أخبار العربتقاريرتقارير قضايا عربية

انتحار الشباب في العالم العربي.. أخطاء الحاضر تقتل المستقبل

علي البلهاسي

ليس هناك أصعب على الإنسان من ، لكن الأصعب هو أن يكون من الحياة كلها، وألا يكون هناك طوق نجاة منه إلا الموت والتعجيل به انتحارًا.

هنا تتبادر إلى الذهن أسئلة كثيرة.. ما الذي يدفع إنسان إلى كره الحياة رغم كل ما قد يبدو للآخرين فيها من متع وأسباب للسعادة؟

وما الذي أوجد في نفسه القناعة بأن الموت أو الانتحار أفضل من الحياة، وهل بالفعل وصل به اليأس إلى هذه الدرجة التي جعلت كل الأبواب مغلقة في وجهه؟

وإذا لم يكن هناك ما يهتم به الشخص في هذه الحياة حتى أنها أصبحت رخيصة بالنسبة له، فهل كان هو الآخر رخيصًا على من حوله فلم يجد من يهتم به، ويشاركه مشاكله وهمومه، ويخفف عنه ضغوط الحياة، ويمنحه ولو سببًا بسيطًا يجعله يفكر قبل أن يقدم على الانتحار؟

ثم يأتي السؤال الأهم وهو: لماذا يمعن المنتحر في إيذاء نفسه حتى النهاية، ولماذا يختار لنفسه ميتة شنيعة بإلقاء نفسه من أعلى البنايات، أو ميتة بشعة بالانتحار حرقًا، أو ممزقًا أسفل عجلات القطارات، أو يختار الموت غرقًا وسط مياه قد تحمل جثته إلى حيث لا يعلم بها أحد.

خارج المنطق

أسئلة كثيرة يطرحها الأحياء، لكن إجاباتها لا زالت مدفونة مع من حملوا أسرارهم معهم ورحلوا بعد أن قرروا إنهاء حياتهم بأيديهم.

بعضهم أفشى لمن حوله ببعض هذه الأسباب، والبعض الآخر كان يرسل العديد من الإشارات لمن حوله، لكن للأسف لم يجد من يلتقط ولو إشارة واحدة من هذه الإشارات ليسارع في إنقاذه، ومعظمهم قرر الرحيل دون سابق إنذار، تاركًا خلفه علامات استفهام عديدة، وآلام لا تنتهي لمن حوله.

لعل أخطر ما في الانتحار أنه فعل خارج المنطق، فحتى المنتحر نفسه لم يكن يصدق يومًا أن ينتهي به الأمر إلى هذا المصير، ولا بد أن وقف مذهولاً عدة مرات أمام حالات الانتحار التي سبقته، وربما تساءل مثلنا وقتها عن السبب الذي دفع من قبله للانتحار.

وما يزيد من خطورة الأمر هو تكرار حوادث الانتحار في العالم العربي لدرجة تصل إلى حد الظاهرة، والمأساة أن معظم من يلجأون إلى الانتحار هذه الأيام هم شباب في عمر الزهور، يأسوا من حياتهم التي ربما لم تبدأ بعد.

الانتحار عربيًا

قضية الانتحار طرحت نفسها بقوة خلال الفترة الأخيرة في العالم العربي بصفة عامة، وفي بصفة خاصة، وذلك بعد تكرار حوادث الانتحار بين الشباب بصورة لافتة وعلى فترات متقاربة.

وازدادت حالات الانتحار في مصر خلال السنوات الأخيرة، خاصة بين الشباب، بسبب الأزمات العاطفية أو النفسية الناتجة عن عدة أسباب في مقدمتها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.

وينظر البعض إلى تكرار حالات الانتحار في مصر على أنها ظاهرة، فيما يؤكد البعض الآخر أن النسبة قليلة جدًا ولا تصل إلى حد الظاهرة، مشيرين إلى أن حوادث الانتحار في مصر تلفت الأنظار بسبب تكرارها، لكن نسبة المنتحرين قياسًا بعدد السكان الذي تجاوز 100 مليون يعد ضئيلًا مقارنة بدول أخرى.

وإذا أخذنا في الاعتبار نسبة المنتحرين إلى إجمالي عدد السكان فإن اليمن أعلى معدلات انتحار عربيًا وفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية، وتليه جزر القمر والصومال وجيبوتي، فالسودان.

في المقابل، تشهد الإمارات أقل معدلات انتحار، تليها عُمان وسوريا وقطر، فمصر، وهنا معدلات الانتحار في الدول العربية وفقاً لمنظمة الصحة العالمية (المعدل لكل 100 ألف).

أما بالنسبة لعدد من ينتحرون فأظهر تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن مصر تحتل المركز الأول بين الدول العربية من حيث معدلات الانتحار، حيث شهدت 3799 حالة انتحار في عام 2016، تبعتها عربيًا السودان (3205 حالة انتحار) واليمن (2335 حالة).

ورصدت مبادرة دفتر أحوال المصرية، عدد حالات الانتحار التي وقعت في مصر في الفترة من 2011 إلى 2017، والتي بلغت 1746 حالة، منها 283 حالة شروع في الانتحار.

وحسب المبادرة، فإن عام 2017 كان الأكبر في عدد الحالات بواقع 422 حالة.

وفي 2018، رصدت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات – منظمة مجتمع مدني- أكثر من 150 حالة انتحار، قام بأغلبها شباب في الفئة العمرية ما بين 20 و35 عامًا.

ورصد تقرير للمؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، في يونيو الماضي، 101 حالة انتحار في مصر خلال أشهر مارس، وإبريل، ومايو فقط، وسجل شهر مارس النسبة الأعلى.

وأشار التقرير إلى أن الفئات الأكثر إقداما على حالات الانتحار، هي فئة الطلاب والعمال، وتلتها شريحة ربات البيوت، وعزا التقرير تزايد حالات الانتحار خلال السنوات الماضية، إلى أسباب مختلفة في مقدمتها تردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يؤدي إلى أزمات نفسية تدفع الأشخاص إلى الانتحار.

شابين آخر الضحايا

آخر ضحايا الانتحار في مصر شابين أقدما على الانتحار فجر اليوم السبت 14 ديسمبر، حيث استيقظ أهالي قريتي منيل شيحة ونزلة الأشطر التابعتين لمركز أبو النمرس في محافظة الجيزة شمالي مصر، على خبر انتحار شابين شنقًا داخل منزلي أسرتيهما، وسط حديث عن معاناتهما من البطالة.

الواقعة الأولى دارت أحداثها بقرية منيل شيحة، حيث أقدم بائع خضروات (20 سنة) على التخلص من حياته شنقا بسبب فشله في الحصول على فرصة عمل.

فيما وقع الحادث الثاني في قرية نزلة الأشطر، حيث صنع شاب (17 سنة) اخل منزله ليفارق الحياة منتحرًا؛ بسبب مروره بأزمة عاطفية.

وتبين من التحريات أن الشاب كان ينوي الزواج من ابنة خالته وعندما تقدم لخطبتها رفضه والدها وأخبره بأنه لا يعمل ولا يصلح للزواج.

حالات متعددة

وشهدت مصر خلال الفترة الماضية العديد من حالات الانتحار، ففي 7 ديسمبر الجاري، انتحر طالب (19 سنة) شنقاً في حيّ فيصل بمحافظة الجيزة، بسبب مروره بضائقة نفسية ومادية.

وفي اليوم الذي سبقه، انتحر رب أسرة (49 سنة) في مدينة كفر الشيخ (شمال)، من خلال تناول عقار مميت؛ بسبب مروره بضائقة مادية تمنعه من تجهيز ابنته العروس.

وفي اليوم ذاته، انتحرت ربة منزل أربعينية في محافظة المنوفية، بتناول 3 أقراص من عقار قاتل بعد معرفتها بزواج زوجها المغترب عليها.

وفي 5 ديسمبر الجاري، انتحر شاب بإلقاء نفسه من الطابق العاشر لبناية يسكن فيها بمدينة حلوان جنوبي القاهرة، بسبب مروره بضائقة مادية.

ووفي أواخر نوفمبر الماضي انتحر 3 شبان خلال يومين فقط، حيث انتحر طالب في كلية الهندسة بإلقاء نفسه من أعلى برج القاهرة، يوم 30 نوفمبر الماضي، تلاه انتحار شاب آخر في اليوم التالي، بإلقاء نفسه تحت قطار مترو الأنفاق في محطة أرض المعارض بمدينة نصر.

فيما كانت الحالة الثالثة هي حادث انتحار شاب في العقد الثالث من العمر يدعى عبد المنعم محمد أحمد، وشهرته “أحمد مغربية”، حيث تم العصور على جثته طافية بالترعة الإبراهيمية بمحافظة أسيوط في صعيد مصر.

وكشفت التحريات أن الشاب كان متغيب عن المنزل منذ 3 أيام لخلافات عائلية بينه وبين أسرته قام على إثرها بالانتحار بإلقاء نفسه بمياه الترعة الإبراهيمية.

أصدقاء السوء

في نوفمبر الماضي فوجئت أسرة بمدينة السلام بالقاهرة، بانتشار فيديو لنجلهم متعاطي المواد المخدرة، وهو يُقدم على الانتحار بشنق نفسه داخل غرفته بالمنزل، واكتشفت الأسرة الواقعة، بعدما أخبرهم أصدقاء “المُنتحر” بأنه بثّ فيديو يوثق انتحاره، وحاولت الأسرة نقل الشاب للمستشفى محاولين إنقاذه لكن دون جدوى. وقالت الأسرة في التحقيقات إن المتوفى كان يتعاطي مخدر “الإستروكس”، مع رفاق السوء والذين حرّضوه على ذلك باستمرار، ما أدى لإصابته باكتئاب.

وفي مارس 2017، انتحر طالب في الصف الثالث الإعدادي شنقا في مروحة غرفته، بمنطقة الهرم، بعد مشادة كلامية مع والدته، التي نهرته بسبب تدخينه السجائر ومرافقة أصدقاء السوء.

وفي العام نفسه، ألقى طالب بنفسه في مياه ترعة الإبراهيمية بمدينة القوصية، بعدما رفض والده شراء دراجة نارية له، بسبب إهماله في استذكار دروسه ومرافقة أصدقاء السوء.

وفي أبريل 2016، أنهى شاب حياته شنقا داخل غرفة بمنزله في شبرا الخيمة، بسبب مشادات مع والدته التي كانت دائمة الاعتراض على اختيار أصدقاءه واعتياده تعاطي المواد المخدرة معهم.

انتحار نادر

وكانت واقعة انتحار الشاب نادر محمد جميل، 24 عامًا، الطالب في السنة النهائية بكلية الهندسة، هي أبرز حالات الانتحار في مصر خلال الفترة الماضية. حيث قام الشاب بإلقاء نفسه من أعلى برج القاهرة الشهير الذي يبلغ ارتفاعه 187 مترًا، وهي الواقعة التي أصابت الشارع المصري بحالة من الحزن والدهشة.

فصاحب الواقعة شاب في مقتبل العمر، وطالب في إحدى كليات القمة، وأوشك على التخرج والحصول على لقب “بشمهندس”، وفرص الحياة وأسباب السعادة كانت مهيأة أمامه.

والأغرب من ذلك أنه كان في أعلى البرج في نزهة مع صديق له وسط مجموعة من زوار البرج، وما إن انشغل صديقه بإجراء مكالمة هاتفية وأدار ظهره له، حتى سارع باعتلاء الحاجز الحديدي وألقى بنفسه من أعلى البرج.

وسنحت له الفرصة للتراجع عن قرار الانتحار، وذلك عندما علقت ملابسه في السور الحديدي ومد صديقه يده إليه لينقذه.

لكنه أصر على الانتحار، وحرر ملابسه من سور البرج ليسقط من فوقه جثة هامدة وسط دهشة وحزن كل من كانوا حوله، وألم اعتصر قلب كل من شاهدوا فيديو الواقعة الذي تم تسريبه من كاميرات مراقبة البرج، الذي يعد معلمًا سياحيًا وأثريًا يستقطب آلاف السياح سنويًا.

صديق نادر الذي كان بصحبته وقت الحادث قال إن الشاب الضحية كان يمر بأزمة نفسية حادة، واقترح عليه يوم الحادثة القيام بنزهة في بادرة لـ “إخراجه من كبوته”، وعند صعودهم إلى الطابق الأخير من برج القاهرة قام بإلقاء نفسه.

رسالة الوداع

كثيرون تسابقوا لتفسير أسباب انتحار نادر، وأرجعوا ذلك إلى مشكلات عائلية أو نفسية وربما عاطفية، لكن المفاجأة حملتها رسالة الوداع التي كان قد كتبها قبل إقدامه على الانتحار.

الرسالة كانت موجهة من نادر إلى أحد أساتذته بالكلية، وجاء في نص الرسالة الآتي:

«أنا طالب في كلية هندسة، قررت بعد 5 سنين دراسة بالكلية أني وللأسف انتحر.. الدنيا دي كوميدية أوي، امبارح كنت باتريق على اللي بينتحروا، وعمري ما تخيلت إني هاجي في يوم وأبقى مكانهم».

«أنا أخدت قرار ومش هرجع فيه، أنا بكلمك عشان توصل للناس إن اللي مش قد الكلية ميدخلهاش.. الكلية دي خدت مني كل حاجه.. خدت مني روحي ونفسي وعقلي وإيماني وكل حاجه، وبإذن الله ربنا هيرحمني على قد اللي شوفته في الدنيا».

جانب آخر للحقيقة

كلمات الرسالة موجعة من أول حرف فيها إلى النقطة القابعة في آخر سطورها، فقد كشفت أن الكلية التي تعد من كليات القمة في مصر، وتحلم كل أسرة أن يلتحق ابنها بها، كانت هي ذاتها سبب انتحار الشاب نادر، لدرجة جعلته يصفها بأنها أخذت منه روحه ونفسه وعقله وإيمانه و”كل حاجة”. حتى أنه وجه نصيحة للآخرين بعدم دخول هذه الكلية قائلًا: “اللي مش قد الكلية ميدخلهاش”.

لكن الغريب هو أن الطالب المنتحر كان في السنة الخامسة من الكلية وهي السنة النهائية، ومهما كانت درجة معاناته فيها فقد صبر عليها كل هذه السنوات، فلماذا لم يصبر حتى يكمل السنة النهائية التي تبقى له فيها شهور قليلة، ولماذا لم يلاحظ أهله وأساتذته وزملاؤه تلك الحالة النفسية السيئة التي كان يعاني منها في الكلية ويحاولون إخراجه منها.

إذن السبب الواضح من رسالة نادر هو الضغوط التي سببتها له الدراسة في الكلية، وهو سبب قد لا يجد فيه الكثيرون مبررًا للانتحار، لكن هناك من علق على الحادث بتغريدة قال فيها: “والله ضغط الدراسة أقرف شي ممكن يمر بيه الإنسان، لا أحد يفهمك، لا أصدقاء ولا أهل ولا أساتذة، حتى أنت لا تفهم نفسك”.

فيما أرجع آخرون السبب إلى إحساسه بالوحدة بسبب سفر أخته ووفاه والده.. وتركه وحيدًا في مواجهة ضغوط نفسية قوية.

فقد كشف أحد أصدقاؤه أنه كان يتابع منشورات له مؤخرًا على صفحته بفيسبوك، مشيرًا إلى أن “كل كلمة في هذه المنشورات كان فيها وجع مكبوت، وعمره ما قاله لحد, كان بيحكي عن حياته وعن حاجات شخصية عمري ما سمعتها منه شخصيًا، واكتشفت أنه كان وحيد طول عمره, فوالده متوفى وأخته مسافرة وأخوه مظلوم، وكل ده في سنة واحدة! والأغرب عمري ما حسيته بيشتكى!!”

لكن النقطة المهمة الأخرى في رسالة نادر هي كشفه لجانب مهم من حقيقة فكرة الانتحار، وهي أنه كان في السابق سخر من الذين يقدمون على الانتحار، وأنه لم يتخيل يومًا أن يصبح مثلهم، بل وتأكيده في رسالته لأستاذه أنه اتخذ القرار ولن يتراجع عنه.

وهذا يثير التساؤل حول الأسباب التي تؤدي بشاب مثل نادر إلى الاقتناع تمامًا بفكرة الانتحار رغم أنه كان يستنكرها من قبل، ولم يكن يتخيل أن يقدم عليها يومًا ما.

انتحار شهد

شهر نوفمبر الماضي شهد واقعة انتحار أخرى مثيرة للجدل في مصر، ضحيتها طالبة جامعية تدعى ، وهي طالبة من سيناء كانت تدرس في كلية الصيدلة بالإسماعيلية، واختفت فجأة لعدة أيام، حتى تم اكتشاف جثتها غارقة في نهر النيل بالجيزة، مما أثار تكهنات كبيرة حول مقتلها وليس انتحارها.

لكن بيان النيابة العامة كشف أن الطالبة كانت تعاني من حالة نفسية سيئة منذ المرحلة الإعدادية، رافقتها إلى أن أقدمت على الانتحار.

وأشار البيان إلى أن شهد عانت من أزمة نفسية خلال أوقات متقطعة بالمرحلتين الإعدادية والثانوية وبعد التحاقها بكلية الصيدلة بجامعة قناة السويس، وقبل شهر على وفاتها عادت إليها ذات الأزمة النفسية والتي سببت لها أرقًا منعها من النوم أكثر من ساعتين يوميًا.

ولاستمرار معاناتها اتصلت الفتاة بوالدتها قبل وفاتها بأسبوع واحد وطلبت منها الحضور إليها، فانتقلت والدتها للإقامة معها، ثم عرضتها على أحد الأطباء النفسيين بمدينة الإسماعيلية يوم الخامس من نوفمبر الماضي.

وخلال كشف الطبيب عليها أخبرته أن أفكارا سيئة تراودها وبين تلك الأفكار أنها ستموت، وانتهى إلى معاناتها من الوسواس القهري.

وفي صباح اليوم التالي أنهت شهد يومها في الجامعة بالإسماعيلية ثم غادرتها واختفت عن الأنظار، قبل أن تظهر مرة أخرى عصرًا بمنطقة طناش بالوراق في الجيزة.

ثم ظهرت في فيديو رصدت فيه بواسطة كاميرا مراقبة بأحد الشوارع حائرة مترددة وانتهى بها الأمر إلى الجلوس على صخرة على كورنيش النيل بذات المنطقة، وانتحرت بعدها بإلقاء نفسها في مياه النيل.

وأمر النائب العام بحفظ التحقيق في القضية، مؤكدا انتفاء الشبهة الجنائية في الواقعة لثبوت إقدام الفتاة على الانتحار لمعاناتها من أزمة نفسية.

رسالة المرض النفسي

وبعد تحقيقاتها في قضية انتحار “شهد” وجهت النيابة العامة في مصر رسالة لكل الآباء والأمهات، قالت فيها «تهيب النيابة العامة بأولياء الأمور أن يرفُقوا بالقوارير، أن يمنحوا بناتهم قسطاً من أوقاتهم، أنصتوا إليهن، وشاركوهن آلامَهن وآمالَهن، اطمئنوا وطمئنوهنَّ، وإن وجدتم من فتياتكم أو فتيانكم مرضاً فعالجوهم، فإن المرض النفسي داءٌ كأي داء، لا خجل فيه ولا حياء، والاعتراف به أول أسباب الشفاء، فأغيثوهم بالعلاج والدواء، قبل أن ينقطع فيهم الرجاء».

وتابعت النيابة في بيانها: «تناشد النيابة العامة جميع أطياف المجتمع أن يضعوا الأمر في نصابه، أن ينظروا إلى المرض النفسي كما ينظرون إلى سائر الأمراض، أن يقوا أصحابه شرور نظراتهم، أن يرحموهم من همزهم ولمزهم؛ لا تغلقوا أمامهم أبواب العلاج، كما تناشدهم جميعاً الرفق بأنفسهم؛ لا تجزعوا، جدوا واجتهدوا وثابروا واطمئنوا؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يتمنين أحدُكم الموت لضر أصابه».

الانتحار في البرلمان

كان النائب طلعت خليل عضو مجلس النواب المصري عن حزب المحافظين، قد تقدم بسؤال إلي الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء عن أسباب انتشار ظاهرة الانتحار بين الشباب في مصر.

وقال النائب إن المتابع إلي أحداث الشارع المصري يلاحظ تنامي في ظاهرة الانتحار بين الشباب. وأضاف:«تعددت الأسباب والانتحار واحد، ولكن الذي يبعث الفزع ويطالبنا بدق ناقوس الخطر هو تنامي هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، فقد وصلت عدد حالات الانتحار في مصر 3799 حالة في عام 2016، وذلك وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية في ظل عدم وجود أرقام رسمية موثقة»، موضحًا أن 21% من طلاب الثانوية العامة يفكرون في الانتحار.

وأوضح عضو مجلس النواب قائلًا: «الأرقام مخيفة وتدفعنا إلي التساؤل عن أسباب الانتحار واختفاء الرضا والسعادة من الوجوه المصرية”.

بوعزيزي جديد في

من منا لا يتذكر الشاب التونسي “محمد البوعزيزي” الذي أقدم على حرق نفسه في سيدي بوزيد في 17 ديسمبر2010 احتجاجًا على منعه من العمل كتاجر متجول، وهو الحادث الذي أدى إلى اندلاع ثورة الياسمين التونسية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في 14 يناير2011، وكانت بداية لثورات الربيع العربي التي امتدت لعدة دول عربية ولا زالت توابعها تدور في المنطقة العربية حتى اليوم.

في أواخر نوفمبر الماضي شهدت منطقة سيدي بوزيد في تونس واقعة انتحار مماثلة لواقعة “البوعزيزي”، حيث أقدم  شاب يدعى (25 عامًا) على إضرام النار في جسده، وسط جلمة بمحافظة سيدي بوزيد، احتجاجًا على عدم تسديد راتبه، ما أدّى إلى وفاته في ذات اليوم، متأثرًا بجراحه.

وكان الحبلاني يعمل موظفًا ضمن “الآلية 16” وهي وظيفة هشة غير رسمية في مؤسسات الحكومة، ولم يتسلم راتبه منذ سنة وتم طرده من العمل. وكان الشاب يتوقع أن يحصل على راتبه، ولكنه لم يحصل على شيء فأقدم على حرق نفسه. وأدت هذه الواقعة لاندلاع استمرت لعدة أيام في المنطقة.

الشاب المنتحر جاء من خلفية أسرة فقيرة، وشدد والده على تمسكه بحق ابنه ومحاسبة من دفعوه إلى الانتحار، قائلًا إنه “لا شيء يمكن أن يعوضه عن خسارة ابنه”.

وفي محاولة لاحتواء الوضع اتخذت السلطات عدة إجراءات من بينها إدراج عائلة الشاب المتوفي ضمن برنامج السكن الاجتماعي، ومنحها بطاقة علاج مجاني، وتوفير مورد رزق لها، وتمكينها من منحة العائلات المعوزة، بالإضافة إلى تقديم مساعدة مالية لها.

انتحار جماعي بالمغرب

في التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي أفادت وسائل إعلام مغربية، أن عددًا من النزلاء السابقين بمؤسسة “خيرية عين الشق” الاجتماعية هددوا بالانتحار الجماعي من أعلى القنطرة الجديدة في سيدي معروف بالدار البيضاء.

وعمد النزلاء إلى التجمع على القنطرة المذكورة، مهددين بإلقاء أنفسهم من الأعلى نحو الطريق المكتظ بالسيارات.

وأشارت وسائل الإعلام إلى أن قوات الأمن حضرت لمنع المحتجين من تنفيذ وعيدهم. وأفادت بأن الشباب اعتادوا على تنظيم وقفات احتجاجية كل جمعة أمام مقر عمالة مقاطعة عين الشق بسيدي معروف، لكنهم غيروا مكان الاحتجاج وتوجهوا لقنطرة سيدي معروف الجديدة مهددين بالانتحار في حال لم تتم الاستجابة لمطالبهم، ونجحت الشرطة في منعهم من الانتحار.

وفي مطلع ديسمبر الجاري سادت حالة من الهلع بمركز النداء “ماجوريل أوسيون” بالدار البيضاء، التابع لمجموعة “ماجوريل” المغربية الألمانية، بعد محاولة أحد المستخدمين الانتحار من شرفة أحد المراحيض بالبناية الواقعة بشارع مولاي إسماعيل.

وعزا زملاء المستخدم أسباب محاولة الانتحار إلى ضغوط وظروف العمل غير العادلة التي تفرض على العاملين بمركز النداء.

شباب لبنان يثور وينتحر

ومن العربي إلى لبنان، حيث تستمر الاحتجاجات على الفساد وبسبب سوء الأحوال الاقتصادية في البلاد، والتي كانت سببًا في لجوء بعض الشباب اللبناني للانتحار مؤخرًا.

آخر ضحايا الانتحار في لبنان شاب يعرف باسم “هيثم النيز”، أضرم النار في نفسه في منطقة الأسواق الداخلية في طرابلس لعدم قدرته على علاج ابنته، بعد أن رفضت المستشفيات استقبالها.

وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي يوم الجمعة الماضي 13 ديسمبر مقطع مصور، يظهر الشاب اللبناني وهو يشعل النار في جسده. وبحسب المواقع التي تداولت الخبر، فإن الشاب تم نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، حيث فاقت نسبة الحروق في جسمه الـ30%، ولم يتحدد مصيره بعد.

وفي نهاية نوفمبر الماضي انتحر (40 عاما) من بلدة عرسال شنقًا، بسبب وضعه الاقتصادي، حيث كان مدينا بنحو 350 دولارًا، وهي الديون التي تراكمت عليه في المحلات التجارية التي كان يشتري منها بالدين، لإطعام أطفاله، وعلاج زوجته المريضة بالسرطان بعدما فقد عمله قبل شهرين، وقبل إقدامه على الانتحار لم يستطع ناجي شراء منقوشة لابنته تكلفتها نصف دولار.

وتقول تفاصيل الحادث إن ابنته، البالغة من العمر 6 سنوات، طالبته بألف ليرة (نصف دولار) قبل أن تذهب إلى مدرستها، لكنه كان عاجزًا عن توفير هذا المبلغ الضئيل، فأقدم على الانتحار بعدها بفترة قليلة- بحسب ما نقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحسب موقع الجديد اللبناني قال والد المتوفى إنه عثر على ابنه مشنوقا خلف منزله في منطقة البقاع.

وفي الرابع من ديسمبر الجاري أطلق مواطن لبناني النار على نفسه إثر طرده من عمله في العاصمة بيروت، في ثاني حالة انتحار تشهدها البلاد بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة.

وذكرت وسائل إعلام لبنانية أن “المواطن داني أبو حيدر، أطلق النار على نفسه بعد طرده من عمله بإحدى المؤسسات المحلية بمنطقة “النبعة”، ما أدى إلى وفاته على الفور”.

ما هو الانتحار؟

الانتحار هو الفعل الذي يتضمن تسبب الشخص عمدًا في قتل نفسه، ويتم ارتكاب الانتحار غالباً بسبب اليأس، والذي كثيراً ما يُعزى إلى اضطراب نفسي مثل أو الهوس الاكتئابي أو أو إدمان الكحول أو تعاطي المخدرات.

وغالبًا ما تلعب عوامل الإجهاد مثل الصعوبات المالية أو المشكلات في العلاقات الشخصية دوراً في ذلك. وقد أوردت بيانات لمنظمة الصحة العالمية بأن 75% من حالات الانتحار تسجل ما بين متوسطي الدخل وسكان الدول الفقيرة.

انتشرت حوادث الانتحار مؤخرًا لتكون أبرز أسباب الوفاة في الشباب حول العالم. ووفقاً لآخر دراسة لمنظمة الصحة العالمية التي أفادت أن 800 ألف شخص يموتون منتحرين كل عام، أي أن كل 40 ثانية يقوم شخص حول عالم بالانتحار، ليصبح الانتحار هو أحد أبرز أسباب الوفاة خاصة للشباب من عمر 15 إلى 29 عاماً حول العالم.

أنواع الانتحار

يقول الدكتور محمد الشامي، استشاري الطب النفسي، إن الانتحار نوعان النوع الأول هو الاندفاعي الذي لم يفكر فيه الشخص ولم يخطط للانتحار مسبقًا بل يتعرض لضغط نفسي شديد أو موقف طارئ لا يقوى على تحمله فيتملكه الغضب ولا يستطيع التحكم في انفعالاته فينتحر.

بينما النوع الآخر وهو الأكثر شيوعًا وانتشارًا خاصة لدى فئة المراهقين والشباب هو الانتحار المخطط له، وهو الذي يخطط فيه الشخص للانتحار، ويكون ناتج عن تعرضه للاكتئاب، يفكر الشخص أن الانتحار هو الحل الأمثل لإنهاء معاناته التي لا يشعر بها أحد، ويبحث عن وسيلة ثم يقدم على الفعل نفسه.

أسباب الانتحار

يوضح “الشامي”، أن المراهقين والشباب هم أكثر عرضة للإقدام على فعل الانتحار بسبب الطبيعة الاندفاعية الذي يتسم بها الشباب في هذه المرحلة العمرية، مشيرًا إلى أن أبرز الأسباب التي تدفع الشباب للانتحار، هي:

– الاكتئاب، حيث يعد السبب الرئيس في الانتحار في مختلف دول العالم، ويعاني قطاع كبير من الشباب من الاكتئاب بدرجاته المتفاوتة، والذي قد يصل إلى الرغبة في التخلص من الحياة.

– الإدمان، هو السبب الثاني الذي يقود صاحبه للانتحار، والذي يعرف بالانتحار دون عمد.

– الفصام من أكثر المشكلات النفسية المعقدة، والتي تحتاج لوقت وجهد كبير في العلاج، وقد تدفع صاحبها للانتحار.

– ضغوط المجتمع التي تلقى على عاتق بعض الشباب سواء كان في مرحلة الدراسة أو بداية طريق العمل.

– الضغوط التي يسببها الأهل على الشباب، سواء في الدراسة أو العمل، أو الزواج، وقد يكون الشاب غير مؤهل لتحمل ذلك، مما قد يدفعه لاكتئاب يقوده للانتحار.

علامات الانتحار

لمساعدة أصدقائك ومعارفك على مكافحة أي أفكار للانتحار، هناك 11 علامة يجب عليك أن تقلق إذا رأيتها فيهم، حسب منظمة Save الأميركية للتوعية بعلامات الانتحار، وهي:

1- التحدث عن الرغبة في الموت أو قتل النفس.

2- البحث عن طريقة لقتل النفس.

3- الحديث عن الشعور باليأس أو عدم وجود هدف.

4- الحديث عن الشعور بالاختناق أو الألم الذي لا يطاق.

5- الحديث عن كون الشخص عبئا على الآخرين.

6- ازدياد استهلاك الكحول والمخدرات.

7- التصرف بقلق، وارتباك، وتهور.

8- النوم قليلا أو أكثر من اللازم.

9- الانسحاب أو الإحساس بالعزلة.

10- إظهار الغضب أو التحدث عن السعي للثأر.

11- إظهار تقلبات حادة في المزاج.

كيف تنقذ من يفكر في الانتحار؟

هذه نصائح أخرى يقدمها موقع Save، لإنقاذ من تراودهم أفكار انتحارية:

1- لا تبقِ أي خطة للانتحار سرا: إذا كنت تعلم مسبقا بنية شخص في الانتحار، فلا تبقِ المعلومة سرا عندك، وإنما قم فورا بإبلاغ من يهتم بأمر هذا الشخص كأهله.

2- لا تقلل من حجم مشاكل الشخص. لا تحاول تسفيه المشاكل التي يتعرض لها من تراوده الأفكار الانتحارية، وإنما حاول إقناعه بأن الإصابة بمرض نفسي ليس بالشيء السيئ أو المشين، وأكد عليه أن المساعدة متوفرة وأنه يمكن حل المشكلة.

3- إذا لم يكن الخطر فوريا، اعرض عليه المساعدة: كأن تساعده في إيجاد طبيب نفسي، أو أن تجري مكالمة الطبيب الأولى لتحجز له موعدا معه.

حكم المنتحر في الإسلام

أكدت دار الإفتاء المصرية أن الانتحار حرام شرعًا، مستشهدة بقول الله عز وجل في القرآن الكريم، {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.

وأوضحت دار الإفتاء، أن الانتحار حرامٌ شرعًا؛ لما ثبت في القرآن الكريم، وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإجماع المسلمين؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29)، وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه.

وأكدت دار الإفتاء أن المنتحر واقع في كبيرة من عظائم الذنوب، إلا أنه لا يخرج بذلك عن الملَّة، بل يظل على إسلامه، ويصلَّى على المنتحر ويغسَّل ويكفَّن ويدفن في مقابر المسلمين؛ قال شمس الدين الرملي في “نهاية المحتاج” (2/ 441): [(وغسله) أي الميت «وتكفينه والصلاة عليه» وحمله «ودفنه فروض كفاية» إجماعًا؛ للأمر به في الأخبار الصحيحة، سواء في ذلك قاتلُ نفسِهِ وغيرُه].

فيما رفضت دار الإفتاء المصرية، الانتحار أيًا كان موضوعه، فلا يجوز الانتحار لتوقي الشرور، كالاغتصاب والتعذيب، فالمسلم مأمور بالصبر على البلاء، ومقاومة الظلم قدر استطاعته، وغير مأمور بالانتحار وقتل النفس خروجًا من البلاء أو هروبًا من المشكلات.

وشددت على أن أخطر ما في الانتحار أنه يُمثل سخط العبد على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، لافتة إلى أن الإيمان بالقضاء والقدر هو أصل من أصول الإيمان بالنسبة للمسلم.

Advertisements

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: