أخبار العالم العربيتقارير

“قانون قيصر” يدخل حيّز التنفيذ.. حماية للمدنيين أم صراع مصالح؟

أحمـد الغــر

بعد 6 سنوات من المداولات التشريعية في ومع البيت الأبيض، دخل “” حيّز التنفيذ، اليوم الأربعاء، في ظل حراك سياسي وعسكري مستمر، وأوضاع اقتصادية صعبة تعيشها .

ورغم أن العودة الأمريكية تأتي تحت شعار “حماية المدنيين السوريين”، إلا أن ثمة أراء تقول إنها إستراتيجية عميقة لعرقلة محاولات وإيران للاستيلاء التام على سوريا.

أو ربما أدركت إدارة الرئيس أن الانسحاب من الملف السوري كان خطأ كبيرًا، أدى إلى تقويض دور في المنطقة وحرمانها من الاستفادة من المكاسب، فتسعى الآن من خلال هذا القانون إلى تدشين مرحلة جديدة من المقاربة السياسية حيال سوريا.

ما هو قانون قيصر؟
ينصّ “قانون قيصر” على فرض عقوباتٍ هي الأقسى على نظام الأسد وداعميه ومموليه، وهو ما يسهم في زيادة عزلته المالية والاقتصادية والسياسية وتضييق الخناق عليه، وقد سُمّي “قانون قيصر” بهذا الاسم نسبة إلى مصور عسكري سوري، انشق عن نظام الأسد عام 2014، وسرّب 55 ألف صورة لـ 11 ألف سجين قتلوا تحت التعذيب.

وعُرضت تلك الصور في قاعة مجلس الشيوخ بالولايات المتحدة، وأثارت ردود فعل عالمية غاضبة، وقد تمّ استخدام اسم “قيصر” لإخفاء هوية المصور الحقيقية، حفاظًا على حياته. هذا القانون سبق وأن أقرّه الكونجرس ووقع عليه الرئيس دونالد ترامب في 20 ديسمبر 2019.

اليوم الأربعاء، 17 يونيو 2020؛ يدخل هذا القانون حيز التنفيذ بمرحلته الأولى، والتي تهدف إلى زيادة العزلة المالية والاقتصادية والسياسية لنظام وحلفائه، وذلك لإجبارهم على القبول بالحلول السياسية للأزمة السورية، وخاصةً على أساس قرار مجلس الأمن 2254.

عودة أمريكية
بعد الغياب الطوعي الطويل للولايات المتحدة عن الملف السوري، ههى تعود رسميًا إلى صلب الصراع من بوابة “قانون قيصر”، وكان القانون يتضمن اقتراحات مثل فرض حظر جوي كامل فوق الأراضي السورية، لكن استحالة تمرير هذه النقطة كقانون تشريعي نتيجة عدم وجود رغبة أمريكية للتدخل العسكري بقوة، أدى إلى عدم وجود هذه النقطة، وتم تمرير أجزاء من مشروع القانون ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2020.

وقد أتت نقطة التحول هذه في السياسة الأمريكية حيال سوريا في ديسمبر الماضي، بعد إجماع حزبي في مجلس الشيوخ تبلور في نهايته إلى ضرورة إنهاء التخبّط في سياسة إدارة الرئيس ترامب في سوريا، والتي نتج عنها زيادة النفوذ الروسي والإيراني في سوريا، هذا بخلاف التوغل التركي في شرق الفرات.

يكرّس القانون الجديد في مضمونه ثوابت السياسة الأمريكية حيال سوريا منذ عام 2011، والتي تقوم على عدم اللجوء إلى الخيارات العسكرية لتحقيق الأهداف، باستثناء الحرب على الإرهاب أو في حالة الردع، وهو ما يعني عدم التورط في الحرب الدائرة، وسينتهي مفعول القانون بعد 5 سنوات، أي بعد انتهاء ولاية الرئيس المقبل للولايات المتحدة، سواء كان ترامب في ولايته الثانية، أو في ولايته الأولى.

عقوبات قاسية
ينصّ “قانون قيصر” على أن العقوبات غايتها “إجبار حكومة بشار الأسد على وقف هجماتها القاتلة على الشعب السوري ودعم الانتقال إلى حكومة في سوريا تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان والتعايش السلمي مع الجيران”، فالقانون لم يتحدث عن تنحية بشار عن الحكم، لكنه يتيح محاسبة مرتكبي جرائم الحرب.

هذا يعني أن المطالب الأمريكية لا تتلخص في وقف استهداف المدنيين وإطلاق سراح المعتقلين وضمان عودة اللاجئين فحسب، فقد يراهن صنّاع السياسة الأمريكية على تهاوي النظام ذاتيًا تحت وطأة العقوبات القاسية، حيث ستبدأ وزارة الخزانة الأمريكية ـ بحسب القانون ـ في تحديد ما إذا كان المصرف المركزي السوري ينشط في غسيل الأموال أم لا، وسترفع تقريرها إلى اللجان المعنية في الكونجرس.

يستهدف القانون الشخص الأجنبي الذي يوفر الدعم المالي والعسكري والتكنولوجي لحكومة نظام الأسد، سواء كأفراد أو مؤسسات، وطبقًا للقانون يشمل تعريف “الشخص الأجنبي” أي مقاول عسكري أو مرتزقة أو قوة شبه عسكرية تعمل داخل سوريا لصالحها أو نيابة عن حكومة سوريا.

وتتضمن العقوبات تجميد الأصول في أمريكا أو التي قد تقع تحت سيطرة أمريكية، بالإضافة إلى المنع من زيارة أمريكا، وتشمل أيضا العقوبات كل من يوفر أو يبيع للحكومة السورية السلع والخدمات والتكنولوجيا والمعلومات التي تسهّل الإنتاج المحلي للمنتوجات البترولية، فضلاً عمّن يوفر الطائرات أو قِطَع غيارها التي تستخدم لأغراض عسكرية، وكل من يقدم خدمات البناء.

مرونة التطبيق
يترك القانون حسم عدة أمور للرئيس، وهذه مرونة تطلبها عادةً الإدارات الأمريكية خلال التفاوض مع الكونجرس، كما أنه لدى الرئيس صلاحية تعليق هذا القانون جزئيً أو كليًا لفترات قابلة للتجديد، إذا كان هذا الإعفاء يخدم مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.

هذه المرونة تعطي للرئيس ترامب، أو أي رئيس قد يأتي بعده، مرونة في التفاوض مع حلفاء أمريكا في دول الجوار فيما يتعلق بالشأن السوري، كما يسهل السعي للاحتفاظ بالمكاسب والنفوذ وفقًا للمعطيات على أرض الواقع.

تداعيات خطيرة
التداعيات الاقتصادية للقانون الجديد ستكون أشد وطأة عن ذي قبل على النظام السوري، حيث ستزداد الأوضاع تدهورًا خاصة في ظل انهيار غير مسبوق لليرة وارتفاع كبير للأسعار، في وقتٍ تخضع فيه سوريا بالفعل لعقوبات سابقة فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث جمدت أرصدة الدولة ومئات من الشركات والأفراد، وتحظر تصدير سلع كثيرة إلى سوريا أو الاستثمار فيها.

فخسائر الاقتصاد السوري بلغت، حتى نهاية 2019، نحو 530 مليار دولار، منها أكثر من 65 مليارًا بسبب تضرر 40% من البنية التحتية، وتُقدر كلفة إعادة الإعمار بنحو 400 مليار دولار في فترة تمتد إلى أكثر من 10 سنوات. لكن صفحة إعادة الإعمار سيتم طيّها، لأن العقوبات التي يتضمنها قانون “قيصر” ستلاحق أي دولة أو شركة أو أفراد تمد يدها لنظام الأسد، عبر استثمارات أو عقود لإعادة الإعمار، دون التوصل لحل سياسي أولًا.

ومن المؤسف أن القانون الجديد لن يضع النظام والاقتصاد السوري فقط تحت وطأة العقاب، وإنما المواطن السوري أيضا سيكون تحت ضغوط شديدة، إذ ستزداد أوضاعه سوءًا نتيجة التهاوي الاقتصادي الموجود بالأساس، ناهيك عن انتشار فيروس بطبيعة الحال والذي يسهم في تعميق حجم الأزمة الاقتصادية.

مظاهرات
من جهة أخرى؛ فقد شهدت مدينة السويداء احتجاجات واسعة على الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تشهدها البلاد، وذلك بعد تسجيل هبوط قياسي لقيمة الليرة، وقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو لمتظاهرين يجوبون الشوارع الرئيسية والساحات في السويداء، ويرددون شعارات مناهضة للنظام، مشابهة لتلك التي استخدمت عندما اندلعت الاحتجاجات لأول مرة عام 2011.

وكان لافتاً ترديد المتظاهرين لشعارات جديدة تطالب بخروج روسيا وإيران من سوريا، إذ هتف محتجون: “سوريا حرة حرة، إيران وروسيا برا”، و”يرحم روحك يا سلطان.. البلد صارت لإيران”.

يُذكر أن المصرف المركزي السوري قد حذّر الشهر الماضي في بيان من أنّه لن يتوانى عن اتخاذ أي إجراء بحق أي متلاعب بالليرة سواء من المؤسسات أو الشركات أو الأفراد، لاستعادة ضبط أسعار الصرف، لكن محللون يرون أن الصراع بين الحكومة ورجل الأعمال “رامي مخلوف”، قد ألقى أيضا بتداعيات سلبية على الاقتصاد، حتى قبل ظهور تأثيرات قانون “قيصر” المرتقبة.

تأثيرات واسعة
بالرغم من أن الهدف الأول من إنفاذ هذه القانون هو نظام الأسد، إلا أن تداعياته لن تقتصر على النظام السوري وحده، بل ستطول حلفاء النظام، ولا سيما وإيران وروسيا والصين، وكل دولة أو شركة تتعامل، أو تفكر في التعامل، مع هذا النظام.

إذ تستهدف العقوبات للمرة الأولى من يتعاملون مع كيانات روسية وإيرانية في سوريا، وهذا يشكل ضربة قاسية للروس والإيرانيين الذين كانوا ينتظرون تعويض نفقاتهم العسكرية والمالية في الميدان السوري عبر صفقات إعادة الإعمار والحصول على حصص في حقول النفط والغاز.

فبحسب بعض لدراسة لمؤسسة البحوث الدولية “إي إتش أس” ومركزها لندن؛ فإن نفقات روسيا العسكرية في سوريا تبلغ ما بين 3 و4 ملايين دولار يوميًا، وهذا يعني أنها من 5 إلى 7 مليارات دولار منذ تدخلها أواخر عام 2015، لكن العقود التي وقعتها الشركات الروسية حتى الآن لا تغطي نصف هذا الرقم.

“قانون قيصر” يوجه أيضا رسالة تحذير إلى دول الجوار التي كانت تفكر بالتقارب مع نظام الأسد، أو التعامل معه تجاريًا، مثل لبنان والأردن والعراق وبعض الدول الخليجية، وحتى تركيا التي توسطت روسيا معها لفتح قنوات حوار مع الحكومة السورية.

هل سينجح القانون؟
حتى الآن تتباين التكهنات حول فاعلية القانون الجديد ومدى تأثيره على النظام السوري، خاصةً حول مدى قدرته على إجبار النظام على الدخول في مسار الحل السياسي، وإنهاء الكارثة. فالبعض يرى أن الأسد يواجه الآن أزمة غير مسبوقة، حلفاؤه إما عاجزون عن إغاثته أو يريدون إضغافه أكثر للحصول على مزيد من التنازلات منه خدمة لمصالحهم.، ويعتبرون أن قانون “قيصر” سيكون بمثابة القشة التي ستقصم ظهر البعير.

المشككون في قدرة قانون “قيصر” يرجعون ذلك إلى طبيعة نظام الأسد الاستبدادي، الذي يلجأ دائمًا في حربه إلى تحميل المواطن السوري كل تكاليف هذه الحرب وتبعاتها، كما أنه لم يرضخ للضغوط الخارجية ولم يقدم تنازلات لخصومه، حتى لو اضطر إلى بيع مقدرات الوطن لمن يناصرونه ويدعمونه بالسلاح. هذا بالإضافة إلى تجربة العقوبات الأمريكية السابقة على الأنظمة الديكتاتورية، حيث لا تشير إلى أنها حققت تأثيرًا واضحًا على سلوك الأنظمة أو نهجها القمعي.

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: