أخبار العالم العربيتقارير

الأزمة الليبية تتجه لمزيد من التعقيد وتتحول لنزاع إقليمي

أحمد الطلياني

منذ سقوط الزعيم السابق معمر القذافي في عام 2011، تشهد نزاعًا يستمر حتى الآن.  ورغم جهود محلية ودولية لحل الأزمة على مدى 8 سنوات، إلا أنها تشهد حاليًا مزيدًا من التعقيد، بسبب تصاعد تدخل أطراف خارجية حولها إلى صراع إقليمي واسع النطاق.

وما يزيد الأمر تعقيدًا اتساع الخلاف بين طرفي الأزمة (حفتر والسراج) والأطراف الداخلية والخارجية الداعمة لكل منهما في مواجهة الآخر.

وتعترف الأمم المتحدة بحكومة الوفاق التي يقودها فائز السراج في العاصمة طرابلس، في حين لا يعترف البرلمان الليبي بتلك الحكومة ويدعم حكومة موازية في الشرق وقوات شرق الليبية (الجيش الوطني الليبي) بقيادة المشير خليفة حفتر.

الاتفاق والخلافات الإقليمية

واتجه النزاع في ليبيا منذ 27 نوفمبر الماضي إلى بؤرة خلافات إقليمية أوسع نطاقا، بعدما وقعت اتفاقيتين مع حكومة الوفاق إحداهما عسكرية والأخرى بحرية.

وينص الاتفاق العسكري على إمكانية أن تقدم أنقرة مساعدة عسكرية لحكومة الوفاق، فيما ينص الاتفاق الثاني على ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، مما يمنح أنقرة سيادة على مناطق غنية بالمحروقات في البحر المتوسط وخاصة قبالة جزيرة كريت.

وأثار توقيع الاتفاقيتين غضب البرلمان الليبي الذي طالب بسحب الاعتراف الدولي من .

وأعربت وقبرص اللتان توجد بينهما وبين أنقرة نزاعات بحرية وأخرى على أراض منذ وقت طويل، عن غضبهما وتنديدهما بالاتفاقيتين.

كما أثارت الخطوة التركية انزعاج وإسرائيل خاصة بعدما خصصتا استثمارات ضخمة للتنقيب عن مصادر الطاقة في منطقة شرق المتوسط، إذ أن الاتفاقيتين من شأنهما أن تهدد قدرة القاهرة وتل أبيب على تصدير الغاز إلى أوروبا.

تصاعد الصراع

وأطلق حفتر  مرحلة جديدة تسمي بـ”المعركة الحاسمة” في ديسمبر الماضي للسيطرة على العاصمة، وذلك خلال صراع  يقوده المشير القوي ضد حكومة الوفاق منذ أبريل الماضي.

وحققت قوات الجيش الوطني بعض المكاسب على الأرض في الأسابيع الماضية وفي بعض الضواحي الجنوبية للعاصمة،  بمساعدة مقاتلين من والسودان وطائرات مسيرة أرسلتها الإمارات.

وتطور النزاع سريعًا لتطلب حكومة الوفاق رسميا من تركيا إرسال قوات إلى ليبيا من أجل صد هجوم حفتر . وأرسلت تركيا إمدادات عسكرية بالفعل إلى حكومة الوفاق رغم حظر أسلحة فرضته الأمم المتحدة.

وقال الرئيس التركي رجب طيب إن بلاه ستزيد دعمها لحكومة السراج إذا اقتضت الضرورة، فيما وافق البرلمان التركي  على مشروع قانون يسمح بنشر قوات في ليبيا لتضمن أنقرة  الحفاظ على مصالحها الاقتصادية هناك.

وتحدثت تقارير تداولتها شبكات التواصل الاجتماعي عن وصول مرتزقة سوريين لحساب أنقرة إلى طرابلس رغم نفي حكومة الوفاق.

ومع كل هذا التدخل الأجنبي سواء بالدعم أو إرسال مقاتلون مرتزقة لضمان انتصار فريق على حساب الأخر، برزت مخاوف من اتجاه ليبيا إلى سيناريو يشبه النزاع السوري مع مخاطر تفاقم الفوضي ميدانيا وتراجع دور أوروبا وخاصة فرنسا وإيطاليا في جهود تسوية النزاع.

دوافع تركيا

تهدف تركيا من خلال الاتفاقيات مع حكومة السراج إلى إنشاء منطقة اقتصادية تمتد من ساحل تركيا الجنوبي على البحر المتوسط إلى الساحل الشمالي الشرقي الليبي.

وأعلنت أنقرة أن الاتفاق يهدف لحماية حقوقها بموجب القانون الدولي، مشيرة إلى أنها منفتحة على توقيع اتفاقات مماثلة مع دول أخرى على أساس نقاسم عادل للموارد.

وترسل تركيا رسالة إلى اليونان وقبرص بإبرامها الاتفاق مع حكومة الوفاق، مفادها أنها مستعدة للتحرك بحزم لتحقيق رغبتها، أو فرض مفاوضات جديدة حول نزاعاتهم المستمرة منذ وقت طويل.

وهناك نزاعات منذ عقود بين تركيا واليونان على جزر في بحر إيجه إلى جانب نزاعات مع جمهورية بشأن المياه الإقليمية للجزيرة منذ عام 1974، عندما غزت تركيا قوات تركية شمال بعد انقلاب للقبارصة اليونانيين.

كما تدافع  أنقرة عن  هذا الاتفاق أن تقول إنها لن تكون محل تجاهل في حوض شرق المتوسط الذي يحتوي على غاز طبيعي بقيمة 700 مليار دولار .

صراع مصادر الطاقة

ويعرقل اتفاق “أردوغان _السراج” جهود اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل للتوسع في عمليات التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، لتضع حاجزا أمام خط أنابيب – تتراوح تكلفته بين سبعة إلى تسعة مليارات دولار-  يمتد من مياه إسرائيل إلى مياه اليونان وقبرص حتى جزيرة كريت اليونانية وإلى شبكة الغاز في أوروبا عبر إيطاليا.

وسيتعين أن يمر خط  الأنابيب في المنطقة الاقتصادية التركية الليبية المزمعة. وتستخدم تركيا الاتفاق لإنهاء عزلتها في البحر ولتكثيف مطالباتها للتنقيب عن مصادر الطاقة في مياه قبالة قبرص. وأرسلت أنقرة على مدى أشهر سفنا للتنقيب إلى جانب مسيرة لعمليات استكشاف.

تبعات الاتفاق

يزيد  اتفاق ” أردوغان _ السراج”  من التوتر بين تركيا  وبين الاتحاد الأوروبي خاصة في ظل نزاعات أخرى  حالية تتعلق بسياسة الهجرة ودور أنقرة في حلف شمال الأطلنطي “الناتو”.

كما يزيد الاتفاق من وتيرة الخلاف مع مصر  المتحالفة مع حفتر  والتي تعتبر  العمق الليبي ” أمنها القومي”. والقاهرة على خلاف مع أنقرة  منذ أن أطاح الجيش المصري في 2013 بالرئيس محمد مرسي الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. ويقيم عدد كبير من أنصار الجماعة في تركيا.

وإلى جانب النزاعات القائمة بين تركيا وبين اليونان وقبرص، فإن الاتفاق أثار قلق روسيا التي تميل إلى جانب حفتر، باعتباره يثير تساؤلات كبيرة.

وموسكو على خلاف مع أنقرة أيضا  بشأن سوريا ولكن البلدين ينسقان فيما يتعلق بسياسات الطاقة، وتظل موسكو حريصة على أن تكون تركيا نقطة عبور لإمدادات الطاقة.

رفض أوروبي

نددت اليونان وقبرص بالاتفاق بوصفه “باطلا” من الناحية الجغرافية والتاريخية  وينتهك القانوني الدولي للبحار إلى جانب أنه يمثل انتزاعًا للموارد وينطوي على “سوء نية”.

كما أكد البلدان أن الاتفاق مصمم لتقويض عمليات التنقيب عن الغاز قي شرق المتوسط وزعزعة الاستقرار.

وطردت اليونان السفير الليبي بسبب الاتفاق الذي تعتبره اعتداءً على الجرف القاري لجزيرة كريت، كما قدمت شكوى إلى الأمم المتحدة على أساس أنه لا توجد حدود بحرية بين ليبيا وتركيا.

وطالبت أثينا الاتحاد الأوروبي بتشكيل إطار عمل لعقوبات على تركيا وليبيا إذا لم يتم إلغاء الاتفاق.

كما أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا أعرب فيه عن وقوفه بشكل قاطع إلى جانب اليونان وقبرص لكونهما عضوان في التكتل.

وتواجه أنقرة عقوبات يستعد الاتحاد الأوروبي لفرضها بسبب تحركاتها فيما يتعلق بقبرص.

ودعت فرنسا الفاعلين الدوليين والليبيين إلى ضبط النفس. كما قالت روسيا وإيطاليا إن الموقف في ليبيا يجب أن يحل سلميًا.

اعتراض مصري وعربي

واعتبرت مصر أن الاتفاقيتين المبرمتين باطلتين ومعدومتي الأثر. وأكدت القاهرة رفضها وعدم اعترافها بأي إجراءات أو تصرفات أو آثار قانونية قد تنشأ عن الاتفاقيتين.

وتعتبر مصر أن الوضع في ليبيا التي تشترك معها في الحدود الغربية، يشكل مسألة أن قومي لها.

واتفق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد على ضرورة اتخاذ الأطراف إجراءات عاجلة لحل الصراع قبل أن يفقد “الليبيون السيطرة على بلادهم” لصالح أطراف خارجية.

ومن جانبها، دعت جامعة الدول العربية في اجتماع طارئ إلى منع التدخل الخارجي في ليبيا في إشارة إلى اعتزام تركيا إرسال قوات إلى هناك لدعم حكومة الوفاق.

وحذرت الجامعة من أن التفاقم العسكري في ليبيا يهدد أمن واستقرار دول الجوار والمنطقة بأكملها.

استنفار برلماني أممي

ودعا رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح الأمم المتحدة إلى سحب الاعتراف بحكومة الوفاق، محذرًا من تداعيات التدخل في ليبيا.

واتهم صالح الرئيس التركي أردوغان بأنه يريد إعادة أمجاد السلطنة العثمانية للسيطرة على العالم العربي، كما يرغب في تمكين الإخوان المسلمين في ليبيا بعدما فشلوا  في مصر والسودان.

كما أشار موفد الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، في حوار قبل أيام مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، إلى أن اتفاق أردوغان والسراج يشكل تصعيدًا في النزاع، ويساهم في تدويله وتوسعه إلى المجال البحري.

وأصبحت الأزمة الليبية معقدة للغاية مع موافقة البرلمان التركي على إرسال قوات إلى ليبيا، وسط تنديد مصري واجتماع السيسي بمجلس الأمن القومي.

وبذلك  فإن النزاع في البلد الواقع في شمال أفريقيا يتجه إلى صراع إقليمي أوسع نطاقًا. وإلى جانب المخاوف من أن يحول التدخل الأجنبي ليبيا إلى سوريا أخرى، فهناك مخاوف أخرى من تصاعد حدة النزاع على احتياطات الغاز بشرق المتوسط، مع تسابق دول المنطقة لتحديد نطاق الأماكن التي تطالب بالسيادة عليها.

تعليق

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين