أخبار العالم العربيتقارير

عودة الحليف.. دلالات زيارة العاهل الأردني لأمريكا وتصريحاته حول سوريا ولبنان

حظيت زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة باهتمام واسع من جانب العديد من المراقبين والمحللين، والذين تابعوا الزيارة وما تخللها من تصريحات ولقاءات، وما أسفرت عنه من نتائج، ورأوا أنها حملت العديد من الرسائل والدلالات التي سيكون لها صداها خلال الفترة المقبلة.

فالعاهل الأردني هو أول زعيم عربي وإسلامي يلتقي الرئيس بايدن بالبيت الأبيض منذ تنصيبه في يناير الماضي، كما أن الزيارة تحمل أهمية كبيرة من حيث دلالاتها وتوقيتها، في ظل أزمات كثيرة تعاني منها المنطقة العربية، خاصة أزمة الجيران في سوريا ولبنان وفلسطين، وأزمات الأردن أيضًا، ومن بينها الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا، ومحاولة الانقلاب التي ماتت في مهدها مؤخرًا.

عودة الحليف

ورأى كثيرون أن الزيارة مهدت لعودة الأردن كحليف قوي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وكلاعب رئيسي في قضايا المنطقة، وهو ما أشارت إليه الناطقة باسم البيت الأبيض، جين بساكي، التي أكدت أن “الزيارة فرصة لمناقشة الكثير من التحديات التي تواجه الشرق الأوسط، والتأكيد على الدور القيادي للأردن في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة”.

وجاءت الزيارة التي بدأت بلقاء الرئيس بايدن يوم 19 يوليو الجاري، في توقيت دقيق وهام، وفقًا لصحيفة “الدستور” الأردنية، حيث تتجه أنظار المنطقة إلى واشنطن في ظل التغيرات التي حدثت فيما يتعلق بالرؤية الأمريكية لقضايا المنطقة.

ورأت الصحيفة أن استقبال بايدن للعاهل الأردني كأول زعيم عربي وإسلامي، يدل على ثقة الإدارة الأمريكية بالأردن ودوره في المنطقة، والحرص المتبادل على التوافق في الرؤى وتحقيق مزيد من التعاون فيما يتعلق بالمصالح المشتركة وقضايا المنطقة.

وأكدت أن اللقاء يدلل على إدراك الإدارة الأمريكية الجديدة لأهمية ومكانة الأردن، وأثره وتأثيره في العديد من الملفات، بعد أن كان قد عاني من الضغوط من قبل إدارة ترامب السابقة بسبب تمسكه بالحل العادل للقضية الفلسطينية، وموقفه الثابت تجاه الملفات الأخرى، وعلى رأسها الملف السوري واللبناني.

عداء ترامب

وفي مقابلة مع “دويتشه فيله DW” قال إدموند راتكا، مدير مكتب مؤسسة كونراد أديناور الألمانية في عمان، إن لقاء العاهل الأردني مع الرئيس بايدن مهم جدًا بالنسبة للأردن، ويحمل في طياته بعدًا دوليًا وإقليميًا هامًا”.

وأوضح راتكا أن العلاقات الأمريكية-الأردنية لم تكن على ما يرام في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ما أثر على التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وعمان. وقال إنه رغم قوة العلاقات بين الأردن والولايات المتحدة على مدار العقود الماضية، إلا أن ذلك لم يمنع ترامب من محاولة تهميش دور الأردن، حيث كان يفضل “زعامة الرجل القوي”، كما هو الحال في السعودية ومصر، على الملك الأردني.

وأضاف أن ترامب “لم يول اهتماما بالمصالح الأردنية على الإطلاق. لذلك كانت فترة ترامب صعبة جدًا بالنسبة للأردن، وكانت العلاقات بين البلدين خلالها في مستوى متدني جدًا”.

ورغم استمرار تدفق المساعدات الأمريكية إلى الأردن خلال عهد ترامب، إلا أن الأردن فقد الكثير من تأثيره في السياسة الخارجية. وكان الملك عبدالله قد سعى في البداية لكسب ود ترامب ودعمه إلا أن ترامب لم يستجب.

ثم جاء قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ديسمبر عام 2017، ليحدث تصدعًا في التحالف القديم بين البلدين، وعلى إثره توقفت الاتصالات بين قيادة البلدين، خاصة وأن هذا الموقف يتعارض مع موقف الأردن القائم على حل الدولتين، ووصايته على المقدسات الإسلامية في القدس، وبصفة خاصة المسجد الأقصى.

صداقة بايدن

لكن فوز بايدن بالرئاسة حمل معه الكثير من التغييرات على صعيد العلاقات بين الأردن والولايات المتحدة، وكان الملك الأردني من أوائل زعماء العالم الذين هنأوا بايدن بفوزه، وأول زعيم عربي يجرى اتصالا هاتفيا معه في الشهر ذاته، وسبق أن التقى الملك عبد الله مع بايدن عدة مرات، حيث زار بايدن الأردن عندما كان عضوًا في الكونجرس، وعندما كان نائبًا لأوباما.

وكان الملك عبدالله والرئيس بايدن قد عقدا لقاء قمة بينهما يوم الاثنين الماضي أكدا خلاله على متانة العلاقات بين البلدين، وحرصهما على توطيدها في شتى الميادين.

المصدر: وكالة الأنباء الأردنية (بترا)

ووفقًا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) فقد تناولت القمة توسيع آفاق الشراكة الإستراتيجية بين الأردن والولايات المتحدة، إضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية، التي تصدرت أجندتها القضية الفلسطينية.

وفي حديثه للرئيس بايدن قال ملك الأردن: “هناك العديد من التحديات في منطقتنا، وأعتقد أن العديد من قادة الدول في المنطقة سيقومون بتحمل العبء الأكبر، وبإمكانكم أن تعتمدوا علينا وعلى بلدنا، وعلى العديد من القادة في المنطقة”.

من جهته، أعرب الرئيس بايدن عن تقديره للدور القيادي المهم لملك الأردن في الشرق الأوسط، وقال: “أنتم وسط منطقة صعبة، ولطالما كنتم إلى جانبنا، وستجدونا دائمًا إلى جانب الأردن”.

وأضاف: “أود الترحيب مجددًا في البيت الأبيض بصديق عزيز، وهو جلالة الملك. أمضينا الكثير من الوقت معا منذ زمن طويل، فالتقيت جلالته عندما كان مع والده، كما هو ابنه اليوم، وكنت أنا عضوًا شابًا في مجلس الشيوخ”.

وتابع، “إنه لأمر رائع أن نستضيفه مجددًا في البيت الأبيض، وأود أن أشكركم، جلالة الملك، على علاقتكم المتينة والإستراتيجية مع الولايات المتحدة”.

وخلال لقائه مع وزير الخارجية أنتوني بلينكن أكد عاهل الأردن أن بلاده على تنسيق مستمر مع الولايات المتحدة لمواجهة مختلف التحديات في المنطقة، قائلاً: “يمكنكم دائماً الاعتماد على الأردن كحليف قوي وصامد”. وفقًا لوكالة “بترا“.

من جهته، أكد بلينكن على التقدير الذي يحظى به الملك والأردن في الولايات المتحدة، قائلاً “أعتقد أن فاعلية أجندتكم هنا هي دليل قوي على أن الأردن لطالما وما زال يحظى بدعم كبير من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وهذا أيضا أمر بالغ الأهمية”.

المصدر: وكالة الأنباء الأردنية (بترا)

الأردن وقضايا المنطقة

يرى الأردن أن حل الدولتين هو المخرج الآمن والضامن لحق الشعب الفلسطيني ولاستقرار وأمن المنطقة، كما يرى في الحل السياسي السلمي المخرج الآمن لوحدة سوريا أرضاً وشعباً.

وقد أكد العاهل الأردني خلال زيارته للولايات المتحدة أن الأردن يسعى لتقديم الحلول للأزمة السورية بالتعاون مع الأشقاء العرب والمجتمع الدولي، مضيفًا أن الهدف هو عودة سوريا إلى الحضن العربي.

وتضمنت الرؤية الأردنية التي طرحت على المسئولين في واشنطن التأكيد على أن التوصل إلى حلول لمساعدة سوريا سيساعد المنطقة بأكملها والأردن على وجه الخصوص.

وفي الشأن اللبناني حذر الملك عبدالله من تدهور الأوضاع في لبنان خلال أسابيع إذا استمر الوضع على ما هو عليه دون انفراج.

وكان ملك الأردن قد أكد خلال لقائه الرئيس بايدن ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، لاسيما في الحرم القدسي الشريف، لافتا إلى مواصلة الأردن تأدية دوره التاريخي والديني الثابت في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، من منطلق الوصاية الهاشمية على هذه المقدسات.

كما أكد ضرورة العمل على إعادة إطلاق مفاوضات جادة وفاعلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لتحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين، مشددا على ضرورة نيل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وقيام دولته المستقلة، ذات السيادة والقابلة للحياة، على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. وفقًا لـ”بترا

وثمّن عاهل الأردن الخطوات الإيجابية للإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، واستئناف المساعدات الأمريكية لوكالة (الأونروا)، بتقديم تبرعات إضافية بقيمة 136 مليون دولار، لتصل قيمة التبرعات الأمريكية للوكالة هذا العام إلى 318 مليون دولار.

وخلال لقائه مع نائبة الرئيس، كامالا هاريس، جدد ملك الأردن التأكيد على أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، خصوصا في المسجد الأقصى المبارك، والقدسي الشريف.

وفيما يتعلق بالأعباء التي يتحملها الأردن جراء استضافته لأكثر من 1.3 مليون لاجئ سوري، شدد الملك على أهمية أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته بهذا الخصوص. وفقًا لوكالة “بترا“.

ولفت إلى أن الأردن كان في طليعة الدول التي وفرت اللقاحات ضد “كورونا” للاجئين على أراضيه. وأعرب عن شكره للإدارة الأمريكية على تقديمها المساعدات اللازمة واللقاحات لمواجهة الوباء.

وخلال اجتماعاته في مجلس الشيوخ بقيادات المجلس من الحزبين الديمقراطي والجمهوري تناول العاهل الأردني العبء الذي يتحمله الأردن جراء استضافة اللاجئين السوريين، وسط انخفاض حاد في الدعم الدولي من الدول المانحة، حيث تمت إلى الآن تغطية حوالي 8 بالمائة فقط من احتياجات الأردن لهذا العام لاستضافة اللاجئين.

ووفقًا لوكالة “بترا” أشاد بدعم الولايات المتحدة لحل الدولتين سبيلا لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، محذرًا من نشوب العنف مجددا في غياب التقدم على الأرض تجاه إعادة إطلاق عملية السلام.

المصدر: وكالة الأنباء الأردنية (بترا)

تصريحات ومواقف هامة

وقوبلت تصريحات ملك الأردن بترحيب من جانب عدد كبير من المتابعين، ودعا الإعلامي السوري فيصل القاسم إلى متابعة هذه التصريحات والانتباه إليها جيدًا، وقال في تغريدة له على موقع تويتر: “انتبهوا وركزوا جيداً على تصريحات الملك عبدالله الثاني بخصوص الوضع الكارثي في سوريا ولبنان.. وخذوها على محمل الجد”.

وأضاف أن “الملك لم يتكلم يوماً من فراغ، ولا تنسوا أنه كان أول من حذر المنطقة من الهلال الشيعي عام 2004 الذي أصبح واقعاً يفقأ العيون”.

ورأى المحلل السياسي غسان يوسف أن الأردن يدرك خصوصية العلاقة مع سوريا، فالأخيرة حين تكون معافاة تستطيع أن تمد الأردن بالمواد الغذائية ويكون الأردن ممرًا ما بين سوريا ودول الخليج، وهذا سيحقق عوائد كبيرة على الأردن.

وأوضح في تصريحات لموقع “روسيا اليوم” أن ما قاله ملك الأردن حول أن بلاده تسعى لتقديم الحلول للأزمة السورية لكي تعود سوريا إلى الحضن العربي، يشير إلى أن الأردن لا يريد أن يبدو كأنه يمشي بعكس التيار، ويريد أن يخفف الضغوط عليه لأنه يتعامل مع الدولة السورية.

وأشار يوسف إلى أن ملك الأردن لديه علاقات جيدة مع واشنطن والتي ستستمع لما يقوله لأنه الأدرى بما يحدث في المنطقة.

وأكد أنه إذا كان العاهل الأردني يحمل أفكارا إيجابية للعلاقة مع سوريا، فستنعكس على كل من سوريا والأردن، لأن أي تطور إيجابي على الداخل السوري والوضع الاقتصادي في سوريا سينعكس إيجابا على الأردن، كما أن أي علاقة إيجابية بين سوريا والأردن وما بينهما ودول الجوار سينعكس على استقرار المنطقة، فقد ثبت لدى الجميع أن الفوضى في سوريا ليست في مصلحة أحد، وتصريحات العاهل الأردني تعكس ذلك.

كما أكد أن الولايات المتحدة وافقت مؤخرًا على تمديد آلية المساعدات للسوريين عبر معبر باب الهوى، وكان هذا مؤشر إيجابي.

رسائل وأهداف الزيارة

سعت زيارة ملك الأردن للولايات المتحدة إلى تحقيق العديد من الأهداف وحملت في طياتها العديد من الرسائل الموجهة إلى الداخل الأردني والجوار الإقليمي.

ويرى غريغوري أفتانديليان، الباحث بالمركز العربي في واشنطن والخبير في السياسة الأمريكية، أن الملك الأردني يأمل في أن تسفر صداقته الطويلة مع بايدن عن تحقيق مكاسب عديدة على رأسها تعزيز دور الأردن على الساحة الإقليمية، وإظهار نفسه أمام المواطنين الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية بأنه قادر على استخدام نفوذه لدى بايدن لتعزيز الدعم الأمريكي لحقوق الفلسطينيين. وفقًا لموقع “دويتشه فيله“.

بالإضافة إلى ذلك يسعى الأردن للحصول على المزيد من الدعم الأمريكي لإنعاش اقتصاده الذي يعاني بشدة، حيث يتوقع أن يسعى إلى تمديد حزمة المساعدات الحالية التي تقدر بـ 6.4 مليار دولار تقدمها واشنطن للأردن على مدار 5 سنوات، والمتوقع أن تنتهي العام المقبل.

ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للمحلل السياسي، ديفيد إغناطيوس، قال فيه إن ملك الأردن أعاد مرة أخرى صورته كحاكم مفضل لدى واشنطن. وأضاف أن الصورة التي نشرها البيت الأبيض أكدت ذلك، حيث ظهر الملك عبد الله الثاني المبتسم والفرح برفقة ابنه وولي عهده الأمير حسين إلى جانب الرئيس بايدن المبتسم أيضًا. وأضاف أنها “صورة مبهجة” و”ستثير الكثير من الحسد في المنطقة”.

وأشار الكاتب إلى أن الملك عبد الله حمل معه 3 رسائل إلى الرئيس بايدن. فقد حث في الأولى، بايدن لدعم رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي والذي سيكون ضيفا على البيت الأبيض في الأسبوع المقبل.

وبحسب مصدر مطلع فقد أخبر الملك عبد الله بايدن أنه “إذا كان هناك شخص سيساعدنا للسيطرة على الإيرانيين، فهذا هو”. وقال إن الكاظمي يحظى بدعم عربي واسع من السعودية والإمارات ومصر. وأضاف المصدر أن إدارة بايدن تنوي دعم الكاظمي.

أما الرسالة الثانية، فهي متعلقة بسوريا التي حث فيها الملك عبد الله الرئيس الأمريكي للعمل على تحقيق الاستقرار فيها. حيث يسعى ملك الأردن لجمع كل الأطراف المعنية: الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل والأردن للتوافق على خريطة طريق تحفظ سيادة ووحدة سوريا.

أما الرسالة الثالثة فكانت عن علاقات الأردن مع حكومة إسرائيل الجديدة التي يترأسها نفتالي بينيت. وسبق أن وصف الملك عبد الله لقاءً عقده قبل فترة مع بينيت بأنه مطمئن، وعبر عن اعتقاده بإمكانية تعاون الحكومتين في مجال الأمن والقضايا الأخرى.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين