أخبار العربالراديوبرامجنا

“زينة ارحيم”.. شاهد عيان على معاناة السوريين وكفاح الصحفيات في أجواء الحرب

ضيفتنا تم اختيارها ضمن تصنيف "أقوى 100 امرأة عربية" وقائمة "أبطال خلف الستار"

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

“زينة ارحيم”، صحفية سورية من طراز خاص، وامرأة غير عادية.. فهي واحدة من أقوى 100 امرأة عربية، وفقًا لتصنيف صحيفة “أرابيان بيزنس”، كما اختيرت ضمن قائمة “أبطال خلف الستار” التي أصدرتها وكالة تومسون رويترز لعام 2016.

كما حصلت على عدة جوائز دولية، منها جائزة “آنيتا أوسبرج” الأولى، والتي تحمل اسم “امرأة تثور للسلام”، وتم اختيارها “صحفية العام” من قبل منظمة “” في عام 2015.

هذه الجوائز، وهذا التقدير الدولي الرفيع لشخصها لم يأت من فراغ، فهي تمارس مهنة البحث عن المتاعب في التي تعد أكثر البلاد صعوبة بالنسبة للصحفيين.

ورغم ما واجهته من مخاطر وتهديدات تمسكت زينة بأخلاق المهنة، وتسلحت بالشجاعة في مواجهة الموت، وتحملت كل المخاطر من أجل مهمتها الإنسانية.

فإلى جانب عملها كصحفية دعمت النساء اللاتي يعشن تحت الحصار، وقاتلت من أجل دعم حرية الإعلام في سوريا.

عملت زينة في العديدم نوسائل الإعلام المميزة، حيث بدأت عملها الصحفي في موقع “سيريا نيوز” عام 2004، ثم انتقلت للعمل مع قناة “أورينت نيوز”، وفي عام 2008 بدأت بالعمل مع جريدة الحياة اللندنية.

وفي العام 2010 حصلت على الماجستير في مجال الإعلام الدولي من جامعة سيتي في لندن، وعملت بعدها في تلفزيون” بي بي سي عربي” لمدة عام.

ومع بداية الأحداث في سوريا، تركت ارحيم عملها في “بي بي سي”، وقررت العودة إلى سوريا، لكن تم إجبارها على المغادرة مرة أخرى لتستقر كلاجئة في لندن.

وتعمل زينة حاليًا مع معهد صحافة الحرب والسلام، كمستشارة ومدرّبة لتطوير مهارات النشطاء الإعلاميين في داخل سوريا، ودعم المشاريع الإعلامية المدنية لتطوير الإعلام في سوريا.

امرأة غير عادية

مع هذه السيدة غير العادية.. وصاحبة الرحلة الطويلة في بلاط صاحبة الجلالة، كان اللقاء الذي أجرته معها الإعلامية ليلى الحسني في برنامج “” على راديو صوت العرب من .

تناول اللقاء رحلة عمل “زينة ارحيم” المليئة بالمغامرات والتضحيات، ودورها في شبكة صحافة الحرب والسلام، وتدريب الصحفيين العرب، وخاصة السوريين، واهتمامها بالمرأة السورية، ورأيها في الكثير من القضايا التي تتعلق بالوطن العربي وخاصة بلدها سوريا.. وإلى تفاصيل اللقاء:

* أهلا بك زينة.. كثيرون هم من يعرفون “زينة ارحيم” الصحفية التي لمع نجمها خلال السنوات الماضية، لكننا في “شاهد عيان” نريد أن نقدمك لمستمعينا من جانب آخر، من هي “زينة ارحيم” ابنة سوريا التي نشأت في إدلب، وعادت من لندن لتشارك أهلها فيما يواجهونه من مخاطر وأزمات؟

** في الواقع بعد هذه المقدمة الرائعة لا أستطيع أن أضيف معلومة أخرى عن نفسي، لكن عمومًا أنا صحفية سورية، أعمل كمديرة للتواصل في معهد صحافة الحرب والسلام، وهى منظمة دولية تعمل في 28 دولة حول العالم، مقرها في لندن، ولديها عدة مكاتب تنسيق في واشنطن وأمستردام.

وتعمل المنظمة في المناطق التي بها نزاعات، لمساعدة الناشطين الإعلاميين والصحفيين في تقديم محتوى إعلامي مستقل ومتوازن، يساعد على إحلال السلام.

وأنا مع هذه المنظمة منذ 7 سنوات، وقبلها كنت أعمل في “BBC”، وقبل ذلك كنت أعمل بشكل حر مع عدد من الوسائل الإعلامية.

وبسبب الحرب والملاحقة اضطررت للنزوح عدة مرات، من سوريا إلى خارجها، ثم إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في الشمال السوري، ثم إلى جنوب تركيا، وأخيرًا إلى لندن، حيث أعيش الآن كلاجئة.

رحلة عمل مميزة

* “زينة”؛ دعينا نبدأ معكِ بالحديث عن رحلة عملك المميزة، فقد بدأت عملك في موقع “سوريا نيوز” عام 2004، قبل انتقالك للعمل مع قناة “أورينت نيوز”، منذ تأسيس مكتبها في دمشق، إلى أن أغلقته المخابرات السورية في عام 2008م، بعدها انتقلت للعمل مع جريدة الحياة اللندنية، وفي عام 2010م حصلتِ على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة وحصلتِ على الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن. بعدها عملتِ في تلفزيون “بي بي سي عربي” لمدة عام بقسم الأخبار والوثائق.

اختطاف في سوريا

ومع بداية الأحداث في سوريا، تركت عملك في “BBC” وقررت العودة إلى سوريا، وهناك تم اعتقالك من قبل السلطات السورية في سبتمبر 2012م، أثناء قيامك بمهمة ميدانية في ريف مدينة حلب. حدثينا قليلًا عن هذه الواقعة؟

** ما حدث كانت عملية خطف، وليس اعتقالًا رسميًا، وقام بالخطف ميليشيات تابعة للنظام، حيث كنت مع فريق إعلامي نحاول تصوير فيلم يحكي عن قريتين متجاورتين، اعتاد أهلهما العيش سويًا بسلام، إحداهما تقطنها الأغلبية السنية، والأخرى تقطنها أغلبية شيعية.

ولكن كان هذا الأمر بحكم المنسي، إلى أن بدأت المظاهرات، فبدأ النظام بتجنيد بعض الميليشيات المسلحة من القرية الشيعية لتلاحق المتظاهرين في القرية السنية، ومن هنا بدأ التوتر الطائفي بين القريتين.

وفي 2012م قررت مع فريق من الصحفيين أن نحاول صناعة فيلم يعرض وجهتي النظر من القريتين، في محاولة لتذكيرهم بحياتهم السابقة، وتذكيرهم بإنسانيتهم وتخفيف التوتر الطائفي.

وقد حصلت على نوع من الضمان أو الحماية من أحد قادة الميليشيات الموجودة في القرية، وبالرغم من كونه قائد ميليشيا تابع للنظام إلا أنه كان يرى أن الجميع مظلوم، ومن الضروري أن يظل هناك تعايش سلمي بين القريتين.

ولكن للأسف لم يستطع حمايتنا في النهاية، لأن الميليشيات الأخرى كان صوتها أعلى، خاصة في ظل عدم وجود ضوابط تحكم الصراع، وفي النهاية تعرضنا للخطف.

ولأن زملائي كانوا من الجنسية البريطانية فقد تمَّ نقلهم إلى دمشق، لأن دولتهم تحميهم وتطالب بالحفاظ على سلامتهم، لكن لأني سورية ولا أحمل إلا الجنسية السورية، فتمَّ تسليمي للنظام، وكان من الممكن أن يتم قتلي تحت التعذيب لمجرد أنني أردت أن أحكي للناس عن قصة من واقع بلدي.

* إذن سبب الاختطاف تحديدًا هو أنكِ حاولتِ نقل هذه القصص التي تشاهدينها على أرض الواقع؟

** سبب الاختطاف أنني صحفية، وعبرت خط لم يعبره أحد من قبل، عبرت من منطقة تسيطر عليها المعارضة إلى منطقة يسيطر عليها النظام، وأنا كشخص مستقل لست محسوبة على أحد، ولست تابعة لأي فريق.

معهد الحرب والسلام

* دعينا أركز معكِ الآن على عملك الحالي؛ كمدير للإعلام بمعهد الصحافة للحرب والسلام، حدثينا أكثر عن دور المعهد وطبيعة عملك فيه؟

** المعهد يعمل في سوريا منذ عام 2007م، حيث يحاول أن يقوم بتدريب الصحفيين، سواء كانوا يعملون مع المؤسسات الحكومية أو الخاصة، لرفع مهارات الإعلام الحيادي والمستقل والموضوعي، وقد تعرض موظفوه للطرد من سوريا عندما تم الكشف عن طبيعة عملهم، بعدها تم الانتقال للعمل مع الصحفيين الحياديين الذين يحاولون توثيق الصراع بشكل مستقل.

وعندما كنت أعمل معهم داخل سوريا، قمت بتدريب أكثر من 100 ناشط وناشطة إعلامية على أساسيات العمل الصحفي، المكتوب والمرئي والمسموع، وكان هناك دور أساسي أيضًا يتمثل في توصيل الناشطين العاملين في الداخل السوري مع الوسائل الإعلامية الموجودة بالخارج، فقد كانت هناك فجوة كبيرة جدًا نتيجة اختلاف اللغة وصعوبة التواصل.

وكان هناك جزء كبير من العمل يركز على تدريبات السلامة الجسدية للصحفيين، من خلال تدريبات الأمن الرقمي، نظرًا لكثرة الجهات التي تحاول أن تنال من السلامة الرقمية للصحفيين أو لكل من يوفر معلومات، سواء النظام أو داعش أو القاعدة أو حتى بعض فئات المعارضة.

أدوات وليست خدمات

* كيف تقييمين هذه الخدمات التي تقدمونها من خلال المعهد في سوريا وفي البلدان العربية بشكل عام؟

** هي ليست خدمات، بل هي أدوات، فالأشخاص الذين نقدم لهم الدعم نقوم بتوفير أدوات لهم تساعدهم على أداء عملهم بشكل أفضل، وأنا كما ذكرت عملت لفترة معينة مع المعهد في سوريا، حيث يوجد صحفيين ونشطاء على الأرض يعملون في المجال الصحفي والإعلامي، لكن ينقصهم الأدوات والتدريب، فالمعهد يرى في هؤلاء الأشخاص بداية لحملة التغيير والديمقراطية، وهم الأمل في أن يصبح هناك نوع من السلام.

واقع الإعلام السوري

* تركزون في المعهد على تطوير مهارات الإعلاميين، فكيف تقرأين واقع المشهد الإعلامي السوري حاليًا؟

** صعب للغاية، سواء المشهد الإعلامي السوري، أو العربي، هناك الإعلام الممول من النظام، ومن الأفضل ألا نسميه إعلام لأنه مجرد بروباجندا للنظام، وهناك إعلام آخر داعم للمعارضة، وآخر يدعم الأكراد.

لكن محاولات إيجاد إعلام بديل نشأت مع بداية الحراك، وقد أدت بجدارة إلى تحسين الوضع وتقديم معلومات بشكل مستقل في وضع الحرب.

ولا شك أن الأزمة الخليجية قد أثرت بشكل كبير على كل وسائل الإعلام في المنطقة، وفي سوريا بطبيعة الحال، فصار هناك الإعلام الممول من أطراف عدة، وبشكل عام فإن المشهد المعقد في العالم العربي ينطبق على المشهد المعقد في الداخل السوري.

تطوير الأداء الإعلامي

* برأيك؛ هل هناك إمكانية لتطوير الأداء الإعلامي في سوريا، بالرغم من كل هذه الصعوبات الموجودة هناك؟

** الأمثلة الإيجابية التي تستطيع العمل في مِثل هذه ظروف موجودة، سواء على صعيد سوريا أو مصر أو العراق أو غيرها، لكن المخاطر كثيرة جدًا، فكونك مستقل يجعل عملك خطر جدًا على كل المستويات، لكن هناك مبادرات من مؤسسات ثابتة تقوم بتدريب كوادرها، ليصبحوا مصدرًا للمعلومات والأخبار المستقلة وغير المتحيزة.

صوت الإعلاميات السوريات

* هل ترين أنه من الممكن أن يكون هناك صوت أنثوي قوي في الإعلام السوري، خاصة في المرحلة القادمة؟

** الصحفيات السوريات حاليًا مستمرات في العمل بالرغم من الظروف الصعبة الموجودة، وأنا كنت أعمل منذ فترة على مادة عن صحفيات الفيديو، وهذا موضوع جديد كليًا، خاصة لمنطقة الشمال السوري، حيث لم يكن هناك قبل الانتفاضة صحفيات يمكنهن تصوير الفيديو أو المونتاج أو الظهور أمام العدسات، كانت تظهر المذيعات فقط وليس الصحفيات.

حاليًا، وبالرغم من كل المخاطر والصعوبات والعراقيل الاجتماعية أمام المرأة التي ترغب في العمل بالصحافة، وبالرغم من أن سوريا مازالت في أسفل قائمة “مراسلون بلا حدود” من حيث الخطورة على الصحفيين، إلا أن هناك أكثر من 10 صحفيات سوريات يعملن في مجال الفيديو في الشمال الغربي فقط، وهناك أكثر من 30 صحفية محلية تعملن في المواد المكتوبة.

وكون الصحفية المحلية تعمل في نفس منطقتها فهذا يجعل العمل أكثر صعوبة، لأن الصحفية الأجنبية بعد انتهاء عملها تذهب إلى بلدها، ولا تكون كالصحفية المحلية مضطرة إلى التعامل مع ردود الأفعال والأصداء حول موادها التي تقدمها، والتي من الممكن أحيانًا أن تصل إلى التهديد بالقتل أو التعذيب أو الخطف.

وهناك صحفية شابة قامت بتصوير قصة صحفية عن امرأة تعمل في جمع الحطب، وذلك بعد أخذ موافقة المرأة، ولكن بعد النشر، آتي زوج المرأة وقام بتهديد الصحفية بأن يقاضيها أمام المحكمة، لأنه يرفض ما تمَّ تصويره، بالرغم من أن الصحفية كانت قد حصلت على موافقة مسبقة من زوجته، طبعًا لو كانت هذه الصحفية أجنبية، ما كان يمكنه تهديها بهذا الشكل.

مشهد مختلف

* مارستِ العمل الصحفي شخصيًا في سوريا قبل وبعد اشتعال الحرب؛ فإلى أي مدى اختلف المشهد من وجهة نظرك؟

** الحرب تغير كل شيء، لا يوجد أي شيء في سوريا ظل كما كان قبل وبعد الحرب، حتى من كان بعيدًا عن الحرب تأثر بها بطريقة أو بأخرى، والتحزبات صارت أقسى، والاختلافات صارت أعنف، الآن لم يعد هناك محددات لأي شيء.

مشكلات قديمة

* مشكلاتك مع النظام السوري قديمة، ففي عام 2008م أغلقت المخابرات السورية مكتب قناة “أورينت نيوز” في دمشق، والذي كنتِ تعملين به، فما هو سبب الإغلاق؟، وكيف تأثرتِ به؟

** سبب الإغلاق ـ بحسب ما عرفنا من مدير القناة في ذاك الوقت ـ بأنه رفض شراكة رامي مخلوف، وهو ابن خال الرئيس الأسد، فهو كان يريد حصة 0.5% من القناة بدون أن يدفع أي شيء، ولكن صاحب القناة رفض ذلك، فجاء الأمن في صباح اليوم التالي وتمّ إغلاق المكتب بكل بساطة.

تجربة الاختطاف

* زينة؛ حديثينا عن تجربة الاعتقال أو الخطف التي تعرضت لها بعد عودتك لسوريا، وكيف تمت معاملتك خلالها؟

** أنا لم يتم اعتقالي في سجن من النظام، ولكني تعرضت لعملية خطف من قبل بعض الميليشيات في القرية الشيعية، ورغم أن هناك ميليشيا قامت بحمايتي، إلا أنني تعرضت لما يمكن تسميته “مرحلة الخوف والفزع” مما حدث.

العودة إلى سوريا

* إذن لماذا قررتِ العودة إلى سوريا من جديد وسط كل هذه المخاطر والحروب، خاصةً بعدما استقرت أمورك في لندن؟

** كنت في لندن من قبل الانتفاضة، منذ عام 2010م، لكن الفكرة أنني لم أذهب إلى لندن لأبقى هناك، فأنا سافرت إليها لدراسة الماجستير ثم العودة لاحقًا، ومنذ عام 2008م وأنا أهتم بالمبادرات التي تتعلق بحقوق النساء، وهذا ما ساعدني في الحصول على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير بعد أن بدأت حملة ضد مسودة قانون الأحوال الشخصية الذي كان رجعيًا جدًا، وفيه تمييز صارخ ضد النساء والأقليات الدينية في سوريا.

وبالتالي فإنني منذ عام 2008م، بدأت مرحلة نشاطي من أجل قضايا اجتماعية ضمن الهوامش المسموح بها من السلطة، وبالتالي فإن ترك سوريا بالنسبة لي لم يكن واردًا، وحاولت أن أظل صامدة في مناطق النظام لكن بعد اعتقال العديد من زملائي الصحفيين، وبعد معرفة أنني مطلوبة، ذهبت إلى مناطق المعارضة، لكني أصبحت أيضَا مطلوبة من قِبَل بعض الفصائل.

ملاحقة في الخارج

* أنتِ أيضًا تعرضت لملاحقة في الخارج، فكما تابعتُ فقد صادرت السلطات البريطانية جواز سفرك بطلب من الحكومة في دمشق، هل هذا صحيح؟

** نعم، منذ عام 2016م، كنت قادمة إلى لندن لحضور إحدى الفعاليات، وتسلم جائزة تتعلق بحرية التعبير، فأخطرتني السلطات الحدودية بأن لديهم تهمة موجهة ضدي من الحكومة السورية بأنني سرقت جواز سفري.

والحوار الذي دار بيني وبين فرد الأمن وقتها، أنه أخبرني بأن حكومتك تتهمك بسرقة جواز السفر، فأخبرته: بأن هذه ليست قضية حكومة ضد مواطن، بل هو نظام ديكتاتوري ضد صحفي، وأنت قررت أنك تأخذ الآن صف النظام الديكتاتوري، فأخبرني بأن هذا هو النظام “This is the system”.

لاجئة بلا جنسية

* وكيف انتهت هذه الأزمة؟، فأنتِ تعيشين الآن في بريطانيا ولكن لا تحملين الجنسية البريطانية؟

** أنا أعيش في لندن كلاجئة، ومعي وثيقة سفر رسمية تقولي إنني لاجئة، وبالتالي لست سورية ولا بريطانية، أنا مُعلقة، فاللجوء في بريطانيا هو وضع قانوني صعب جدًا، لأن النظام هناك مختلف عن النظام الأمريكي، وبعد 6 سنوات يحق لي التقدم بطلب للحصول على الجنسية البريطانية.

للحرب جوانب أخرى

* أعود معكِ إلى تناولك للأحداث في سوريا، لماذا فضلت ألا تتحدثين عن الحرب بشكل مباشر، واتجهتِ إلى عرض جوانب إنسانية عما فعلته الحرب بحياة الناس، فما هي خلاصة تجربك لتناولك للجوانب الإنسانية للناس خلال الحرب؟

** أغلب الصحفيين والإعلاميين، حتى الغربيين منهم، أخذتهم الأسلحة والنزاعات فصارت over reported، وتمت تغطيتها بشكل مكثف، لكن الموضوعات التي تحتاج ثقة وجهد وحركة هي التركيز على قصص الناس ومعاناتهم، وهي قصص كانت دومًا منسية، وأنا كنت من الأشخاص المحظوظين كوني أستطيع السفر إلى سوريا ولقاء مسئولين من الخارجية البريطانية، وكذلك السفر إلى الولايات المتحدة، فكنت بمثابة حلقة وصل لإيصال صوت وحكايات الناس.

اللجوء لأمريكا

* لماذا لم تفكري من قبل في تقديم طلب لجوء إلى الولايات المتحدة؟

** لا، حتى ولو كان لدي الخيار لذلك، لم أكن لأتقدم به، فأوضاع أصدقائي الذين قدموا طلب لجوء إلى الولايات المتحدة سيئة جدًا، وأنا بشكل عام أُجبِرت على موضوع اللجوء بسبب ما حكيته عن موضوع جواز سفري.

نقطة اللا عـودة

* هل وصلت إلى نقطة اللا عودة؟

** أعتقد أنني قد تجاوزنا نقطة اللا عودة منذ زمن، فبعد ما حدث منذ عام 2011م حيث أول مظاهرة، وأول شخص قُتِلَ تحت التعذيب، وأول تعصب طائفي بين العائلات، صارت العودة إلى الوضع السابق صعبة جدًا.

جدوى عزل الأسد

* لكن بواقعية – وأنا هنا أتحدث بلسان البعض ـ هل مازال عزل الرئيس الأسد واقعيًا؟، وهل هذا الأمر سيحل الأزمة أم سيزيدها تعقيدًا؟

** أنا مدافعة عن حقوق الإنسان، ولا يمكنني أن أتقبل وجود مجرم حرب في أي منصب سياسي، فالاستقرار والسلام يقومان على أساس العدالة، وبدون العدالة لن يكون هناك أي استقرار أو سلام، لو قبلنا ببقاء الأسد فنحن هنا نعالج أعراض المرض بدون أن نعالج أصل وأساس المرض.

ميدان مزدحم

* هناك من يرى أن هناك دول محورية كثيرة لها دور كبير فيما يحدث في سوريا، ودول خليجية وتركيا ومصر وروسيا والولايات المتحدة، الكل مدان هنا وليس النظام فقط، فكيف ترين ذلك؟

** حاليًا يبدو أن الداعم الوحيد للرئيس هو ، مع وجود بعض اللاعبين الثانويين، ربما أنا لست خبيرة بالأمور السياسية، لكن من منطلق مجالي الصحفي في حقوق الإنسان، أؤكد أنه لا يمكن أن تقوم دولة بدون السلام والديمقراطية، ودون أن يتم تقديم الحكومات والأفراد الذين ارتكبوا جرائم بحق الأفراد والصحفيين للعدالة.

ثورات الربيع العربي

* ثورات الربيع العربي طالت العديد من البلدان في المنطقة، هل حققت هذه الثورات نجاحًا برأيك؟، وما مدى تأثير هذه الثورات على الشعوب العربية، سلبًا أو إيجابًا؟

** من موقعي لا يحق لي أن أعطي رأيي، كوني خسرت حياتي وعائلي وابني في الحرب، فأنا في النهاية من الناجين، وممن استطاعوا أن يكملوا حياتهم بشكل جيد، مقارنة بالكثير من الآخرين، لكن المحصلة في الأخير أن هذا التغيير كان لابد منه.

ثائرات

* لكِ تجربة مهمة في إخراج أفلام قصيرة تحت عنوان “”، حدثينا أكثر عن هذه التجربة؟، وما هي أهدافها وما حققته من نتائج؟

** عندما كنت أعيش في سوريا قبل الانتفاضة، لاحظت أن المحتوى المرئي الموجود عن النساء السوريات ضئيل جدًا، ونادرًا ما قرأنا عن النساء، وإذا ظهر لهن دور كان يتمثل في مساعدتهن للرجال فقط.

وأنا كنت محظوظة أن أكون لاحقًا موجودة في وسط مجتمع يحتوي على العديد من النساء الثائرات، ليس فقط على النظام، بل ثائرات أيضًا على داعش، وثائرات على التقاليد الذكورية، والأعراف الاجتماعية التي تحدد لهن حياتهن كنساء لهن دور ثانوي، ويكنّ خلف الرجال في كل الأدوار الاجتماعية، فحاولت فقط أن أكون عينًا تلاحق كل فتاة ثائرة، وتروي قصتها.

كنت هنا

* أعتقد أنكِ تميزتِ في هذا المجال، إذ حصلتِ على جائزة أفضل فيلم وثائقي في المهرجان العالمي Top shorts عن فيلمك “كنت هنا”، الذي يحكي قصة عودتك إلي إدلب عام 2015م، فماذا عن هذا الفيلم وهذه الجائزة؟

** هذا الفيلم صورته عن قصة عودتي إلى مدينتي إدلب، وذلك بعد سيطرة الثوار عليها في عام 2015م، حيث تمكنت حينها من العودة إليها بعد منع استمر لمدة 3 سنوات، ولأنني أنثى كنت ممنوعة من التصوير، أو بالأحرى كانت الأضواء عليّ أكثر، وبالتالي احتمالية حدوث مشكلات بيني وبين المسلحين الإسلاميين كانت أكثر.

وبالتالي فإن معظم مشاهد الفيلم تم تصويرها من خلف زجاج السيارة، لم يمكن بإمكاني التصوير في الخارج إلا قليلًا، صورت مع أصدقائي ومن تبقى من عائلتي.

حاولت تصوير التحول الذي حدث للمدينة، حيث تغيرت الأعلام الحمر إلى أعلام سود، تحولت السلطة من سلطة قمعية للنظام إلى سلطة قمعية لجبهة النصرة.

وسبق أن حضرت فترة المظاهرات في عام 2011م، عندما كانت الأعلام خضراء، عندما كنت محجبة وأستطيع أن أهتف بصوتي، وبالنسبة لي كانت التحول السابق هو خلاصة المأساة.

 

جوائز وتكريمات

* حصلت على جوائز عديدة ومميزة في فترة مبكرة من حياتك المهنية؛ منها جائزة مصطفى الحسيني لأفضل مقال لصحفي عربي شاب، وأيضا جائزة بيتر ماكلر للصحافة الشجاعة والأخلاقية، وهاتان الصفتان نفتقدهما كثيرًا في مهنة الصحافة في منطقتنا العربية؛ فما رأيك؟

** في رأيي، أعتقد أن الصوت الأعلى دائمًا في منطقتنا العربية هو الصوت الأكثر شتمًا، لكن هذا لا يمنع وجود أصوات أخرى قوية وشجاعة تعمل من أجل التغيير نحو مجتمع عادل، ونحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، ورغم وضع الحريات السيئ في معظم البلدان العربية لكن مازالت هناك مؤسسات تعمل من أجل تلك الأهداف التي ذكرتها.

* جائزة منظمة “مراسلون بلا حدود” للعام 2015، تسلمها عمك بالنيابة عنك، فلماذا لم تَذْهَبِي لتسلمها بنفسك؟

** كنت حينها في أمريكا، حيث كنا نقوم بجولة، وفي هذا الوقت كانت هناك رغبة أكبر من جانب الجمهور الأمريكي، لمعرفة ومتابعة ما يدور في سوريا.

ونظرًا لصعوبة الحصول على التأشيرات والسفر، فبادرت المنظمة بأن آخذ فتيات ناشطات من داخل سوريا أو عاملات في منظمات سورية من دول الجوار، ونذهب إلى أمريكا، وننظم مجموعات تقدم نشاطات في الجامعات، ومقابلات في الإعلام.

وكنا نحاول مناصرة القضايا الإنسانية في سوريا وتركيز الضوء عليها، وفي نفس هذا الوقت كان موعد تسلم الجائزة، فلم أستطع الذهاب لاستلامها بنفسي، وفضلت البقاء في أمريكا لإكمال مهمتي.

تقييم مهنة الصحافة عربيًا

* كيف تقيّيمن مهنة الصحافة في العالم العربي حاليًا، من حيث أخلاقيات الصحافة ومدى التدهور في المستوى المهني؟

** أعود لأؤكد أننا عندما نطلب من صحفيين أن يكونوا مهنيين ومستقلين وموضوعيين، فلابد ألا نغفل أن الصحفي هو في النهاية شخص بلا أدنى نوع من الحماية، ولا توجد قوانين تحميه، وعندما نطالب الصحفيين أن يكونوا شجعان ومستقلين وان يقفوا مع الحق، فلابد من دراسة السياق والبيئة التي يعملون فيها، لأن لها دور كبير على عملهم وأداءهم.

إرشادات ونصائح

* ما هي الإرشادات والنصائح التي يمكنك تقديمها إلى الصحفيين الذين يقومون بتغطية الحروب؟، وما هو الدور المطلوب منهم على الجانب المهني والإنساني؟

** لا أشعر كثيرًا أنني في موقع يمكنني من خلاله إعطاء النصائح، لكن على الأقل يمكنني القول إنه بالنسبة للصحفيين الذين يعملون في هذا المجال فإن هناك أشياء كثيرة لا يستطيعون القيام بها، لكنهم يحاولون تطبيق نوع من الرقابة الذاتية لسلامة أنفسهم وعائلاتهم.

وفي ميدان العمل الصحفي الإنساني.. من الأفضل أن يتم نقل معاناة الناس وإيصال أصواتهم، لكن إذا تعلق الأمر بتحول الصحفي إلى بروباجندا، فمن الأفضل هنا الصمت.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: