أخبار العربتقاريرتقارير قضايا عربية

بعد تونس.. هل تتكرر مطالب حرق جثث كورونا في دول عربية؟

هاجر العيادي

يؤمن المسلمون في جميع أرجاء الأرض بأن “إكرام الميت دفنه”، فالشريعة تلزم المسلمين بدفن موتاهم، وهو ما تفعله معظم البشرية منذ أن علّم الله البشر عن طريق غراب دفن جثة غراب مثله.

فيما تقوم شعوب أخرى بحرق جثث موتاها ونثر رمادهم في البحر وفقًا لمعتقداتهم، كما يحدث في الهند ودول أخرى، ومن بينها إيطاليًا التي دفعتها أزمة إلى التخلص من الجثث عن طريق حرقها بعد أن دأب الفيروس على قتل نحو ألف شخص يوميًا في البلاد خلال الفترة الماضية.

لكن الغريب أن هناك مطالب باتباع مثل هذه النهج ظهرت في دولة عربية وإسلامية هي “”، وسط تباين في الآراء حول هذه المطالب ومخاوف من امتدادها لدول عربية وإسلامية أخرى، في ظل تنامي المخاوف  من زيادة عدد والرعب من تفشي المرض بصورة أكبر.

الأولى من نوعها

ربما تكون هذه المطالب هي الأولى من نوعها على المستوى العربي، تلك التي ظهرت في تونس تحديدًا، حيث شهدت محافظة بنزرت شمال تونس واشتباكات نادرة بين قوات الأمن ومواطنين رفضوا السماح بدفن جثمان امرأة توفيت جراء إصابتها بفيروس كورونا.

وتأتي هذه الاحتجاجات خوفًا من انتشار الوباء بين المعزين ومرافقي الجنازة. وفي هذا الصدد طالب المحتجون بدفن المرأة خارج المنطقة أو حرق جثمانها بدلاً من دفنه.

في المقابل، اضطرت الشرطة لاستكمال مراسم الدفن باستخدام القوة والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، وهم من السكان المجاورين للمقبرة.

وكشفت مقاطع فيديو متداولة على صفحات التواصل وقائع الحادثة ورفض أهالي منطقة “” من محافظة بنزرت، دفن المرأة بالمقبرة المجاورة لمنطقتهم، والمطالبة بحرق الجثة.

كما قال المتظاهرون في الفيديو المتداول إن “رائحة عفن الجثة قد تعمّ المكان”، في حين تحجج آخرون بأن المقبرة غير صالحة للدفن، وعبّروا عن خوفهم من انتقال العدوى للحوامل والأطفال.

تحرك السلطات الرسمية

السلطات الرسمية، سارعت بعقد إجتماع جمع ممثلي وزارات الشؤون المحليّة (البلديات) بنجيب الخلفاوي رئيس ديوان الوزير ،وبحضور ممثلين عن والشؤون الدينية والدفاع والصحة والداخلية، وخصّص اللقاء لمناقشة التدابير الخاصة بنقل موتَى ضحايا فيروس كورونا ودفنهم.

من جانبها لم تعلق وزارة الصحة التونسية على الحادثة لتوضيح المسألة. واكتفت خلال حملتها التوعوية بتوضيح طرق الوقاية والإجراءات الضرورية في حال وجود شكوك بالتقاط العدوى، وطريقة المنزلي الصحيح، والاحاطة النفسية بالمرضى.

سخط وإستنكار

في المقابل أثار تصرفات سكان المنطقة سخط و استنكار عدد كبير من التونسيين على مواقع التواصل. وفي هذا الصدد، برر البعض هذا التصرف “بالأفكار المتعصبة والتي تنم عن تمكن الشائعات حول هذا الوباء من السيطرة على عيّنة من التونسيين وتعميق خوفهم منه وممن يصابون به”،  على حد تعبيرهم.

من جهتها عبّرت الدكتورة والشاعرة آمال موسى عن شعورها بالإحباط واليأس لردّ فعل الأهالي. وكتبت: “مخجل جدًا: ماذا يعني رفض سكان حي الجلاء ببنزرت قرب مقبرة الشهداء، دفن جثمان امرأة متوفاة بفيروس الكورونا، ووصول الأمر إلى تدخل القوة العامة؟، موقف يندى له الجبين. لا أحد يعلم منا من ستصطاده الكورونا، فهل نحب أن يُفعل بنا هكذا؟، فعلا أشعر بالإحباط واليأس. صفر إنسانية”.

فيما تساءل أحد المتابعين “لنفترض أنّ أحد المحتجين توفيت أمه بفيروس كورونا، هل سيحتج على دفن أمه”.

أما أحلام البوعزيزي فعلقت قائلة:”من باب الإنسانية احترام حرمة الميت، لكن للأسف في تونس تغيب الانسانية وتحضر الشيطنة في زمن الكورونا، الى درجة رفض سكان من مدينة بنزرت دفن إمراة مصابة بالكورونا.. الناس لم تعد تخاف غضب الله حتى في الظروف الراهنة التي نعيشها.. حقا شيء مخزي أن يصل بنا الأمر إلى دفن جثمان ميت بالقوة العامة”

كشف المستور واظهار المخاوف

على صعيد آخر، اعتبر بعض المتابعين للحادثة أنها كشفت المستور، وأظهرت مخاوف التونسيين فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الميت جراء الوباء، واعتباره خطرًا، وربما فكرّ البعض حتى في تغيير الطقوس الدينية في دفنه، بعد أن طالب بعض المحتجين بحرقها كما يروج في فيديوهات عن تعامل دول أخرى مع موتى كورونا، أو حتى دفنها في المدينة التي تنتمي إليها ،وفق مراقبين.

في المقابل، يرى آخرون أن ما حصل يثير تساؤلات حول مدى نجاح خطة الاتصال الحكومي في هذه الأزمة، وقدرتها على توضيح كافة التفاصيل والمعلومات الدقيقة المتعلقة بفيروس كورونا، من الوقاية إلى أخطر الاحتمالات الممكنة وهي الموت.

وبالنسبة للسلطات التونسية فإن وزارة الصحة قد اختارت وضع بروتوكول مشدد وخاص بالمتوفين بفيروس كورونا، وذلك لحماية السكان المجاورين للمقابر من العدوى.

وتتمثل العملية في وضع جثمان المتوفى بعد ثبوت حمله الفيروس (دون تغسيل) في كيس بلاستيكي خاص مغلق ومعقم جيدا، لينقل إلى المقبرة أين يخصص له قبر بعمق 3 أمتار حيث توضع الجثة ويغلق بطريقة محكمة، ويشرف على هذه العملية فنيون مختصّون، مع غياب أهل الميت.

هل ستحرق وفيات الكورونا في البلدان العربية؟

على صعيد آخر، يقول متابعون إنه مع تزايد قائمة ضحايا الوباء، قد يتجاوز جدل حرق جثمان الميت بالكورونا حدود تونس، ليشمل الدول العربية والإسلامية الأخرى، مشيرين إلى نا يحدث مع وفيات مصابي كورنا في إيطاليا وإسبانيا، حيث باتت الأعداد اليومية للموتى أكبر من قدرة السلطات المحلية على توفير عمليات الدفن وفق التقاليد الدينية الخاصة بكل فئة من المجتمع، ما اضطرها إلى حرق الجثامين لتأمين حياة الناس.

ومن المتوقع أن تلقى الدعوة إلى إحراق ضحايا كورونا غضب الجهات الدينية الرسمية، وخاصة المؤسسات المرتبطة بالتيارات الدينية التي دأبت على تلقف أيّ فتاوى لا تتماشى مع أفكارها لشن حملات واسعة ضد السلطات الرسمية والمثقفين والمفكرين الذين ينتصرون لأفكار جديدة، وفق متابعين.

فتاوي لطرق دفن وفيات الأوبئة

جدير بالذكر أن هناك فتاوى نادرة قد أجازت في أوقات سابقة، أن تُحرَق جثة مريض الطاعون (إيبولا وملاريا مثلا) بعد موته، إن كان الحرق هو الوسيلة الناجعة للحَدِّ من انتشار الوباء في الأحياء، على أن يتم دفنها بعد ذلك. كما أجازت عدم الغُسل “مظنة حصول العدوى”.

وانضمت جامعة الشريعة في تونس بشكل مبكّر إلى الجدل، وأصدرت فتوى بمقاسات خاصة لقطع الطريق على دعوات حرق الموتى، أو الضغط لتغليب البعد الصحي على البعد الديني، مثلما حصل بعد قرار الحكومة إغلاق المساجد بشكل مؤقت لمنع انتشار الوباء.

كما أصدر مجموعة من أساتذة الشريعة بيانًا شددت فيه على أنّ “الدّفن يكون في مقابر المسلمين، ولا يسوّغ لأحد الاعتراض على ذلك، خاصّة وأنّ الإشراف على الدّفن تتولّاه الجهات المختصّة”، وهذا إجابة مباشرة على مطالبات بدفن المرأة المتوفاة بكورونا خارج المدينة.

وأضافت أن “الميّت الذي تُوفِّيَ بوباء كورونا، يمكن أن يُدْرَج في أكياس معدّة لذلك جرى استعمالها في المستشفيات، وفائدتها أنها تمنع العدوى بسبب خروج إفرازات من الميّت تكون مُحمّلة بالفيروسات”.

من جهة أخرى، أشارت مجموعة الأساتذة إلى أن “هذا الوباء عمّ أكثر البلدان، وظهر خطره وفتكه بالأرواح للقاصي والداني، ولا مجال للاستخفاف والتهوين من ضرره، وأنه لمّا كان من كليات الشريعة ومقاصدها الكبرى حفظ الأنفس والمُهج التي بها قوام الأديان، كان لزاماً على أهل العلم بيان الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بذلك، وهي أحكام تراعي ما يحفّ بهذا الوباء من استثناءات تميل به إلى الترخّص ومراعاة الواقع المستجدّ”.

ورغم تضمن “الفتوى” اعترافًا واضحًا بالأخطار الصحية لدفن ضحايا الفيروس على الناس، إلا أنها لم ترد مقاربة أمر الحرق خوفًا من أن تثير غضب الجمهور المتدين الذي صفق لرئيس جامعة الزيتونة هشام قريسة في موقفه الرافض للقرار الحكومي بإغلاق المساجد.

مواقف عربية

في الأثناء، أفتى علماء كويتيون بعدم جواز غسل الميت بفيروس كورونا، وأكدوا سقوط واجب التغسيل عنه، خوفا من انتقال المرض للأحياء.

كما حث العلماء على عدم جلب جثمان الميت من الخارج، خاصة إذا كان مقيما في بلد غير بلده، وأن يدفن في البلد الذي توفي فيه.

بدورها، أصدرت اللجنة الوزارية للفتوى لدى وزارة الشّؤون الدّينية والأوقاف في الجزائر، بيانًا حول تجهيز الميت المصاب بفيروس كورونا ودفنه.

وأضحت أنّ السلطات “أخذت على عاتقها التكفل بغسل الموتى المصابين بمرض كورونا، وتكفينهم ودفنهم”. ودعت اللجنة إلى “وضع الجثة في تابوت مغلق أو في غطاء محكم قبل أيّ عملية نقل”.

وينتظر أن يكون موضوع التعامل مع ضحايا كورونا قضية الساعة في البلدان العربية، وأن يتم التشديد على اتّباع إجراءات حازمة لمنع انتشار الفيروس.

نقل العدوى مجرد تكهنات

في الأثناء، تبقى المعلومات حول امكانية انتقال العدوى من جثث الموتى من عدمه مجرد تكهنات ومعلومات يستقيها الشخص من وسائل التواصل ومن بعض التصريحات القصيرة للعاملين في وزارة الصحة خلال استضافتهم في برامج إذاعية أو تلفزيونية.

وتتداول وسائل إعلام محلية عن مصدر طبي أنه لا خطر على الأحياء من دفن المتوفين بالوباء شرط أن يكون القبر على عمق 3 أمتار مع وضع مواد مطهرة.

من ناحية أخرى، لم توضح منظمة الصحة العالمية طرق دفن ضحايا كورونا على موقعها الخاص، فيما تتخذ الدول المتضررة إجراءات متشابهة.

ويشار إلى أنّ المعلومات الطبية المتداولة عن وباء كورونا توكد أنه لا يعيش خارج جسم الإنسان أكثر من 12 ساعة على الأسطح المعدنية، وبالتالي فإن انتقال العدوى من الضحايا تحت الأرض تبدو مسألة غير منطقية.

من الواضح وفق متابعين أن مسألة المطالبة بحرق جثث وفيات وباء كورنا في تونس عوض دفنها خوفًا من العدوى، من شأنه أن يتمدد على نطاق أوسع، وربما قد تقتدي دول عربية إسلامية بالمثل، لاسيما إن اتسعت رقعة وفيات الكورونا، مثلما حدث عند إندلاع الشرارة الأولى من ثورة الربيع العربي، على حد قول المتابعين.

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: