أخبار العالم العربيتقارير

لبنان على صفيح ساخن.. وباء وغلاء وأعباء لا تنتهي

أحمـد الغـر

قد يكون وطن صغير جغرافيًا، لكنه كبير تاريخيًا وحضاريًا وثقافيًا، وحتى في أزماته ومشكلاته نجدها كبيرة ومستفحلة للغاية، فمنذ 17 أكتوبر 2019، يشهد احتجاجات شعبية واسعة ترفع مطالب اقتصادية وسياسية، أجبرت حكومة سعد الحريري، على الاستقالة في 29 من الشهر نفسه.

لكن الاحتجاجات لم تهدأ منذ ذلك الحين، رافضةً الأوضاع المعيشية الصعبة التي تخيم على لبنان، فضلًا عن الإساءات المتكررة بين التيارات السياسية المتناحرة، بالإضافة إلى وباء فيروس المستجد، وما ألحقه من ضرر يُضاف إلى أضرار أخرى قديمة لم يتخلص منها لبنان يومًا.

احتجاجات لا تهدأ
بالرغم من تفشي وباء فيروس كورونا؛ إلا أن الاحتجاجات الرافضة للأوضاع المعيشية الصعبة في لبنان لا تتوقف. يأتي ذلك، فيما يعاني لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، إذ تسببت بإضعاف ثقة المواطنين بالعملة المحلية، التي سجلت تراجعات حادة إلى 4 آلاف ليرة مقابل الدولار في السوق الموازية، مقارنة بـ1507 لدى البنك المركزي.

المتظاهرون يطالبون بالإصلاح الجذري على مستوى السياسة، حيث يتهمون الطبقة السياسية بالفساد والفشل في إدارة الأزمات المتلاحقة، والأمر ذاته بالنسبة للاقتصاد والمحاصصة الطائفية، كما يطرح المتظاهرون سلسلة أهداف في محاربة الفساد والإثراء غير المشروع وتدهور المعيشة وانحطاط الخدمات العامة وهبوط العملة الوطنية ومؤشرات الغلاء.

انهيار اقتصادي
يحتاج لبنان مساعدات دولية ملحّة للخروج من دوامة الانهيار الاقتصادي المتسارع الذي يشهده منذ أشهر، شرط أن تكون هذه المساعدات مقرونة بتبني إصلاحات داخلية ضرورية، حيث يتزامن هذا الانهيارالاقتصادي مع شحّ الدولار وفقدان العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها، إضافةً إلى ارتفاع معدل التضخم بشكل كبير.

لبنان قد تخلّف في مارس الماضي عن تسديد ديونه الخارجية، للمرة الأولى في تاريخه، وأقرّت الحكومة نهاية أبريل خطة اصلاح اقتصادية، طلب لبنان على أساسها مساعدة من صندوق النقد الدولي، للحصول على تمويل جديد وتجنب الأسوأ.

فالآن قد بات قرابة نصف السكان في لبنان تحت خط الفقر، وقد أوردت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير نشرته الإثنين الماضي، أن الأزمة الاقتصادية الراهنة غير مسبوقة في تاريخ لبنان، منبّهة إلى أن لبنان يحتاج إلى مساعدات خارجية ملحّة لتفادي أسوأ العواقب الاجتماعية.

ويأمل لبنان الحصول على دعم دولي يقدّر بأكثر من 20 مليار دولار للخروج من أزمته، بينها 11 مليار أقرها مؤتمر سيدر في عام 2018، مشترطًا اجراء إصلاحات لم تبصر النور حتى الآن.

مستشريّ
بالرغم من أن الحكومات المتعاقبة في لبنان ترفع دائمًا شعار “محاربة الفساد”، إلا أن أيًا منها استطاعت تطبيقه عمليًا، إذ يتمتع غالبية الموظفين بحماية القوى السياسية، إلا أن مجلس النواب اللبناني، استطاع قبل أيام، أن يأتي بخطوة غير مسبوقة، من خلال سنّه لقانون رفع السرية المصرفية عن المسؤولين في الدولة.

وبالرغم من إيجابية الخطوة، إلا أنها تلقى تشكيكًا واسعًا في ظل أزمة عميقة يعيشها لبنان ناتجة في جزء كبير منها عن الفساد المستشري في الدولة والمؤسسات، قانون رفع السرية المصرفية يشمل كل من يتعاطى الشأن العام، منتخبًا كان أو معينًا، من النائب إلى رئيس البلدية إلى القاضي والضابط والمستشار، ويشمل القانون كل ما ينتج عن فساد، وأضيف إليه تمويل الإرهاب وتبييض الأموال وتمويل الحملات الانتخابية.

كما يمنح القانون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان صلاحية تنفيذه بعد تعديل نسخة سابقة كان تعطي هذه الصلاحية أيضا للقضاء، جديرٌ بالذكر فإن الفساد المستشري في المؤسسات العامة قد تحول تدريجيًا إلى أحد مسبّبات الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان منذ أشهر، وأحد أبرز الأسباب التي دفعت اللبنانيين للتظاهر بشكل غير مسبوق ضد الطبقة الحاكمة.

وباء وغلاء
خلال الأشهر الأخيرة؛ وجد عشرات الآلاف من اللبنانيين أنفسهم يخسرون وظائفهم أو جزءًا من رواتبهم، وبحسب احصاءات رسمية، ارتفع معدل البطالة إلى أكثر من 35%، وذلك في ظل التباطؤ الاقتصادي الموجود بالأساس، وجائحة كورونا التي جاءت فقضت على ما تبقى من اقتصاد لبنان.

الحكومة اللبنانية أعلنت عن تمديد خطة الطوارئ الصحية لمواجهة كورونا حتى 5 يوليو المقبل، مع الإبقاء على بعض الأنشطة الاقتصادية التي سمح لها بالعمل، وبالرغم من مخاوف تفشي الوباء إلا أن دعوات الحراك والتظاهر والعودة إلى الساحات في كافة المناطق اللبنانية احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية، لم تتوقف، بالرغم من أن عدد الإصابات بكورونا في لبنان حتى اليوم قد بلغ 1368 حالة، فيما بلغت الوفيات 30 حالة.

طائفية لا تنام
قبل أيام، توجّهت مجموعات داعمة لـ””، باتجاه محتجين آخرين في ساحة الشهداء بوسط ، كانوا يطالبون بنزع سلاح الحزب، لكن تظاهرة عناصر حزب الله ظلت تهتف في المقابل بشعارات طائفية (شيعة، شيعة) و(لبيك يا حسين)، وتحدث نشطاء عن أنهم رددوا إساءات للسيدة عائشة “رضي الله عنها”.

وعلى إثر ذلك، شهدت مناطق عدة في بيروت فعاليات احتجاجية صاحبها قطع طرق رئيسية، استنكارًا للتطاول على السيدة عائشة “رضي الله عنها”. اندلاع هذه المواجهات المذهبية بين حشود الشيعة في حزب الله وأمل وحشود السنّة، ذكّرت اللبنانيين بسنوات الحرب الأهلية على نحو مباشر، كما أعادت تنبيههم إلى مقدار الهشاشة الموجودة في وطنهم الآن.

سلاح حزب الله
ستظل مشكلة سلاح “حزب الله” تؤرق بعض أطياف المجتمع اللبناني، إذ يمتلك أسلحة متطورة وصواريخ، وهو الأمر الذي شكّل خلافًا بين الأطراف اللبنانيّة بين مؤيد بدعوى مواجهة إسرائيل، ومن يعتبره سلاحًا غير شرعي، ويطالب بحصر قرار الحرب والسلم بيد جيش الدولة اللبنانية فقط.

ويدعو قرار رقم 1559، الصادر في سبتمبر 2004، إلى نزع سلاح المليشيات اللبنانية، فيما يحث قرار رقم 1701 على حل النزاع اللبناني الإسرائيلي، واعتمد بالإجماع في 11 أغسطس 2006.

وخلال الأيام الماضية؛ نظّم عدد من الناشطين اللبنانيين، وقفة احتجاجية أمام قصر العدل بالعاصمة بيروت، للمطالبة بنزع سلاح “حزب الله”، وجاءت الوقفة الاحتجاجية تحت عنوان “لا للسلاح غير الشرعي والدويلة داخل الدولة”، وسط انتشار أمني كثيف، وطالب المحتجون بتطبيق القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن بشأن لبنان، وتزامنت هذه الاحتجاجات مع دعوات لتنفيذ اعتصام مؤيّد لشرعية سلاح “حزب الله”.

تهديدات إسرائيلية
من جهتها؛ فإن إسرائيل لا تكف عن تهديد لبنان باستمرار، كان أخر هذه التهديدات، ما أعلنه الرئيس الإسرائيلي “رؤبين ريفلين”، أمس الإثنين، بتوجيه ضربة قاصمة للبنان، في حال تنفيذ “حزب الله”، أي نشاط ضد إسرائيل.

وقال “ريفلين”: “إن إسرائيل تُحمّل لبنان وحكومته المسؤولية الكاملة عن أي نشاط قد ترتكبه منظمة حزب الله ضد أهداف إسرائيلية”، مضيفًا: “طالما بقيت منظمة حزب الله جزءًا من لبنان، وجزءًا من حكومته، وطالما استمرت هذه المنظمة في استغلال شعب لبنان من أجل خدمة مصالح دول أجنبية، فإن مسؤولية السيادة تقع على عاتق حكومة لبنان، وستكون المسؤولة عن أي عمل ترتكبه منظمة حزب الله من الأراضي اللبنانية”.

وتابع ريفلين: “لن تتردد دولة إسرائيل في توجيه ضربة قاصمة للعدو أينما وُجد، ولن تخشى المواجهة أبدًا، والجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد ويقف بالمرصاد”.

مشكلة العمالة الأجنبية
في وسط كل الأزمات التي يشهدها لبنان، ثمة أزمة أخرى تؤثر على شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يستقدمون عمالًا أجانب للخدمة المنزلية أو لمؤسساتهم، حيث عجزوا عن دفع الرواتب بالدولار، وبات بعضهم يدفع بالليرة اللبنانية التي تدهورت قيمتها وبات تحويلها الى الدولار عملية خاسرة لعمّال المنازل الذين يرسلون الأموال الى عائلاتهم.

طبقًا لتقارير صحفية؛ يعيش في لبنان أكثر من 250 ألفًا من عمال الخدمة المنزلية، بينهم أكثر من 186 ألف امرأة، تحملن تصاريح عمل تتحدر غالبيتهن العظمى من إثيوبيا، بالإضافة إلى الفليبين وبنجلاديش وسريلانكا.

وغالباً ما تندّد منظمات حقوقية بنظام الكفالة المتبع في لبنان، والذي يمنح أصحاب العمل سيطرة شبه كاملة على حياة عاملات المنازل المهاجرات، ويجعلهن عرضة لكل أشكال الاستغلال وسوء المعاملة.

وقد دخلت الحكومة اللبنانية في خلاف دبلوماسي مع الحكومة الفلبينية خلال الأسابيع الماضية بسبب هذه النقطة، حيث دعت السلطات اللبنانية إلى ضمان حماية عاملات المنازل الأجنبيات من ظروف العمل الاستغلالية أثناء فترة الحجْر المنزلي.

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: