضم مسودة القانون كملحق مع مسودة قانون الموازنة للدفاع National Defense Authorization Act، والتي يُعرَف عنها أنها تمر بشكل سريع إذا لم يكن هناك إشكال كبير جدًا بشأنها بين الحزبين.

وبعد جهود كبيرة ودعوات ولقاءات كثيرة جرت منذ آخر الصيف الماضي، تمت الموافقة على إرفاق نص مسودة قانون قيصر كإضافة لقانون الموازنة، ليتم التصويت على القانون ضمن التصويت على قانون الموازنة للدفاع للعام 2020، وبالتالي مر القانون بسهولة في مجلس الشيوخ وتم إرساله للرئيس ترامب ليوقعه مباشرة ويدخل مرحلة التنفيذ.

جهود الجالية السورية

شارك العديد من أعضاء ومنظمات الجالية السورية في أمريكا بدرجات متفاوتة في دعم تمرير مشروع قانون سيزر أو قيصر، ويمكن القول إن أهمية القانون تكمن في كونه نتيجة جهد كل الجالية السورية الأميركية، حيث تضافرت فيها المبادرات الفردية مع العمل الجماعي.

وعلى مدى السنوات الماضية ساهم أبناء الجالية السورية بأكثر من مليوني دولار من تبرعاتهم لتمويل رحلات شهود العيان بما فيهم قيصر نفسه، والإنفاق على حملات التوعية داخل المجتمع الأمريكي، والتواصل مع أعضاء الكونجرس وتقديم الشرح لهم حول أهمية هذا القانون في حل الأزمة السورية وتحقيق العدالة، ومساهمته في إعادة اللاجئين وإطلاق سراح المعتقلين.

وشارك في هذه الجهود العديد من أبناء الجالية السورية في أمريكا بمختلف منظماتها ومجالسها ونخب أفرادها، والذين نجحوا في تشكل مجموعات ضغط واعية، عرفت كيف تفهم القوانين الأمريكية وآليات إقرارها، ونقاط القوة والضعف لدى من حاول منع تمرير هذا القانون.

ولعبت الجالية السورية في جنوب كاليفورنيا بقيادة المعهد السوري للتقدم (SIP) دورًا حاسمًا وكبيرًا في الضغط على مشروع القانون ودفعه من خلال مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وتركز عملهم على 3 مجالات رئيسية هي: الضغط على الكونغرس برئاسة السيد سعيد مجتهد، و الضغط على مجلس الشيوخ برئاسة الدكتور زيد كيالي والتوعية المجتمعية والدعوة للمشاركة برئاسة الدكتور زياد قطيع والسيد أكرم حاج حميد والدكتور زاهر عزاوي.

ولعب هؤلاء السادة الثلاثة دورًا كبيرًا في دعم جهود اللوبي السياسي التي كانت ضرورية للقيام بجمع التبرعات عبر الجالية السورية الأمريكية لدعم تمرير مشروع القانون. بالإضافة إلى ذلك، عملوا على تثقيف الجالية السورية وممثليهم المحليين حول أهمية مشروع القانون واستمروا بإطلاعهم على التطورات حوله خلال السنوات الماضية.

وأدت هذه الجهود ومجالات التركيز الثلاثة إلى صياغة ورعاية مشروع القانون من قبل عضو الكونغرس إليوت إنجل، والذي أيضًا صاغه السيناتور جيمس ريش في مجلس الشيوخ، ووجد دعمًا من قبل السناتور ميتش ماكونيل، وحشد تأييد رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لقبول مشروع القانون.

وتمثل جهود أبناء الجالية السورية لإقرار قانون قيصر تجربة تستحق الدراسة والاقتداء، كما أنها تطرح سؤالاً هامًا حول ضرورة أن يكون هناك لوبيات عمل وضغط في عواصم صناعة القرار، وأن يتم تعميم هذه التجربة في برلين وباريس ولندن وفي موسكو وغيرها

أهمية القانون

يعتبر قانون “سيزر – قيصر” أحد أقسى القوانين التي أصدرتها الإدارة الأمريكية ضد “نظام بشار الأسد”، وتسعى الإدارة الأمريكية لأن يتيح القانون بين أيديها وسيلة قوية للضغط على النظام السوري لوقف جرائمه بحق الشعب السوري والانخراط في الحل السياسي للأزمة السورية المستمرة منذ 8 سنوات.

وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إن القانون يقضي بمعاقبة المسئولين عن “قتل المدنيين على نطاق واسع والفظائع العديدة المرتكبة في سوريا، لاسيما باستخدام الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة الهمجية”.

وأوضح أن “قانون قيصر” ينص على فرض عقوبات وقيود على هؤلاء الذين يقدمون دعمًا إلى مسئولين في حكومة دمشق، بالإضافة إلى ملاحقة مواطني سوريا والدول الأخرى الذين يعدون “مسئولين أو متواطئين في انتهاكات حقوق إنسان خطيرة في سوريا”.

وتابع أن القانون يهدف إلى حرمان الحكومة السورية من الموارد المالية التي تستفيد منها لـ” تغذية حملة العنف والتدمير التي أودت بأرواح مئات آلاف المدنيين”، مشددًا على أن “قانون قيصر” يوجه رسالة واضحة مفادها أنه “لا يجب على أي طرف أجنبي خوض أي أعمال مع نظام كهذا أو إثرائه بأي طريقة أخرى”.

من يقع تحت طائلة عقوبات القانون؟

يتيح القانون للرئيس الأمريكي فرض عقوبات ضد الكيانات التي تقدم للنظام السوري خدمات في مجال الدفاع، أو معلومات ذات طابع عسكري.

ويهدف القانون لمعاقبة “نظام الأسد” اقتصاديًّا، ومعاقبة حلفائه بما فيهم روسيا وإيران، كونهما داعمين للنظام، حيث ينص القانون بشكل واضح على أن العقوبات ستُفرض كذلك على مسئولين إيرانيين وروس ممن يدعمون النظام.

كما ينص القانون على فرض عقوبات على الأسد بشخصه وباعتباره يرأس النظام السوري، وعلى مختلف أطياف نظامه، من وزراء ونواب وغيرهم.

ووفقًا للقانون سيتم فرض عقوبات اقتصادية على الكيانات والأشخاص المشاركين بأعمال القتل في سوريا، إضافة للدول والأشخاص والكيانات التي تتعامل معهم أو توفر لهم التمويل، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات والأمن السورية والمصرف المركزي السوري، فضلاً عن الجهات العسكرية أو المقاولين الذين يتصرفون بالنيابة عن سوريا أو روسيا أو إيران.

وسيفرض القانون عقوبات جديدة على الكيانات التي تزاول الأعمال التجارية مع نظام الأسد ووكالاته العسكرية والاستخبارية. وسيستهدف أيضًا عدد من الصناعات التي يسيطر عليها النظام، بما في ذلك قطاعات الطيران والاتصالات السلكية واللاسلكية والطاقة.

حيث سيتم فرض عقوبات على كل من يزود الخطوط الجوية السورية بقطع غيار وصيانة، ومن يشارك في مشروعات إعادة الإعمار التي ُيديرها نظام الأسد، وكل من يدعم قطاع الطاقة في سوريا.

ومنح القانون وزير الخارجية الأميركي الصلاحيات اللازمة لدعم المنظمات التي تجمع الأدلة ضد الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في سورية منذ عام 2011 حتى اليوم، بهدف ملاحقتهم قضائيًا.

وطلب القانون من الرئيس الأميركي تزويد الكونغرس بأسماء الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان أو تواطئوا مع المرتكبين.

كما يُعاقب الأفراد الأجانب الذين يدعمون نظام الأسد ماديًا، وتتضمن العقوبات تجميد الأصول المالية، ومنع هؤلاء الأشخاص من الدخول إلى الولايات المتحدة وإلغاء تأشيرات سفرهم.

ويستهدف قانون سيزر المسئولين عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان أو المتواطئين معهم وكذلك من يراه الرئيس الأمريكي من أفراد عائلاتهم في قائمة العقوبات وهم: رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء ونائب رئيس الوزراء، وأعضاء مجلس الوزراء، ورؤساء الفرق والقوات المسلحة السورية ، بما في ذلك القوات البرية والقوات الجوية والبحرية وأجهزة المخابرات، والقيادات في وزارة الداخلية السورية، بما في ذلك مديرية الأمن السياسي ومديرية المخابرات العامة وقوة الشرطة الوطنية، وقادة ونواب قادة الفرقة الرابعة، وقائد الحرس الجمهوري، ومستشار الشؤون الإستراتيجية للرئيس، ومدير ونائب مدير مركز الدراسات والبحوث العلمية، ومدراء السجون الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، والمحافظون ورؤساء الأفرع الأمنية جميعاً في المحافظات السورية الـ 14 الذين تم تعيينهم من قبل الرئيس.

لماذا يعد هذا القانون مختلفًا؟

رغم أن إقرار هذا القانون قوبل بارتياح كبير لدى أوساط المعارضة السورية، إلا أن كثيرين لا زالوا ينظرون إليه بحذر، وينتظرون بدء تطبيقه على أرض الواقع ليحكموا على نجاحه.

لذلك فهذا القانون يضع مصداقية الإدارة الأمريكية على المحك، فقد تم إقراره ليكون أداة أساسية لحماية المدنيين السوريين، وإجبار النظام السوري على وقف القتل، حيث يتحمل القانون مسؤولية حماية حياة كل مدني سوري، ويُحمّل النظام المسؤولية المباشرة في حال قيامه بالقتل بأي طريقة، في معتقل أو في قصف أو أي شكل من أشكال القتل المنهجي الذي يتبعه.

ويرى الكونجرس أن جرائم بشار الأسد ضد الشعب السوري يجب أن تتوقف، وذلك بعد أن أدت إلى مقتل مئات الآلاف وتدمير أكثر من 50 في المائة من البنية التحتية الحيوية في سوريا، وشرّدت أكثر 14 مليون شخص، وتسببت في أكبر أزمة إنسانية منذ أكثر من 60 عامًا.

كما أن القانون يسمح بعودة اللاجئين السوريين وحمايتهم، حيث يتحمل القانون مسؤولية حماية عودة اللاجئين السوريين، إذا قرروا ذلك، ويحمّل النظام المسؤولية تجاه التعرض لحياتهم، أو ملاحقتهم أو اعتقالهم.

وهو بمثابة قانون العودة الطوعية للاجئين السوريين، حيث لا يجبر القانون اللاجئين السوريين على العودة، بل يقر بعودتهم الطوعية.

هل الإدارة الأميركية جادة هذه المرة؟

يرى كثير من المراقبين أن الأمور هذه المرة ستكون مختلفة، وأنه سيكون هناك جدية في تطبيق القانون، خاصة وأنه انطلق في الأساس من الكونجرس، وليس من جانب الإدارة الأمريكية، ولذلك فسيعمل الكونجرس على ضمان تطبيقه والضغط على الإدارة الأمريكية لتحقيق ذلك.

كما أن قانون “سيزر أو قيصر”، سيسمح للولايات المتحدة أن تلعب دورًا في إدارة الصراع السوري، وسيكون القانون ورقة ضغط وتهديد أمريكية تضمن ضمان بقاء القوات الأمريكية في سوريا، وفرض الهيمنة والسيطرة على مفاعيل الصراع هناك.

ولا يخفى على أحد أن هناك هدف رئيسي للقانون، وهو ناتج عن توجه جمهوري وديمقراطي مناوئ للتمدد الروسي في سوريا، وغير راضٍ عن سياسات أوباما وترامب التي سمحت به.

وبهذا القانون ستكون الإدارة الأمريكية أكثر قدرة على المناورة مع الروس، وستعمل على إجهاض مشروع روسيا في تحويل سوريا إلى محمية ومستعمرة روسية.

كما يترافق صدور هذا القانون مع تصاعد الاحتجاجات في لبنان والعراق ضد نظاميهما المواليين لإيران، وهذا التوقيت يخدم أهداف الولايات المتحدة المعلنة باتجاه تجفيف الوجود والنفوذ الإيراني في دول الإقليم وأولها نفوذه في سوريا.

مخاوف التطبيق

لكن هناك مشكلة تتعلق بأن مواد القانون تتيح للرئيس الأمريكي هامشًا من المرونة في إلغاء العقوبات، على أساس كل حالة على حدة، الأمر الذي يتيح لترامب إمكانية استخدام مشروع القانون للابتزاز السياسي، بغية الضغط على النظام السوري وحلفائه الروس، لتحصيل مكاسب سياسية في الساحة السورية.

أيضًا هناك مخاوف من خضوع تطبيق القانون للاعتبارات السياسية واستخدام المناورة في تطبيقه، من خلال التباطؤ في إعداد قاعدة البيانات المتعلقة بالكيانات السورية المشمولة به، وشركائها الذين يُفترض أن تطالهم العقوبات، ومن ثم تقييم البيانات نفسها وتأويلاتها، لتأتي أخيراً القدرة على تعليق عقوبة تخص خاضعاً لها لمدة ستة أشهر، إذا رأت السلطة التنفيذية مبرراً لذلك.

كما أن القانون يتيح للرئيس سلطة تعليقه كلياً أو جزئياً، ولا يتطلب التعليق الكلي المؤقت وفاء بكافة الالتزامات المنصوص عليها. وإذا قرر ترامب مرة أخرى الانسحاب التام من سوريا، فإن هذا القرار وحده كفيل بتقويض أهمية قانون سيزر.

ورغم أهميته لا يزال القانون يحظى باختلاف الآراء حوله من جانب السوريين سواء في سوريا نفسها أو بين أبناء الجالية السورية في أمريكا بين مؤيد ومعارض له.

فهناك من يرى أن القانون يحمل بشرى عظيمة للشعب السوري، وأنه وسيلة لحمايتهم من بطش نظام الأسد والخلاص منه. وهناك من شكك في إمكانية تطبيق القانون، ويرى أنه سيظل مجرد حبر على ورق، مشيرين إلى أن الصحوة المتأخرة إزاء معاناة السوريين لن تجدي نفعًا، خاصة وأن القانون تأجل إقراره لنحو 5 سنوات، منذ استمع الكونجرس الأمريكي إلى شهادة المنشق عن الأسد “قيصر”، ولم يسارع الكونجرس لإقرار القانون في وقتها رغم أنه وصف الوثائق التي عُرضت عليه آنذاك بأنها الأفظع منذ معسكرات الإبادة النازية.

لكن في المجمل فإن الرأي الغالب يذهب إلى ضرورة التريث حتى يتم يدخل القانون مرحلة التنفيذ، قبل الحكم على نتائجه.

محاسبة مجرمي الحرب

من بين أهم النتائج التي يترقب السوريون تحقيقها بعد بدء تطبيق القانون هو محاسبة مرتكبي جرائم الحرب ضد المدنيين السوريين، خاصة وأن هذا القانون يعد خطوة كبيرة على طريق المحاسبة على هذه الجرائم وتعديل ميزان القوى في وجه النظام السوري وروسيا وإيران.

ويأمل الكثيرون في أن ينجح هذا القانون في بدء إجراءات حقيقية لمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا، خاصة وأن قائمة عقوباته تطال الكثير من كبار المسئولين السوريين الذين لهم دور كبير في هذه الجرائم.

ويتم النظر إلى قانون سيزر أو قيصر على أنه قانون تسليم مجرمي الحرب، حيث يطالب القانون بملاحقة أركان النظام السوري كافة، من قادة جيشه إلى رؤساء فروعه الأمنية والمسئولين عن السجون، وصولًا إلى المحافظين الأربعة عشر الذي عيّنهم النظام، إضافة إلى رئيس حكومته ووزرائه.

وينظر إليه أيضًا على أنه تشريع معاقبة الأسد، فهو شبيه بقرار مجلس الأمن أو معادل له، في معاقبة الأسد لما تتمتع به الولايات المتحدة من نفوذ عالمي كبير.

كما أنه تشريع يمنع إعادة تأهيل الأسد، حيث يلاحق القانون الدول والشركات والأفراد الذين يتعاملون مع النظام.

 

كما يعد القانون بمثابة دليل قطعي على جرائم القتل المنهجي والجماعي للنظام، حيث يُعدّ إقرارًا لجرائم النظام في التعذيب حتى الموت، واستخدامه للأسلحة التقليدية والكيماوية، وأسلحته التي استخدمها في القتل الجماعي والمنهجي، ومن ضمنها سياسات الحصار والتجويع والتهجير القسري.

وأكد حقوقيون ضرورة توثيق انتهاكات النظام السوري وجرائمه، ودعوا جميع السوريين -وعلى رأسهم “ممثلو المعارضة”- إلى التعامل مع الموضوع بشكل جدي واتخاذ مواقفهم بناء عليه، وتكثيف الجهود ليصبح قانون “قيصر” موقفًا تتبناه جميع الدول، موضحين أن “إفلات المجرمين من العقاب القانوني الجزائي لا يعني أنهم يمكن أن يفلتوا من العقاب السياسي”.

وكانت مؤسسة “مع العدالة” قد كشفت في إحصاءات لها عن قائمة تضم نحو 100 شخصية سورية متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بينها رأس النظام بشار الأسد.

وتوصلت المؤسسة إلى القائمة بعد دراسة معمقة وتحقيقات استقصائية شاركت فيها مجموعات غير حكومية أمريكية، وتم وضعها في كتاب تحت عنوان “القائمة السوداء: الانتهاكات التي ارتكبتها أبرز الشخصيات في النظام السوري وكيفية تقديمهم إلى العدالة”.

وحددت المؤسسة بالأسماء القائمة السوداء للشخصيات السورية داخل نظام بشار الأسد وغالبيتهم يعملون كضباط في صفوف قوات النظام.

وتشمل لائحة المتهمين أكثر من 100 شخص، على رأسهم رأس النظام بشار الأسد و شقيقه ماهر الأسد وزهير توفيق الأسد الأخ غير الشقيق لحافظ الأسد.

وضمت القائمة أيضًا وزير الدفاع علي عبد الله أيوب، ومدير مكتب الأمن الوطني علي يونس مملوك، ووزير الداخلية محمد خالد الرحمون، ووزير الدفاع السابق فهد جاسم الفريج، ووزير الداخلية السابق محمد إبراهيم الشعار، وشخصيات عسكرية وأمنية أخرى.

هل سيتحايل نظام الأسد على القانون؟

حتى لا نكون مبالغين فإن القانون في الأساس ليس قانونًا للإطاحة بالأسد كما قد يتخيل البعض، فالقانون لم يصرح بذلك، وإنما سيتم استخدامه كسيف مسلط على النظام السوري، لإجباره على وقف العنف والانخراط في الحل السياسي الذي يسمح بانتقال السلطة والضغط مباشرة بهذا الاتجاه.

ورغم الآمال الكبيرة التي يعلقها البعض على نجاح هذا القانون في إجبار الأسد على التنحي أو القبول بالحل السياسي فإن النظام الذي لم يخضع للصراع المستمر منذ 8 سنوات لن يسلم بسهولة أمام العقوبات التي سيتم فرضها عليه بموجب هذا القانون وسيسعى إلى مواجهتها والصمود أمامها بكل الوسائل.

وكعادته سيبدأ النظام بتصوير هذا القانون على أنه أحد نتائج المؤامرات التي تستهدف البلد والنظام بسبب صموده بوجه هذه المؤامرات، وسيعمل على إظهار العقوبات كفعل إمبريالي معادٍ للوطن والأمة والشعب، وهو نهج فعال لدى الكثير من مؤيدي النظام وقسم من معارضيه، ويربك حسابات المترددين في الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، خاصة وأن العقوبات ستطال آثارها الشعب، وسيتم تصويرها من قبل النظام على أنها السبب في كل المعاناة التي يعيشها السوريون، وأن أمريكا تمارس سياسية التجويع والحصار ضد الشعب السوري وليس النظام.

كما سيعتمد النظام على حلفائه في تجاوز تداعيات العقوبات، وقد بدأ النظام يستعد لذلك منذ فترة بالفعل، حيث بدأ في إنشاء خطوط نقل جديدة من دمشق إلى الساحل بتمويل أوروبي، بهدف نقل مواد البناء من مقالع حسياء في ريف دمشق إلى القرى الموالية في الساحل السوري، تحت بند إعادة الإعمار.

كما تلقى النظام وعود اقتصادية كبيرة من حليفه الروسي لمواجهة قانون سيزر، حيث زار يوري بوريسوف نائب رئيس الوزراء الروسي دمشق مؤخرًا، بهدف بحث كيفية مواجهة سوريا لقانون سيزر.

ومن المتوقع أن تساهم كل من الصين وروسيا في تخفيف الآثار السلبية الناجمة عن العقوبات الجديدة التي ستنجم عن القانون، ويأتي في هذا الإطار الاستثمار الروسي في مرفأ طرطوس لمدة 49 عامًا بهدف كسر العزلة السورية جراء الحصار الغربي المفروض عليها.

لكن كل هذا لا يعني أن النظام السوري لن يتأثر بالقانون والعقوبات التي ستفرض عليه، فالأزمات المعيشية التي قد تُلمّ بمناطق سيطرة النظام نتيجة العقوبات قد تهدد استقرار ولاء الحاضنة الشعبية للنظام، وستربط بين استمرار النظام وبين استمرار هذه الأزمات.

كما سيتأثر النظام بشكل مباشر جراء العقوبات التي ستفرض على مسئولين كبار في النظام، بمن في ذلك بشار الأسد وزوجته، ومسئولون في الأمن السياسي وقادة عسكريون في سلاح الجو والاستخبارات العسكرية، بالإضافة إلى المصرف المركزي السوري.

كما أن التأثير الأكبر على النظام السوري سيكون بسبب الخوف من العقوبات الذي سينتاب الشركات التي لا زالت تتعامل معه اقتصاديًا، بالإضافة إلى تقييد أنشطة الأشخاص والشركات التي أسسها النظام للهروب من العقوبات الاقتصادية.

من هنا يرى مراقبون أن ما يتضمنه قانون قيصر من إجراءات وعقوبات اقتصادية سيكون لها تأثير كبير على حصار الأسد سياسيًا واقتصاديًا, وسيكون حجر عثرة كبيرة أمام محاولات إعادة تأهيله من جديد, وسيدفع به قسرًا للدخول في العملية السياسية بشكل حقيقي بعيدًا عن المماطلات والألاعيب.

ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن النظام لن يجد هذه المرة من يستطيع ضخ الحياة إليه من جديد، فالروس أو غير الروس لن يستطيعوا التحايل على قانون “قيصر” حفاظًا على مصالحهم، ولذلك قد تذهب حكومة بوتين إلى قبول تمرير الحل السياسي.

كيف نجنب المدنيين أثر العقوبات؟

ويبقى الخوف الأكبر من أن يؤدي توقيع العقوبات المقررة في القانون إلى المساس بحياة المدنين في الداخل السوري، وزيادة معاناتهم المستمرة منذ 8 سنوات، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل حول مدى إمكانية نجاح الإدارة الأمريكية في تجنيب المدنيين الآثار السلبية للعقوبات، أو استخدام ما يعرف بـ”العقوبات الذكية”؟

وأصبح المجتمع الدولي يلجأ إلى ما يعرف بالعقوبات الذكية بعد أن أثبتت التجارب عدم جدوى فرض العقوبات الاقتصادية الشاملة على الدول الخارجة عن الشرعية الدولية، حيث لم تمس هذه العقوبات سوى سكان هذه الدول دون أن تلحق الأذى بالأشخاص الذين تستهدفهم هذه العقوبات في الأصل.

لذلك تم إعادة تكييف العقوبات وإصلاحها عن طريق تغيير أسلوب فرضها بإتباع منهج ذكي وتسليط العقوبة بصفة مباشرة على المسئولين عن ارتكاب المخالفات، والتمييز بين الحاكم والمحكوم عند تنفيذها.

وفي الحالة السورية زادت مؤخرًا الدعوات إلى أن تكون العقوبات أكثر ذكاءً، بحيث تستهدف بالفعل المقصودين منها، ولا تنعكس بالسلب على حياة الناس، حتى لا تدفعهم إلى التعاطف مع النظام.

فعلى سبيل المثال فإن القيود على التحويلات المالية التي قد يتضمنها قانون قيصر قد تغلق الباب أمام كل مساعدات ممكنة، يقدمها حلفاء النظام السوري العلنيين (روسيا وإيران)، أو غير العلنيين من دول أخرى، أي أن قانون “قيصر” يعمل على تجفيف خطوط التمويل المالي، وكذلك يمنع عنه كل قدرة تجارية، تتعلق بشركات الطيران أو شركات إعادة الإعمار، إضافة لحركة السيولة النقدية في المصرف المركزي السوري.

لكن القيود على التحويلات المالية أيضًا تصعب عمليات تقديم المساعدات الإنسانية، وتعيق المنظمات غير الحكومية المعنية بهذا الأمر، وهو ما يجعل من العقوبات معرقلاً فعلياً لوصول المساعدات إلى مستحقيها ومحتاجيها، كما تؤدي إلى وقف “الحوالات” التي يرسلها السوريون في الخارج إلى عائلاتهم وأقربائهم، والتي تلعب دورًا كبيرًا في استمرار حياتهم.

وفي هذا الإطار يقترح البعض مجموعة محددة من “العقوبات الذكية” التي يتوجب تطبيقها بصورة صارمة، من خلال التركيز على الأسلحة والبضائع ذات الطابع العسكري كبديل عن نظام العقوبات الشامل الذي أثبتت التجارب أنه لا يجدي نفعًا.

ففي منتصف الثمانينات من القرن الماضي, وبعد حادثة إسقاط طائرة لوكربي – تم توجيه الاتهام الأولي والمباشر للنظام في سورية بالوقوف وراء الحادث، وأعقب ذلك مباشرة عقوبات اقتصادية طالت الحياة الاقتصادية للمجتمع والمواطن السوري بشكل مباشر، دون أن تشكل أية مشكلة للنظام آنذاك .

ومنذ بداية الأزمة السورية عام 2011 قادت العقوبات الاقتصادية إلى نتائج سلبية كبيرة على المواطن السوري وأفقدته القدرة على المواجهة والتفاعل الإيجابي مع الأزمة, ولم ينل اقتصاد النظام أيه أضرار تذكر.

كما أن العقوبات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والتي بدأت مع عقوبات الجامعة العربية عام 2011 مرورًا بالعقوبات الأمريكية والأوروبية المستمرة حتى اليوم كلها تؤثر بشكل سلبي كبير على الموارد وعلى مستويات المعيشة.

ولا يستثنى من المعاناة سوى النخبة الحاكمة العليا والوسطى وطبقة رجال الأعمال الكبار وجزء من الطبقة الوسطى، وهؤلاء يشكلون أقل من 20% من الشعب السوري، بينما أصبح 80% من السوريين يعانون من فقر وفقر مدقع.

ومن أجل تفادي التأثيرات السلبية على المدنيين حمل قانون قيصر في بنوده تداعيات إيجابية من الممكن أن تتحقق وتنعكس بصورة جيدة على حياة المواطن السوري.

فقد أتاح القانون للرئيس الأمريكي أن يوقف فرض العقوبات في حال توقفت حكومة النظام السوري وحلفاؤها عن استخدام المجال الجوي السوري لاستهداف المدنيين بالبراميل المتفجرة أو الأسلحة الكيماوية والصواريخ، وتوقفت عن محاصرة المجتمعات في سوريا، وسمحت بدخول المساعدات الإنسانية والرعاية الطبية إلى جميع المناطق السورية.

بالإضافة إلى الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين المحتجزين قسريًا في سجون النظام، مع السماح الكامل للمحققين من منظمات حقوق الإنسان العالمية بالدخول إلى تلك السجون، والتوقف عن استهداف المنشآت الطبية والمدارس والأماكن السكنية وأماكن التجمعات المدنية.

ومن شأن القانون، بحسب الخبراء، تعزيز النشاط الاقتصادي في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، وبالتالي دفع الشركات إلى الاستثمار والعمل فيها، لكن في المقابل ستكون هناك أعباء اقتصادية كبيرة على مناطق سيطرة النظام مع احتمال حصول انهيار جديد وكبير في سعر صرف الليرة، وربّما تعوّل الولايات المتّحدة على مساهمة ذلك في دفع السكان المحليين نحو القيام بمظاهر احتجاجية تزيد الضغط على النظام السوري وروسيا وإيران.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين