أخبار العربتقاريرتقارير قضايا عربية

العراق على صفيح ساخن.. فساد ومظاهرات وصراعات سياسية لا تنتهي

أحمـد الغــر

تتسارع الأحداث والتطوّرات السياسيّة في العراق، منذ اندلاع المظاهرات المطالبة بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل ومحاربة الفساد

وتطورت الأحداث مع تصاعد العنف بين الأمن والمتظاهرين، وتصعيد المعركة السياسية مع دعوة زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” إلى استقالة الحكومة العراقية، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة بإشراف الأمم المتحدة.

ووفقًا للإحصائيات، الصادرة حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فقد وصلت حصيلة الضحايا التي نتجت عن استخدام العنف في مواجهة المتظاهرين إلى أكثر من 100 قتيل، من بينهم 6 من الشرطة إضافة إلى حوالي 4 آلاف جريح.

وفي محاولة لإظهار حسن النية نحو تخفيف استعمال القوّة في مواجهة المتظاهرين والبدء بإصلاحات شاملة، رفعت الحكومة بدءًا من السبت حظر التجوال الذي فرضته، لكن لا يزال أمام رئيس الوزراء “” الكثير والكثير من التحدّيات لتهدئة الشارع العراقيّ.

لعل أولها تجذّر الفساد لفترة طويلة في المؤسّسات، إلى جانب التناقضات الحكوميّة، إضافة للصراع الأمريكي ـ الإيراني الذي يُلقِي بثقله على المشهد العراقي.

كل هذه الأمور تضاعف الأزمة العراقية وتصعّب من الوصول إلى حل جذري لمشاكل العراق وكبواته.

من أجل وطن أفضل

بمطالب بسيطة، بدأت العراقيين الطامحين إلى وطن أفضل، خالي من الفساد والبطالة، يطالبون حكومتهم بتأمين خدمات الكهرباء والماء، فما كان من القوات الأمنية العراقية إلا أن واجهت المظاهرات بالعنف المفرط، وسرعان ما تحولت المظاهرات إلى المطالبة بإسقاط الحكومة.

المظاهرات امتدت من بغداد إلى مناطق الجنوب التي يشكّل غالبية سكانها، في حين بدت المحافظات الشمالية والغربية هادئة نسبيًا، خصوصًا المناطق السنية التي دمرتها الحرب ضد تنظيم داعش، وإقليم العراق الذي يتمتع بحكم ذاتي.

وتعد الاحتجاجات غير مسبوقة نظرًا إلى عفويتها الواضحة واستقلاليتها في بلد عادة ما تخرج التظاهرات فيه بدعوة من شخصيات سياسية أو دينية.

كما يعدّ هذا الغضب المتزايد في الشارع العراقي هو أول تحرك شعبي ضد حكومة رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” منذ وصوله إلى الحكم قبل عام.

وبدلًا من الاستماع إلى مطالب المحتجين كان الرد الحكومي متمثلًا في استخدام الذخيرة الحيّة والرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع.

رفع الحظر وتجدُّد التظاهرات

أمر رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي”، الجمعة الماضية، برفع حظر التجول في بغداد بدءًا من الساعة الخامسة فجر السبت، وجاء في بيان لخليّة الإعلام الأمني: “وجّه رئيس مجلس الوزراء، القائد العام للقوّات المسلّحة، عادل عبد المهدي، برفع حظر التجوّل في بغداد، من الساعة الخامسة صباح السبت، وذلك لضرورات ومتطلّبات المواطنين في حياتهم اليوميّة”.

ومع رفع حظر التجوال، تجددت التظاهرات في وسط العاصمة العراقية بعد ظهر السبت، فيما تحدثت وسائل إعلام عن إطلاق رصاص حي باتجاه المتظاهرين الذين تجمعوا في محيط وزارة على الطريق المؤدية إلى .

سقوط نحو 100 قتيل وأربعة آلاف جريح خلال الاحتجاجات، يعدّ رقمًا كبيرًا، إذ لم تشهده أي تظاهرات عراقية خلال الأعوام العشرة الماضية، وقد تداول ناشطون ومراقبون أنباء عن تدخل فصائل من الحشد الشعبي في إدارة ملف التظاهرات، متهمين إياها بالوقوف وراء ظاهرة القناصين الذين يقومون بقتل المتظاهرين.

حتى النخاع

تبلغ نسبة البطالة 25% من الشباب العراقيين، بينما القطاع العام الذي كان ملجأ جميع خريجي الجامعات خلال عهد صدام حسين، أصابه التضخم ولم يعد قادرًا على استيعابهم، وبشكل شبه يومي تقريباً تشهد كل مدينة من العراق، اعتصامات متواضعة ينظمها الخريجون العاطلون عن العمل، لكنها دائمًا ما تُقَابَل بلامبالاة.

ويطالب المحتجون بمحاسبة الفاسدين ومكافحة البطالة في وطنهم العراق الذي أنهكته الحروب، والذي يعاني انقطاعًا مزمنًا في التيار الكهربائي ومياه الشرب منذ سنوات، ويحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فسادًا في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية.

وتشير تقارير رسمية إلى أنه منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ابتلع الفساد نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق.

فبالرغم من ارتفاع صادرات النفط العراقية لمستويات قياسية مؤخرًا، لكن العراقيون يقولون إن هذا لم يعد عليهم بفائدة تذكر، في ظل استمرار تداعي البنية التحتية وتوغل الفساد في مفاصل الدولة.

ساحة لتصفية الحسابات

يبقى العراق وفي ظل الأزمة الراهنة ساحة لتصفية الحسابات بين قوى خارجية، فإيران لا ترى نفسها بعيدة عن التحركات الشعبية الجارية حاليًا، بل تعتبرها امتدادًا للضغط الأمريكي على إيران، وتبارت وسائل الإعلام الإيرانية في تزييف أهداف المظاهرات لمصلحة إيران، وتصوير المظاهرات على أنها ضد التدخلات الأمريكية في العراق.

وبعد أن ردد بعض المتظاهرين هتاف “إيران برا برا.. بغداد حرة حرة”، وتداول ناشطون صورًا لإحراق علم إيران، قامت “كتائب حزب الله العراق” الموالية لإيران باتهام ما وصفته بـ”قوى الشر الأمريكية” بالتخطيط لاستغلال الأزمات، وتحريك أدواتها لإشاعة الفوضى، وإعادة عملائها للتحكم برقاب الشعب العراقي مرة أخرى.

ردود أفعال القوى الدينية

بالرغم من أن الحراك يبدو عفويًا، فقد قرر السيد “مقتدى الصدر” وضع ثقله في ميزان الاحتجاجات، داعيًا أنصاره الذين سبق أن شلّوا مفاصل البلاد في عام 2016م باحتجاجات في بغداد، إلى تنظيم اعتصامات سلمية وإضراب عام، ما أثار مخاوف من تضاعف التعبئة في الشارع.

ودعا الصدر إلى استقالة الحكومة العراقية، وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف الأمم المتحدة، حيث قال في بيان صادر عنه: “احقنوا الدم العراقي الشريف باستقالة الحكومة، وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي، فما يحدث لا يمكن السكوت عليه”.

من جهة أخرى؛ فقد حمّل المرجع الشيعي الأعلى في العراق “آية الله علي السيستاني” البرلمان مسؤوليته تجاه ما يحدث، كما دعا المحتجين وقوات الأمن إلى تجنب العنف، لكنه أمر الفصائل السياسية أيضًا بالاستجابة لطلبات المحتجين، جاء ذلك في رسالة تلاها “أحمد الصافي”، ممثل المرجع الأعلى”.

موقف القوى السياسية

حظيت خطوة مقتدى الصدر بتأييد رئيس الحكومة السابق “حيدر العبادي”، فيما دعا رئيس الوزراء الأسبق “أياد علاوي” إلى منح رئيس الحكومة الحالي صلاحية تعديل وزاري يخفف خلل الأداء الحكومي، واعتقال الفاسدين الكبار.

أما رئيس البرلمان “محمد الحلبوسي” فقد ألقى كلمة قدم فيها مقترحات لتوظيف الشباب، وتقديم مساعدات اجتماعية جديدة، كما تعهد أنه في حال عدم الإيفاء بالوعود في أسرع وقت ممكن “سأخلع سترتي، وأنضم إلى المتظاهرين”.

ويبدو أن الحكومة التي اتهمت معتدين ومندسين بالتسبب عمدًا بسقوط ضحايا بين المتظاهرين”، قد اتخذت خيار الحزم والعنف تجاه كل من يتظاهر.

وقال رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي”، في خطاب متلفز، إنه متفهم لغضب الجماهير، لكنه أضاف أنه لا يوجد حل سحري متاح للإصلاح في البلاد، وتعهّد إجراء إصلاحات، لكن هذا أثار استهجانًا واسعًا وسط المتظاهرين.

الرئاسات الثلاث

 

في سياق متصل؛ أعلنت الرئاسات الثلاث؛ الجمهورية والحكومة والبرلمان، عن تشكيل لجنة رسمية للتعامل مع مطالب المتظاهرين وإطلاق حوار وطني شامل، محذرة من تحويل المتربصين والمندسين لمسار الحراك إلى استهداف الأمن الوطني والمصالح العليا.

وأكدت الرئاسات الثلاث دعم الحكومة ومجلس النواب لتحقيق الإصلاحات والشروع الفوري في إقرار قانون مجلس الإعمار، وتنفيذ قانون الضمان الاجتماعي.

تحقيق أممي

وفي إطار ردود  الفعل الدولية حضّت الأمم المتحدة السلطات العراقية على التحقيق سريعًا وبشفافية في مسألة استخدام قوات الأمن للقوّة المفرطة بحق المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل العشرات، وقالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان “” في تصريحات للصحفيين في جنيف: “ندعو الحكومة العراقية إلى السماح للناس بممارسة حقهم بحرية التعبير والتجمّع السلمي”.

وأفادت هورتادو أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تأكد في شكل مستقل من مقتل 12 شخصًا في بغداد، مشيرة إلى أن المئات أصيبوا بجروح وفقا للتقارير، بينهم عناصر من قوات الأمن، كما تم اعتقال عشرات المتظاهرين.

وشددت على أنه “ينبغي التحقيق في شكل فوري ومستقل وشفاف في جميع الحوادث التي تسببت سلوكيات قوات الأمن فيها بوفيات وإصابات”.

فيما أكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أن “مطالب المتظاهرين باحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مشروعة”. وقالت هورتادو: “يجب الاستماع إلى شكاوى المحتجين”.

من جهتها فقد دعت منظمة العفو الدولية، الحكومة العراقية في بيان إلى “أمر قوات الأمن على الفور بالتوقف عن استخدام القوة، بما في ذلك القوة المفرطة المميتة، وإعادة الاتصالات”.

أربعينية الحسين

بعد أيام قليلة، سيشارك أعداد كبيرة من الشيعة العراقيين والإيرانيين في إحياء الذكرى الأربعين لوفاة الإمام الحسين في كربلاء، التي تقع على بعد 110 كيلومترات إلى الجنوب من بغداد، وستصادف الذكرى هذا العام في 17 أكتوبر.

إلا أن إيران دعت مواطنيها العازمين على زيارة العراق في مناسبة أربعينية الإمام الحسين، إلى تأجيل سفرهم بسبب التظاهرات التي أسفرت عن عشرات القتلى.

كما أعلن التلفزيون الحكومي الإيراني أن أحد المراكز الحدودية الثلاثة التي يستخدمها الزوار لدخول العراق، قد أغلق بناءً على طلب السلطات العراقية.

دعوة للتغيير والإصلاح

رغم بقاء الاحتجاجات خالية من أي شعار قومي أو طائفي، فإن بعض المراقبين يحذرون من استغلالها من جانب أطراف دخيلة، وسط دعوات لحماية المحتجين وعدم جعلهم طرفًا منبوذًا يصبح لقمة سهلة لجهات متطرفة تشيع الفوضى.

لم يفلح حظر التجوال ولا قطع في وقف حشود المحتجين، يرددون دائمًا “لا سياسيين.. ولا معمّمين” في احتجاجاتهم التي بدأوها قبل أيام، معترضين على الفساد والمحسوبية والبطالة، هدفهم الواضح هو تغيير الطبقة السياسية الحاكمة منذ أكثر من 15 عامًا، في محاولة لإعادة العراق إلي مكانته التي كان عليها ذات يوم.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: