أخبار العالم العربيالراديو

بعد تصاعد التوتر بين مصر وإثيوبيا.. هل سيكون هناك تدخل عسكري؟

ترجمة: فرح صفي الدين – مع مرور أكثر من 9 سنوات من المفاوضات والمحادثات ومحاولات الوساطة، ما زالت الخلافات قائمة بين مصر وإثيوبيا والسودان حول سد النهضة (GERD)، مع اتهامات متبادلة بالتعدي على السيادة وتهديد حياة الملايين.

ويبدو أن الأمطار الغزيرة هي التي ملأت الخزان، لكن تصريحات إثيوبيا المتكررة حول نيتها ملء السد سواء كان هناك اتفاق أم لا قد أثارت قلق مصر والسودان، إذ يخشى البلدان أن يؤثر ملء السد بوتيرة سريعة على إمدادات المياه لديهما.

من جانبها وجهت السفارة الأمريكية في الكونغو الديمقراطية، رسالة إلى إثيوبيا بعد قيامها بالملء الثاني في سد النهضة، مؤكدة ضرورة حل الأزمة.

كما أكد وزير الخارجية الأمريكي أهمية دور الاتحاد الإفريقي في الحد من الصراع، والتوسط في أزمة السد الإثيوبي الكبير، وأعرب الزعيمان عن التزامهما بالعمل معًا حتى تتمكن جمهورية الكونغو الديمقراطية من تسخير إمكاناتها الهائلة نحو الاستمرار في مسار إيجابي بأزمة السد.

يستعرض الصحفي المخضرم بصحيفة Arab News راي حنانيا، في برنامجه The Ray Hanania Show، هذا الملف مع ضيفيه الأستاذ عمر ريدي، المدير العام ورئيس التحرير في شركة الإعلام الإثيوبية “إفريقية للإعلام والاتصالات” Ifriqiyah Media and Communications ومقرها واشنطن العاصمة، والصحفي والمحلل السياسي محمد السطوحي، من مكتب Frontcom LLC بنيويورك، وهو صحفي أمريكي من أصول مصرية، وعمل سابقًا في تلفزيون الغد ونايل نيوز مصر.

سد النهضة

بحسب شبكة CNN، يعتبر سد النهضة مشروعًا طموحًا للطاقة الكهرومائية بتكلفة تقترب من 5 مليار دولار، وتسعى من خلاله إثيوبيا إلى أن تصبح لاعبًا إقليميًا رئيسيًا.

ويهدف مشروع السد لتغطية احتياجات 60% من المنازل الإثيوبية من الكهرباء، والذين ما زالوا خارج نطاق شبكة الكهرباء، وذلك في إطار خطة رئيس الوزراء أبي أحمد لتحويل الدولة إلى مُصدّر طاقة رئيسي في المنطقة.

وجغرافيًا، يمتد النهر لأكثر من 4 آلاف ميل ويمر بـ11 دولة. ويبدأ النيل الأزرق، وهو الشريان الذي يزود النهر بـ80% من مياهه، عند بحيرة تانا في إثيوبيا، ويلتقي مع النيل الأبيض في الخرطوم، ويتدفق بعد ذلك لمصر.

ترويج إعلامي زائف

يقول الصحفي عمر ريدي إن قضية سد النهضة هي سياسية في المقام الأول، فهي تتعلق بمن له السيطرة على السد، ومن الذي يحق له الهيمنة، وليست قضية تأثير السد على تدفق المياه.

وأكد أن ما يروج له إعلاميًا بأن السد سيكون له تداعياته على تدفق المياه إلى مصر ليس صحيحًا، مشيرًا إلى أن ذلك هو ما يراه الجانب المصري فحسب.

وقال: “لدى المصريين تاريخًا للهيمنة على مياه النيل بموجب اتفاقية تم توقيعها عام 1959 بين مصر وبريطانيا التي كانت تستعمر السودان في ذلك الوقت، لتنظيم توزيع المياه بين مصر والسودان”.

وأضاف: “عندما قامت إثيوبيا ببناء سد النهضة، شعرت مصر بأن هذا سيمثل تهديدًا لهيمنتها على نهر النيل، لكن المسألة كلها تكمن في هيمنة مصر على المياه ولا علاقة له بأي شأن أمني”.

وكانت إثيوبيا قد تعهدت بأنها ستقوم ببناء السد وفقًا للمعايير والقوانين الدولية دون أن تتسبب في أي ضرر لدول المصب وهي السودان ومصر.

وأوضح أنه في واقع الأمر يعمل السد لصالح السودان بشكل كبير، حيث أنه سيعالج مشكلة رئيسية تواجهها البلاد وهي الفيضانات المستمرة التي كانت تضربها خلال الموسم المطير بإثيوبيا، الذي يمتد في الفترة من نهاية شهر يونية إلى بداية شهر سبتمبر.

وتابع أنه سد يعمل بالطافة الكهرومائية، وقد قامت إثيوبيا بتنفيذ المرحلة الثانية من ملء السد، وهو ما يعني أكثر من 20 بليون متر مكعب، دون أن تتسبب في أي ضرر كبير لأي من البلدين أو التأثير على حصتهما من المياه، لأنها تمت خلال الموسم المطير بأثيوبيا. مشيرًا إلى أن المطر كان كثيفًا هذا العام، وأن كل تلك المياه كانت ستذهب هباءً لولا وجود السد.

وقال إن مصر استمتعت بالهيمنة على مياه النيل دون منافس لعدة عقود، حيث استغلتها لتنفيذ مشاريع تنمية أكثر من أي دولة من الدول الثمان الأخرى لحوض النيل. وكذلك هو الأمر بالنسبة لإثيوبيا، فهي تريد أن تستغل مياه النهر في مشاريع تنموية، وليس لأي غرض سياسي. وقد أقر مجلس الأمن، الذي لجأت إليه مصر، ذلك.

ويتعين على الجانب المصري والإثيوبي أن يتفاوضا فيما يتعلق بهذا الشأن، من أجل التوصل لاتفاق لا يعمل لصالح أثيوبيا فحسب، وإنما جميع الدول التي تستفيد من مياه النيل، فهي لديها الحق في الحصول على حصص متساوية وعادلة دون أن تضر بحصص دول المصب.

مخاوف لها مبرر

من جانبه قال الصحفي والمحلل السياسي محمد السطوحي، إنه بسبب الطبيعة الجغرافية، تقع مصر في الأسفل عند مصب النهر، وبالتالي لا يمكنها التحكم في مياه النيل. فهي فقط تستقبل حصتها من المياه التي هي أقل مما تحتاجه فعليًا، فهي تعتمد على مياه النيل لتلبية 97% من احتياجاتها. ومع ذلك، مصر تعتبر من الدول التي تعاني من الجفاف.

وأكد أن إثيوبيا أيضًا بطبيعتها الجغرافية تتمتع بأكثر من تريليون متر مكعب من الماء غير المستغل، وتساءل كيف لها أن تعاني من نقص المياه. كما أشار إلى أنها ليست بحاجة إلى حصة مصر والسودان لتبدأ مشاريعها التنموية كما تزعم.

وفيما يتعلق بالجانب المصري، قال السطوحي “أظهرت مصر مرونة كبيرة وتفهم لاحتياج الجانب الإثيوبي لإنشاء المشاريع العملاقة”، موضحًا أنها ليست بحاجة إلى 74 بليون متر مربع من الماء لإنتاج الكهرباء، وهو ما يعيد إلى الأذهان أنها قضية جغرافية سياسية للهيمنة على مياه النيل.

وأضاف أنه في المقابل، لم تتلق مصر أي استجابة من الجانب الإثيوبي لمدة 10 سنوات من المفاوضات، كما أنها تجنبت خلال تلك المدة استخدام كلمة “اتفاقية” حتى لا تكون ملزمة باشتراطات محددة.

الحرية الكاملة

فيما أكد الصحفي عمر ريدي أن إثيوبيا وباقي دول حوض النيل لديها الحرية الكاملة في إنشاء المشاريع أو إقامة السدود ما دام ذلك يتم وفقًا للمعايير الدولية. واستطرد قائلًا: “المفاوضات لا تتعلق باتفاقية مشاركة المياه، وإنما إنشاء سد على الأراضي الإثيوبية وهذا أمر مختلف تمامًا”.

واستطرد أنه لإبرام مثل هذا النوع من الاتفاقيات يتعين مشاركة جميع الدول الأعضاء الإحدى عشر، ولن يكون الأمر مقتصرًا على مصر والسودان.

وفيما يتعلق بمصادر المياه الأخرى، أوضح أن البلاد قامت بتأسيس العديد من المشاريع والسدود الأخرى الجنوب والشمال أيضًا. فليس صحيحًا ما يقال إنها لا تستغل مواردها الأخرى من المياه.

وتعليقًا على هذا الأمر قال السطوحي إنه لو اتبعت إثيوبيا المعايير الدولية لما تصاعدت حدة التوترات بين البلدين فيما يتعلق بسد النهضة، الذي سيعمل على تدمير بلد بها أكثر من 100 مليون مواطن، وتعتمد على النيل اعتمادًا كبيرًا للحصول على المياه.

وقال: “بالنسبة لمصر، يهدد السد واحدًا من أغلى مواردها، حيث يعيش معظم المصريين، الذين يتجاوز عددهم 100 مليون نسمة، حول وادي النيل الضيق على طول النهر، ويعتمدون عليه في كل شيء من مياه الشرب إلى الصناعة والري”.

وأوضح أنه لا يتعين حجب المياه تمامًا من خلال السد لتقع الكارثة، فيكفي انخفاض 2% من مياه النيل لخسارة 200 ألف فدان زراعي وحوالي مليون وظيفة، حسبما قال وزير الري المصري السابق محمد عبدالعاطي، في تصريحات لـBBC عام 2018.

وردًا على السؤال لماذا تحتاج إثيوبيا أكثر من 74 بليون متر مربع في خزانها، وهي كمية ضخمة من المياه، إذا كان الأمر يتعلق بتوليد الكهرباء، قال الصحفي الريدي إنها مسألة فنية تتعلق باستمرار قدرة البلاد على توليد الكهرباء خلال فترة الجفاف وعدم التأثير على تدفق المياه إلى دول المصب.

وأكد أنه حتى يحين الانتهاء من ملء الخزان بسعته الكاملة خلال 6 أو 7 سنوات، سيستمر الماء في التدفق بشكل طبيعي كما هو الحال الآن.

واستطرد  الريدي أنه لابد من إجراء المفاوضات والمناقشات لتوضيح سوء الفهم وحل النزاع، ولكن يتعين أن يتم ذلك من خلال الهيئة المخول لها ذلك وهي الاتحاد الأفريقي وليس مجلس الأمن، لأن ذلك من شأنه أن يقلل من سلطة الاتحاد الذي يضم أغلب الدول الأفريقية واثنتان من الدول العربية وهما السودان ومصر.

وأكد أن تدخل جامعة الدول العربية سيكون خارج السياق أيضًا لأنها ليس لديها الشرعية لمناقشة تلك القضية. وقال “لو انعكس الوضع وكانت إثيوبيا تقع عند مصب النهر لتفهمت احتياجات مصر لإقامة مثل هذا السد.”

 خطأ فادح

لم يستبعد السيد محمد السطوحي مسألة التدخل العسكري في حال استمرت الأزمة في التصاعد، بينما استبعد ذلك السيد عمر ريدي مستشهدًا بوعي الدوليتين بأن ذلك ليس حلًا للقضية وسيكون مدمرًا لكلا البلدين.

وأوضح الصحفي الأثيوبي أن مصر ارتكبت “خطأً فادحًا” عندما قامت بعزل نفسها عن باقي دول القارة الأفريقية خلال عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، حيث اتجهت إلى الغرب ودول الشرق الأوسط.

وأكد أنه لتعود مصر مرة أخرى و”تغرد مع السرب” يتعين عليها الاعتراف بسيادة دول حوض النيل والتفاوض معهم، وأن تعرف أن الحل لن يكون مع مجلس الأمن أو جامعة الدول العربية.

واستطرد أنه مع عودة المفاوضات إلى الاتحاد الأفريقي، يعتبر الحل الوحيد المتاح هو المضي قدمًا والتوصل إلى اتفاقية ترضي جميع الأطراف.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين