أخبار العالم العربيتقارير

هل ينجح العراق في مهمة الوساطة بين السعودية وإيران؟

إستبرق العزاوي – علي البلهاسي

منذ تسلمه منصبه يحاول رئيس الحكومة العراقية، الدكتور عادل عبد المهدي، إتباع سياسة متوازنة فيما يتعلق بطبيعة علاقات العراق الإقليمية والدولية.

في هذا الإطار يحاول المهدي النأي ببلاده عن الصراع والتنافس بين جاريه اللدودين إيران والسعودية، فالأخيرة تحاول انتزاع العراق من الحضن الإيراني، بوصفه البلد المهم الذي يمثل البوابة الشرقية للعالم العربي، بينما تحاول إيران منذ العام 2003 الهيمنة على مجمل تفاصيل المشهد العراقي في مختلف المجالات، وذلك من خلال علاقاتها المتجذرة منذ فترة مع الأحزاب الحاكمة في العراق.

ولعل ما ساعد إيران على تحقيق ذلك هو إهمال معظم الدول العربية المشهد العراقي في أعقاب سقوط نظام صدام حسين، وعدم اهتمامها بإقامة علاقات قوية مع حكوماته المتعاقبة طوال هذه السنوات، بما يبقي العراق في الحاضنة العربية.

واستفادت إيران بالفعل من فترة الجفاء بين العراق والسعودية، ولاسيما في فترة نوري المالكي الذي ترأس الحكومة العراقية لفترتين، كان خلالهما متماهيًا مع الرؤية الإيرانية حيال معظم الملفات الإقليمية والدولية.

بين غريمين

في محاولة لإصلاح الأوضاع جاءت زيارة عادل عبد المهدي للسعودية التي بدأت أمس لمدة يومين، لتختبر جدية سياسة النأي بالنفس التي تقول بغداد إنها ملتزمة بها تجاه أزمات وصراعات المنطقة.

لكنه يجد نفسه في موقع صعب، خاصة وأنه لا يريد خسارة أي من الطرفين (إيران والسعودية)، فهو من ناحية يرغب في تثبيت اقترابه من الفضاء العربي وإظهار الاعتدال في سياسات بلاده، ومن ناحية أخرى لا يستطيع الصدام مع إيران وحلفائها ومناطق نفوذها في بلاده.

في المقابل ترى إيران في العراق الذراع الأقوى بين حلفائها عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا، خاصة وأنه يساعد في تخفيف ضغط العقوبات الأميركية عليها، من خلال تسويق منتجاتها، وتأمين حصولها على العملات الصعبة.

بينما تحاول السعودية استغلال ثقلها الاقتصادي، ورمزيتها الدينية والسياسية في المنطقة، لتوفير بدائل أمام العراقيين تغنيهم عن اعتمادهم الكلي على إيران، أو تشجعهم على تحجيم تلك العلاقة بما لا يؤثر تؤثر على مصالح جيرانهم العرب.

وساطة جديدة

خلال العامين الماضيين ترددت الكثير من الأنباء عن محاولات عراقية للقيام بجهود وساطة لحلحلة العلاقة بين السعودية وإيران، تارة بطلب من إيران وتارة اخرى بطلب من السعودية، وفق ما زعمت الأنباء المتداولة وقتها، لكن سرعان ما كان يتم نفي هذه الأنباء حتى من جانب العراق نفسه.

لكن الزيارة الاخيرة التي قام بها رئيس الحكومة العراقية لكل من إيران والسعودية خلال أبريل الجاري، تؤكد أن ما يتم تداوله هذه المرة حول جهود الوساطة أقرب للصحة.

وجاءت زيارة عبد المهدي إلى السعودية تلبية لدعوة من حكومة المملكة، وكان قد تم تأجيلها لأكثر من مرة لأسباب مختلفة. ويبدو أن عبد المهدي، الذي زار إيران قبل زيارته إلى السعودية، كان يريد تنسيق بعض المواقف مع إيران قبل توجهه للسعودية، ومحاولة إقناعها بأن يلعب دور الوسيط بينها وبين السعودية، إلى جانب طمأنتها بأنها حليف إستراتيجي للعراق.

ويدرك رئيس الحكومة السعودية صعوبة مهمته، خاصة وأن الخلافات التي تعكر صفو علاقات البلدين هي خلافات عميقة وتتعلق بملفات إقليمية صعبة منها ما يتعلق بالعراق نفسه وما يتعلق بكل من سوريا واليمن، الى جانب القلق حيال البرنامج النووي الايراني، والاتهامات الموجهة لإيران بالتدخل السافر في شؤون عدد من الدول العربية والخليجية، وهي الاتهامات التي تقول إيران إنها باطلة وعدائية.

وقطعت السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران على خلفية قيام محتجين إيرانيين بإحراق سفارة المملكة في طهران وقنصليتها شهر كانون الثاني/يناير من عام 2016، على خلفية إعلان الرياض إعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر بعد إدانته بقضايا إرهابية.

ويتمتع العراق بعلاقات قوية مع إيران، كما حول مؤخرًا تقوية علاقته بالسعودية من خلال زيارات متبادلة، من بينها زيارة قام بها وفد سعودي لبغداد في نهاية شهر آذار/مارس الماضي، برئاسة وزير التجارة والاستثمار ماجد القصبي، و100 شخصية سعودية.

زيارة إيران

في السابع من شهر أبريل/نيسان الجاري قام عبد المهدي بزيارة إلى إيران لمدة يومين، التقى خلالهما المرشد علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، وعددًا من المسئولين الإيرانيين.

وكشف مصدر مطلع قبل هذه الزيارة عن وساطة يحملها رئيس الوزراء العراقي لتقريب وجهات النظر بين ايران والسعودية.

وقال المصدر في حديث لـ”موازين نيوز” إن “عبدالمهدي خلال زيارته إلى ايران، سيقوم بعرض وساطة على الجانب الايراني لتحسين العلاقات مع السعودية”. وأضاف أنه “في حال وجد تجاوبًا إيرانيًا سينقل الاجابة الى الجانب السعودي في زيارته لها”، مبينا ان”هناك تفاؤلا بإمكانية نجاح الوساطة”.

وتزامنًا مع الزيارة أعلن تحالف سائرون المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أن العراق مستعد للقيام بأدوار إيجابية لحل أي أزمة تمر بها المنطقة في حال طالبت دول بذلك.

وقال عضو مجلس النواب عن التحالف سلام الشمري في بيان وقتها إن “السياسة العراقية تسير بالاتجاه الصحيح دون الميل لهذا التكتل أو ذاك المحور، إقليميًا كان أو دوليًا”.

وأضاف أن العراق بسياسته المتوازنة المعبرة عن رغبة القوى السياسية لبناء عراق جديد, مشددًا على “استعداد العراق للقيام بأي دور إيجابي لحل أي أزمة تمر بها المنطقة إن طلب منه ذلك، من أجل ان تنعم المنطقة بالأمن والاستقرار، بعيدًا عن الأزمات والتدخلات الخارجية“.

زيارة السعودية

وبعد أسبوع من زيارته لإيران، بدأ عادل عبد المهدي زيارة إلى السعودية استمرت يومين، والتقى خلالها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وعددًا من المسئولين السعوديين.

ورافق عبد المهدي في الزيارة وفد يضم أكثر من 11 وزيرًا، و68 مسؤولاً حكوميًا، وأكثر من 70 رجل أعمال من القطاع الخاص.

وفتحت السعودية مؤخرًا أبوابها لتحسين العلاقات مع العراق وعززت ذلك العديد من المنح والاتفاقات الثنائية. وتدرك السعودية أن هناك رغبة لدى بغداد للاقتراب منها، خاصة مع تشديد العقوبات على طهران، والضغوط الاقتصادية والسياسية على بغداد، ومحاولة العراق الاستفادة من الدعم الكبير والسخي الذي قد يحظى به من جارته الغنية.

فيما تحاول السعودية استرداد ما يمكن استرداده من نفوذ أو علاقات مع جارها الشمالي، الذي حولته التطورات الإقليمية من ألد أعداء إيران وأقوى حلفاء السعودية ودول الخليج بعد إطاحة الثورة الإسلامية بنظام الشاه عام (1979)، إلى أقوى حليف لإيران ومركز لتصدير الجماعات الشيعية المسلحة لتهديد أمن دول الخليج.

وفي هذا الإطار حظي رئيس الوزراء العراقي بحفاوة خاصة في السعودية، تصدرها لقاء العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وجاءت الزيارة ، كما التقى خلال الزيارة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أدلى بتصريح لافت في هذا الشأن قال فيه: “كل إمكانات وخبرات السعودية في خدمة العراق”!

وكان وفد رسمي سعودي برئاسة وزير التجارة والاقتصاد ماجد القصبي قد زار العراق في مارس الماضي، وضم الوفد أيضًا وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان ونحو 100 شخصية أخرى، لبحث أفق تطوير العلاقات والتعاون الاقتصادي.

وتصادفت الزيارة مع توقيت يصعب تجاهله، حيث كانت مع آخر يوم من زيارة الرئيس الإيراني للعراق، وتم خلالها الإعلان عن منحة قدرها مليار دولار وهدية سيقدمها ملك السعودية عبارة عن بناء مدينة رياضية في العراق.

كما تم الإعلان عن 13 اتفاقية جاهزة للتوقيع، وأن العمل في معبر عرعر الحدودي البري الذي يربط البلدين سيكتمل في غضون ستة أشهر.

تأكيد الوساطة

تجدر الإشارة الى أن عبد المهدي كان قد ذكر قبيل توجهه الى السعودية بأنه يرغب في جعل العراق نقطة التقاط بين الأطراف الاقليمية بما يحقق الاستقرار والمصالح المشتركة.

وفي وقت سابق، قال مصدر عراقي مقرب من عبد المهدي، إن الأخير سيقوم بدور الوساطة بين إيران والسعودية لتقريب وجهات النظر بين البلدين.

فيما كشف برلماني إيراني، اليوم الخميس، أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي يقود وساطة لتقريب وجهات النظر وإنهاء الخلافات بين المملكة العربية السعودية وإيران.

وقال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، النائب حشمت الله فلاحت بشه، إن ”هناك جهودًا تقوم بها الحكومة العراقية لإنهاء الخلافات وتقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران”.

وأشار لوكالة أنباء ”تسنيم“ إلى أن ”بعض دول العالم الإسلامي بالمنطقة تدرك أن أي خلافات وأزمة تحدث في المنطقة ستؤثر عليها، وفي مقدمتها الحكومة العراقية“، مضيفًا أن ”إنهاء الخلافات والتوترات بين إيران والدول العربية بالنسبة للعراق اليوم قضية إستراتيجية“، الأمر الذي دفع لتدخل الوساطة العراقية التي تعي أهمية الأمن بالنسبة للقادة العراقيين.

وبين أنه ”وفقًا للمعلومات التي تلقيناها، يؤكد القادة العراقيون أنهم يحاولون لعب دور الوسيط، ولهذا يقومون بزيارات لإيران والسعودية لمنع تصاعد التوتر بين البلدين الذي يؤثر على استقرار المنطقة“.

وطالب البرلماني الإيراني وزارة الخارجية في بلاده بأن تتولى مهمة ”تفكيك“ الخلافات بين طهران والدول العربية، وفي مقدمتها السعودية، قائلًا: ”إنهاء الخلافات مع السعودية أفضل فرصة، ويجب أن يكون للخارجية الإيرانية دور نشط في هذا المجال“.

محاولات عدة

محاولات الوساطة العراقية بين السعودية وإيران ليست جديدة، ففي يناير 2017 نقلت وسائل إعلام إيرانيّة وعراقيّة أنّ وزير الخارجيّة العراقيّ ابراهيم الجعفري عرض وساطة بين إيران والسعوديّة لحلّ الخلافات، وإعادة علاقاتهما الثنائيّة.

أكّد الجعفري وقتها الخبر، قائلاً إنّه يواصل وساطته منذ العام الماضي 2016، مضيفاً: “إنّني قمت بالفعل بنقل رسائل شفهيّة عدّة بين المسئولين السعوديّين ونظرائهم الإيرانيين”، حسبما نقلته وكالة رويترز عن التلفزيون الرسميّ الإيرانيّ. وأضاف الجعفري: “أيّ أزمة في العلاقات الإيرانيّة- السعوديّة تضرّ أيضاً بالعراق والعكس صحيح”.

وكان العراق قد عرض وساطة سابقة في يناير 2016، بعد اشتداد الأزمة بين الطرفين إثر الهجوم على السفارة السعوديّة. وصرّح الجعفري آنذاك بأنّ “الأزمة التي حدثت أخيراً بين العراق والسعوديّة استدعت من العراق ضرورة المبادرة والتحرّك مباشرة”، مؤكّداً أنّ “مجلس الوزراء العراقيّ قرّر التحرّك لإنهاء التوتّر بين إيران والسعوديّة”، ولكنّ الوساطة لم تنجح.

وأعقبت وساطة الجعفري، جهود رسميّة من قبل دول مجلس التعاون الخليجيّ لكسر الجليد بين طهران والرياض، وفتح باب الحوار بينهما.

حيث أعلن نائب وزير الخارجيّة الكويتيّ خالد الجارالله وقتها أنّ دول مجلس التعاون الخليجيّ سيبعث برسالة باسم المجلس إلى الجانب الإيرانيّ، لتنظيم لقاءات حواريّة بين الطرفين. وتابع الجارالله أنّ الجانب الكويتيّ قد تكفّل بإيصال الرسالة إلى الإيرانيّين.

فيما أكّد رئيس الجمهوريّة الإيرانيّ حسن روحاني في 17 كانون الثاني/يناير 2017 أنّ ما لا يقلّ عن 10 دول بينها العراق والكويت تقدّمت للوساطة بين إيران والسعوديّة، مشيراً إلى أنّ إيران ترحّب بذلك، وتريد بناء علاقات جيّدة مع الجميع، خصوصًا مع دول الخليج والسعوديّة. وسبق ذلك تصريحات مشابهة لأمين المجلس القوميّ الإيرانيّ علي شمحاني، وثمّ وزير الخارجيّة جواد ظريف، حول إبراز الرغبة في تجديد العلاقات مع السعوديّة.

كما حاولت ألمانيا حاولت الوساطة بين إيران والسعوديّة في فبراير 2017، من دون الوصول إلى أيّ نتيجة، بسبب عدم تجاوب الطرفين.

هل ينجح العراق؟

المحاولات المتكررة السابقة من جانب العراق وغيره من الدول العربية والأجنبية، والتي لم تكلل بالنجاح، تثير التساؤل حول مدي إمكانية نجاح العراق في القيام بمهمة الوساطة بين جاريه اللدودين هذه المرة.

يرى المراقبون أن الظروف الإقليمية قد تكون مواتية، خاصة في ظل حاجة الطرفين لتحقيق المصالحة، ووقف التوتر بينهما، والوصول إلى تسوية ولو بشكل جزئيّ في ملفّات معينة، وبصفة خاصة في اليمن وسوريا.

ويؤكد المراقبون ان التطورات الإقليمية قد تدفع بالطرفين نحو التفاهم، مشيرين إلى انه سبق ان توصل الطرفان إلى تفاهم بشأن الاتّفاق على تشكيل الحكومة في لبنان بعد مدّة طويلة من التعطيل، وذلك بعد التوافق السياسيّ بين تيّار المستقبل المقرّب من السعوديّة بزعامة سعد الحريري، وحزب الله الشيعيّ المقرّب من إيران. ولا يستبعد المراقبون تكرار ذلك في ملفّات أخرى مثل اليمن وسوريا، خاصة في ظلّ رغبة الإدارة الأميركيّة في حلحلة الوضع في الشرق الأوسط ورسم وضع سياسيّ مستقرّ نسبيّاً.

ويبقى الأمر مرهونًا بأصوات العقلاء في الجانبين التي تدرك أهمية تخفيف التوتر في العلاقات لمصلحة البلدين، وعدم الانصياع لرغبات الداعين إلى التصعيد واستمرار التوتر.

لا زال العراق يحاول، ولا زالت هناك رغبة واضحة من الجانبين في الوصول لحل، وإن كانت رغبات غير معلنة، لكن كل شيء ممكن في السياسة، وقد تحمل الفترة المقبلة مفاجأة في هذا الملف.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين