أخبار العربتقاريرتقارير قضايا عربية

السودان يبدأ مرحلة جديدة وسط مخاوف من أطماع العسكر وخلافات المعارضة؟

علي البلهاسي

عمت الأفراح أرجاء بعد قيام تحالف المعارضة الرئيسي () والمجلس العسكري الانتقالي الحاكم، بالتوقيع بشكل نهائي على وثائق الفترة الانتقالية والإعلان الدستوري، الذي يمهد لتشكيل الحكومة وبدء الفترة الانتقالية التي تمتد لثلاث سنوات ونصف، ووضع أولى لبنات الدولة المدنية السودانية.

بهذا التوقيع التاريخي، الذي تم وسط حضور عربي وأفريقي ودولي، يطوى السودانيون صفحة 30 عامًا من حكم نظام الرئيس السابق ، كما يتوج التوقيع 8 أشهر من الحراك الشعبي ضد نظام البشير، ونحو 4 أشهر من الخلافات بين المعارضة والمجلس العسكري الانتقالي حول مستقبل الحكم في البلاد.

ويأتي التوقيع النهائي على ووثائق المرحلة الانتقالية بعد أسابيع من المفاوضات المتواصلة بين المجلس العسكري الانتقالي، الذي يحكم السودان منذ عزل الرئيس السابق، عمر البشير، وقوى الحرية والتغيير، التي قادت الحراك في الشارع.

وكان الطرفان قد وقعا بالأحرف الأولى، يوم 4 أغسطس، على الإعلان الدستوري الذي طال انتظاره في السودان.

احتفالات بطعم الفرح

“فرح السودان” هو الاسم الذي أطلقه السودانيون على يوم التوقيع، وهو اليوم الذي توج باحتفالات شعبية كبيرة عقب التوقيع. وانتقلت أجواء الاحتفال التي شهدتها مداخل قاعة الصداقة بالخرطوم، بمشاركة الفرق الشعبية، إلى داخل القاعة لحظة التوقيع، ثم انتشرت في عموم السودان وشوارع العاصمة الخرطوم التي اكتظت بمواكب المحتفلين التي تزينت بعلم السودان واتجهت صوب ساحة الحرية – الساحة الخضراء سابقًا، والتي ضجت بدقات الدفوف، والرقصات شعبية، وردد الجميع السلام الوطني.

ويعتبر المتظاهرون، وممثلوهم السياسيين، الاتفاق انتصارًا للثورة وأهدافها، فيما يرى قادة الجيش أنهم بذلك جنبوا البلاد حربًا أهلية.

تعهد المجلس العسكري

لم تخل مراسم التوقيع من كلمات لممثلي الطرفين أكدا فيها على أهمية هذه اللحظة التاريخية وتعهدا بالعمل على إنجاحها، فيما وقف الجميع شهودًا على هذه التعهدات آملين ألا تصبح في يوم من الأيام حبرًا على ورق، أو مجرد كلمات للذكرى.

رئيس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق أول ركن ، أكد في كلمته خلال مراسم التوقيع، أن الثورة حققت أهدافها بجهد الشعب السوداني، داعيًا الجميع إلى العمل من أجل أن يكون هذا اليوم محطة لتناسي مرارات الماضي والنظر نحو المستقبل.

وأضاف “البرهان” ‏ أن الشباب الذي كان وقود هذه الثورة مدعو الآن للعطاء والبناء والإعمار، والمشاركة في عملية بناء السودان الجديد، مشيرًا إلى أن مرحلة التفاوض كشفت عن قيادات للثورة يتمتعون بالروح الوطنية.

وشدد على أن القوات المسلحة أثبتت أنها شريك وجسر عبور للتغيير، وأنها ستبذل الغالي والنفيس من أجل حماية الشعب والحكم الديمقراطي وضمان سلامة الانتقال للحكم المدني، متعهدًا بأن تقوم المؤسسة العسكرية في الفترة المقبلة بدورها كاملاً في الحفاظ على مكتسبات الثورة.

كما ذكر أن “المرحلة الانتقالية في السودان تبدأ رسميا بعد توقيع المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير على الإعلان الدستوري”.

آمال المعارضة

فيما أكد ممثل قوى الحرية والتغيير في السودان، محمد ناجي، أن التوقيع على الوثائق النهائية للفترة الانتقالية يفتح صفحة جديدة في البلاد ويطوي حقبة من الفساد والانتهاكات.

وقال إن قوى الحرية والتغيير ستعمل على أن يكون السلام شاملاً في كافة مناطق الحروب دون استثناء، مشددًا على تمسك قوى الحرية والتغيير بإجراء التحقيق العادل و الموضوعي في فض اعتصام القيادة العامة وكافة الانتهاكات التي ارتكبت بحق الشعب السوداني وألا يفلت أي مجرم من العقاب.

وقال” نتطلع لإنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة وكفالة حقوقها قانونا وممارسة، مطالبا بالعمل على إعادة السودان إلى المجتمع الدولي بشكل عاجل

وفي رسالة إلى الجمعيات الأهلية والجماعات الدينية قال ناجي “إن السودان يسعنا جميعًا ولابد أن نرعاه، وعلينا أن نتفق على العيش معا في سلام رغم الاختلافات بيننا”.

وطالب بنبذ العنصرية والقبلية وإشاعة التسامح وإعلاء قيمة الوطن فوق كل شيء. وشدد على ضرورة تحقيق المساواة بين أقاليم السودان المختلفة. ووصف المؤسسة العسكرية بأنها “بذرة الوطنية” وهي تمثل درع الحماية والوقاية للسودان.

وطالب ناجي العالم باحترام السودان وشعبه. ودعا الحركات المسلحة في السودان إلى الدخول في حوار مثمر لتحقيق السلام الشامل في البلاد من أجل الذين عانوا من ويلات الحروب.

من جانبه، وصف رئيس ، ، التوقيع على الاتفاق بالعبور نحو الحكم المدني، مطالبًا بعدم إقصاء أي طرف من المرحلة المقبلة للتحول الديمقراطي.

وأشاد المهدي بدور والاتحاد الإفريقي والعرب في التوصل لاتفاق، مشددًا على دور المرأة في الثورة السودانية.

بدء المرحلة الانتقالية

وفقًا للاتفاق الموقع بين الجانبين سيبدأ الجدول الزمني لتنفيذ الاتفاق السياسي لإدارة المرحلة الانتقالية كالآتي:

– 18 أغسطس: تعيين مجلس السيادة، وحل المجلس العسكري الانتقالي، واتفق الطرفان على تولي الفريق عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس السيادي في الفترة الأولى.

– 19 أغسطس: أداء القسم لمجلس السيادة، وعقد أول اجتماع له في اليوم ذاته بحضور جميع الأعضاء.

– 20 أغسطس: تعيين رئيس الوزراء (عبد الله حمدوك) وأداء القسم لرئيس الوزراء في اليوم التالي 21 أغسطس، مع تعيين أعضاء مجلس الوزراء يوم 28 أغسطس.

– 30 أغسطس: اعتماد تعيين أعضاء مجلس الوزراء، وأدائهم القسم في اليوم التالي مباشرة 31 من الشهر ذاته وكذلك عقد أول اجتماع لهم.

– 1 سبتمبر: عقد أول اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء لبحث الترتيبات السياسية والاتفاق على آليات العمل بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة.

البرهان رئيسًا

وأعلن الناطق باسم المجلس العسكري الانتقالي في السودان، شمس الدين كباشي، أن الرئيس الحالي للمجلس الفريق عبد الفتاح البرهان، سيكون رئيسًا للمجلس السيادي، الذي سيعلن عن تشكيله غدًا الأحد بموجب الاتفاق السياسي بين الأطراف السودانية لإدارة الفترة الانتقالية، وسيتكون من 11 شخصا بينهم 5 عسكريين.

كما ذكر المتحدث أن محمد حمدان دقلو، المعروف باسم ، سيكون ضمن المجموعة العسكرية في المجلس، وكذلك الفريق ياسر العطا، مضيفا “ربما مساء اليوم أو غدا نعلن عن الاسمين الآخرين”.

وأوضح كباشي في تصريحات اليوم السبت، أن المجلس العسكري تجاوز معظم المشاكل مع قوى الحرية والتغيير، وأن الثقة عادت بين الطرفين. وأضاف: “نأمل ألا تحدث أي مشاكل مع الأعضاء المدنيين في المجلس السيادي”، وأعرب عن أسفه لغياب “الجبهة الثورية” المعارضة عن حفل الاتفاق السياسي.

الطريق إلى الاتفاق

مع بدء المرحلة الانتقالية ينتهي دور المجلس العسكري الانتقالي الذي يحكم السودان منذ أبريل/ نيسان الماضي، بعد عزل الجيش للرئيس السابق عمر البشير، إثر احتجاجات على حكمه استمرت شهورًا، وقُتل خلالها عشرات المتظاهرين.

وتفاوض المجلس العسكري مع تحالف المعارضة الرئيسي المعروف باسم “قوى الحرية والتغيير” منذ عدة شهور من أجل التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة.

ففي أبريل الماضي، وعقب بدء اعتصام المعارضة أمام مقر الجيش، بدأت الجولة الأولى من المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير التي تمثل معظم مكونات الشارع السوداني، حيث تضم تجمع المهنيين وتحالفات الإجماع الوطني والتجمع الاتحادي والقوى المدنية ونداء السودان. وركزت المفاوضات وقتها على كيفية إدارة المرحلة الانتقالية.

وفي مايو الماضي تم الاتفاق بين الجانبين على فترة انتقالية مدتها 3 سنوات يتم بعدها تسليم السلطة بشكل كامل للمدنيين.

وتوقفت المفاوضات عدة مرات، لكن المتظاهرين استمروا بالاعتصام أمام مقر قيادة القوات المسلحة للضغط على المجلس العسكري من أجل تسليم الحكم للمدنيين. وفي 3 يونيو الماضي حدث التحول الأكبر في الأحداث عندما تم استخدام القوة لفض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، وتم بعدها تعليق المفاوضات بين الطرفين بعدما راح ضحيةَ الأحداث عشرات القتلى، بحسب لجنة الأطباء المركزية المقربة من حركة الاحتجاج. وأشارت التحقيقات إلى تورط قوات من الأمن بينها عناصر من الدعم السريع في العملية الدامية.

بعدها بأيام تدخل رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، وأجرى محادثات مع المجلس العسكري الانتقالي في السودان، ثم مع أعضاء من تحالف قوى الحرية والتغيير المعارض، ضمن جهود الوساطة التي سعى من خلالها لتقريب وجهات النظر بين الفريقين لإيجاد حل توافقي يدفع بعملية الانتقال السياسي.

وفي 4 يوليو الماضي تم استئناف المفاوضات المباشرة بين الجانبين بوساطة أفريقية، ليتم بعدها التوصل إلى اتفاق على اقتسام السلطة. لكن في 14 يوليو ظهرت خلافات بين الجانبين أجلت التوقيع على الاتفاق السياسي، من أبرزها حصانة أفراد المجلس السيادي، وتبعية النيابة العامة وتركيبة الأجهزة الأمنية.

وفي 17 يوليو تم التوصل إلى اتفاق الإعلان السياسي، بعد تأجيل لأكثر من مرة، وتم إرجاء التوقيع على الإعلان الدستوري. وفي 4 أغسطس الجاري تم التوقيع بالأحرف الأولى على الإعلان الدستوري، وتحديد يوم 17 أغسطس للتوقيع النهائي.

بنود الاتفاق

يقصد بوثائق فترة الانتقال للسلطة المدنية كل من وثيقتي الإعلان السياسي الموقعة في 17 تموز/يوليو الماضي، ووثيقة الإعلان الدستوري الموقعة بالأحرف الأولى في 4 آب/أغسطس الجاري، واللتين تمهدان لإعلان تشكيل الحكومة، وبداية الفترة الانتقالية.

وسيشهد غداً الأحد الإعلان عن تشكيل مجلس السيادة وحل المجلس العسكري، فيما سيشهد، الاثنين، أداء أعضاء مجلس السيادة اليمين الدستورية. كما يؤدي رئيس الوزراء اليمين الدستورية في 21 أغسطس.

وكان تجمع المهنيين السودانيين أعلن عن اتفاق هياكل قوى الحرية والتغيير على تولي عبد الله حمدوك، رئاسة الوزراء خلال الفترة الانتقالية، بينما رشح المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان لرئاسة المجلس السيادي.

وأعلنت “قوى إعلان الحرية والتغيير” في السودان عن أبرز بنود مسودة وثيقة “الإعلان الدستوري”، التي وقعت على اتفاق بشأنها مع المجلس العسكري الانتقالي الحاكم.

ومن المقرر أن يوقع الطرفان، الأحد، على تلك الوثيقة، التي تحدد ضوابط إدارة شؤون السودان خلال مرحلة انتقالية تستمر 39 شهرًا، وتنتهي بإجراء انتخابات.

وقالت قوى التغيير، في مؤتمر صحفي السبت، إن من أبرز مهام الفترة الانتقالية: “تحقيق السلام، ومحاسبة رموز النظام السابق، والإصلاح القانوني، وبرنامج إصلاح الدولة، وإنشاء آليات وضع الدستور، وإصلاح القوات المسلحة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية”.

وأعلنت عن تشكيل لجنة تحقيق مستقلة بشأن مقتل عشرات المحتجين خلال فض قوات أمنية اعتصامًا أمام مقر قيادة الجيش بالعاصمة الخرطوم، في 3 يونيو/ حزيران الماضي.

ويتضمن الإعلان الدستوري عدة بنود أبرزها ما يلي:

– تشكيل مجلس سيادي من 6 مدنيين و5 عسكريين، وسيقود مع برلمان وحكومة فترة انتقالية تستمر 3 سنوات ونيفا وتؤدي في نهايتها إلى انتخابات عامة.

– يشكل مجلس السيادة من 11 عضوا، خمسة مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير وخمسة يختارهم المجلس العسكري الانتقالي ويكون العضو الحادي عشر مدنيا يتم اختياره بالتوافق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.

– يرأس مجلس السيادة في 21 شهرا الأولى من يختاره الأعضاء العسكريون، ويرأسه في 18 شهرا المتبقية من الفترة الانتقالية عضو مدني يختاره الأعضاء الخمسة المدنيون الذين اختارتهم قوى الحرية والتغيير.

– أجهزة الحكم الانتقالي بثلاثة مستويات: مجلس السيادة وهو رأس الدولة، ومجلس الوزراء وهو السلطة التنفيذية العليا، والمجلس التشريعي وهو سلطة التشريع والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي.

– الفترة الانتقالية 39 شهرا يقود البلاد خلالها المجلس السيادي.

– إلغاء العمل بالدستور الموقع عام 2005، مع الإبقاء على المراسيم الصادرة من المجلس العسكري بعد الإطاحة بالبشير أي منذ 11 أبريل/ نيسان.

– عقد مؤتمر قومي لوضع دستور جديد للبلاد قبل نهاية الفترة الانتقالية.

– محاسبة منسوبي النظام البائد عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني منذ 30 يونيو 1989.

– الأولوية خلال الفترة الانتقالية هي العمل على إتمام اتفاق السلام الشامل وإنهاء الحرب وإصدار العفو العام في الأحكام الصادرة ضد القيادات السياسية وأعضاء الحركات المسلحة.

– إلغاء كافة القوانين التي تميز ضد النساء.

مهمة صعبة لحمدوك

اتفقت المعارضة على تعيين المسئول السابق في الأمم المتحدة عبد الله حمدوك، وهو خبير اقتصادي مخضرم، رئيسًا للوزراء.

وحمدوك حاصل على بكالوريوس (مع مرتبة الشرف) من جامعة الخرطوم، وعلى ماجستير ودكتوراه في الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية، بجامعة مانشستر بالمملكة المتحدة. وعمل في وزارة المالية بالسودان بمنصب كبير المسئولين في الفترة من 1981 حتى 1987، وبعدها عمل في شركة مستشارين خاصة في زيمبابوي حتى عام 1995، ومن ثم مستشارًا في منظمة العمل الدولية في زيمبابوي حتى عام 1997.

كما عُين في بنك التنمية الأفريقي في ساحل العاج حتى عام 2001، وبعدها انضم للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة في أديس أبابا في عدة مواقع حتى أصبح نائب الأمين التنفيذي. وفي الفترة من 2003 حتى 2008، عمل حمدوك في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA) بصفته مديرا إقليميا لأفريقيا والشرق الأوسط.

وشغل حمدوك منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا منذ عام 2011. وفي 2016 تم تعيينه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة حينئذ بان كي مون، القائم بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، وتسلم منصبه في الأول من نوفمبر. وفي 2018، تم ترشيحه لتولي منصب وزير المالية السوداني في التشكيل الوزاري برئاسة معتز موسى، ولكنه اعتذر عن قبول تكليفه بمنصب وزير المالية.

ومن المتوقّع أن يركّز حمدوك جهوده على إصلاح الاقتصاد السوداني الذي يعاني من أزمة منذ انفصل الجنوب الغني بالنفط في 2011 عن الشمال، وشكّل الوضع المعيشي شرارة الاحتجاجات ضد حكم البشير.

ويرى مراقبون أن التحدّي الأكبر الذي يواجه الحكومة هو تفكيك الدولة الإسلامية العميقة… التي سيطرت على جميع مؤسسات الدولة والقطاعات الرئيسية في الاقتصاد، بما في ذلك مئات الشركات المملوكة للجهاز الأمني-العسكري.

ورحب “تجمع المهنيين السودانيين”، باتفاق “قوى الحرية والتغيير” على ترشيح عبد الله حمدوك رئيسا للوزراء في الفترة الانتقالية.

وأعرب التجمع، وهو كيان غير الرسمي كان يقود الاحتجاجات بالسودان خلال الأشهر الماضية، عن التمنيات بالتوفيق لحمدوك “في واحدة من أصعب المراحل في تاريخ بلادنا وشعبنا”.

وقال التجمع، في بيان على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي الخميس، إنه سيقدم “كل الدعم الممكن للدكتور حمدوك مع التأكيد على دورنا الرقابي خلال الفترة الانتقالية نحو الديمقراطية الكاملة” وأكد أنه لا تهاون”في أي من أهدافها”.

فرحة مشوبة بالحذر

على الرغم من حالة التفاؤل وأجواء الفرحة التي عمت السودان عقب توقيع الاتفاق، أبدى البعض حذرهم، وقالوا إن الوقت لا زال مبكرا للغاية لمعرفة ما ستؤول إليه الأحداث في الفترة الانتقالية المطولة المطلوبة من أجل الإعداد للانتخابات بعد ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي للبشير.

ويشكك العديد من السودانيين في قدرة المؤسسات الانتقالية على كبح جماح القوى العسكرية خلال فترة السنوات الثلاث التي ستسبق الانتخابات، كما يشككون في قدرة هذه المؤسسات  على ضمان تحقيق العدالة لنحو 250 متظاهراً قتلوا على أيدي قوات الأمن.

وحذّر الصحافي البارز عثمان الميرغني من المبالغة في الاحتفالات. وكتب ميرغني الذي يرأس تحرير صحيفة “التيار” في زاويته السبت “نحتفل اليوم بتوقيع وثائق الانتقال… لكن بالله عليكم لا تضيعوا مزيدا من العمر في الاحتفالات”.

وتابع: “نحن أشبه بفريق كرة قدم مهزوم (عشرة صفر). فإذا أحرز مهاجمه هدفا، لا داعي لخلعه الفانلة والجري نحو الجمهور. على العكس خذ الكرة وأسرع بها نحو المنتصف لمواصلة المباراة وكسب الزمن”.

وبالرغم من الإيجابيات التي تبدو في الاتفاق، إلا أن مخاوف تنتاب البعض خاصة فيما يتعلق بملفات شائكة تتباين فيها وجهات النظر بين أطراف متشابكة في المشهد السياسي السوداني.

فعلى خلاف اتفاق الطرفين على مبدأ تشكيل مجلس تشريعي، لم يتوافقا على كيفية تكوينه، لذلك أرجأ المتفاوضون المناقشات بشأن تشكيله إلى ما بعد تكوين مجلسي السيادة والوزراء، على أن يتم ذلك في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تكوين مجلس السيادة.

كما أن هناك ملفا شائكا آخر هو ملف إحلال السلام في مناطق دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. إذ تُولى الحركات المسلحة أهمية قصوى لهذا الملف وتطلب السرعة في التعامل معه.

ولا يغيب عن المشهد مستقبل الإسلاميين في السودان الجديد، إذ يتخوف إسلاميون عارضوا نظام البشير أن يتم استبعادهم تماما من المشهد السياسي. ويضيف هؤلاء أنهم جزء من المشهد السياسي، ولهم حضور وحاضنة شعبية ولا يمكن الوصول إلى حلول حقيقية لمشاكل السودان دون تواجدهم في المشهد العام.

وأبرزت الصحف السودانية تحذيرات لسياسيين سودانيين، من خطورة الدور الذي قد يلعبه أنصار نظام الرئيس السوداني المخلوع، عمر حسن البشير وجماعة الإخوان المسلمين، لإرباك المشهد السياسي على حد قولهم.

كما يتخوف سودانيون من دور دول إقليمية يرون أنها قد تعمل على إفساد تنفيذ الاتفاقات الموقعة تحقيقا لمصالحها الخاصة.

خلافات المعارضة

من الأسباب التي تدعو للحذر أيضًا استمرار الخلافات بين تيارات في ، ومعارضة بعضها للاتفاق، فقد تغيب عن حفل التوقيع اليوم السبت المجموعات المسلحة في المناطق المهمّشة مثل دارفور والنيل الأزرق وكردفان.

وكانت الجبهة الثورية السودانية التي توحّدت هذه الحركات تحت رايتها قد دعمت الحركة الاحتجاجية، لكنّها رفضت الإعلان الدستوري، وطالبت بتمثيل في الحكومة وبمزيد من الضمانات في محادثات السلام.

وسبق أن فشلت محادثات عقدت في القاهرة مؤخرًا بين قوى إعلان الحرية والتغيير والجبهة الثورية التي تضم الحركات المسلحة، في معالجة الخلاف حول الإعلان الدستوري.

واعترضت الجبهة الثورية على الاتفاق بين قوى الحرية والمجلس العسكري، معتبرة أن الاتفاق تجاوز القضية الأساسية التي تتعلق بالسلام، وأنها لا تعبر عن الطموحات وأفكار ورؤية الجبهة الثورية لإنهاء الحرب في السودان.

وترى الجبهة أن هناك متطلبات مهمة يجب إدراجها في الاتفاق الدستوري ومراجعة الاتفاق السياسي، مثل كيفية دمج قوات الحركات المسلحة في الجيش النظامي السوداني، كما أن الجبهة الثورية تتحدث عن كيفية المشاركة في الفترة الانتقالية المقبلة.

وتضم الجبهة الثورية: «حركة تحرير السودان» جناح منى أركو مناوي، «الحركة الشعبية – شمال» جناح مالك عقار، و«العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم.

وكشفت المفاوضات حول الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري في السودان، أن الخلافات بين القوى المنضوية، تحت تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، يمكن أن تهدد تماسكه حال تصاعدها.

وسبق أن قرر تجمع المهنيين السودانيين، والذي يعد واحد من المكونين الرئيسيين لجبهة الحرية والتغيير، عدم المشاركة في السلطة المُزمع تكوينها في مستوييها السيادي والتنفيذي “على أن يشارك في السلطة التشريعية كسلطة رقابية”.

كما رفض الحزب الشيوعي السوداني اتفاقم تقاسم السلطة الذي وقعه حلفاؤه في قوى الحرية والتغيير. وأضاف الحزب الشيوعي في بيان له أن الاتفاق “منقوص ومعيب” ويصب في مجرى الهبوط الناعم الذي يعيد إنتاج الأزمة.

ويرى البعض أن اختلاف مشارب وأولويات القوى المختلفة التي تنضوي تحت مظلة قوى الحرية والتغيير قد تؤدي إلى نشوب خلافات داخل الائتلاف تنتهي بتصدعه وإضعافه.

انعكاس إقليمي

يكتسب استقرار السودان، الذي لا يزال يسعى للخروج من أزمة اقتصادية، أهمية خاصة في منطقة مضطربة تشهد صراعات وحركات تمرد تمتد من القرن الأفريقي إلى مصر وليبيا.

وترى صحيفة فاينانشال تايمز أن ما ستسفر عنه الأحداث في السودان له أهمية ضخمة في إفريقيا بأسرها، التي شهدت هذا العام الإطاحة بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعد انتفاضة شعبية. كما تشهد إفريقيا في العام الحالي مظاهرات واحتجاجات كبيرة في زيمبابوي تقمعها السلطات باستخدام العنف.

وتقول الصحيفة أن الربيع العربي وانتفاضاته أوضحوا أن الانتفاضات الشعبية لا تنتهي دوما على ما يرام، فقد تسحق وتقمع وقد يتم الالتفاف عليها أو، كما حدث في سوريا، يمكن أن تتحول إلى حرب أهلية. وتستدرك الصحيفة قائلة إن الانتفاضات قد تؤدي أيضا إلى نتائج إيجابية في الدول في الدول التي لا يتشبث فيها حكام عسكريون بالسلطة.

وتقول الصحيفة إن تلك الحالة الأخيرة هي الحالة السودانية، مشيرة إلى أن الحكام العسكريون وافقوا، “على الورق على الأقل”، على التنحي عن السلطة في غضون ثلاثة أعوام، لكنها ترى أن الكثير من الأمور قد لا تسير على ما يرام، فالقادة العسكريون في السودان “لا يمكن الثقة فيهم”.

ويرى مراقبون أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور كبير في المرحلة المقبلة بالسودان، خاصة وأن ما يعزز المخاوف من مصير مظلم للبلاد هو هشاشة الاقتصاد السوداني، ووهن النسيج الاجتماعي، وضعف الأحزاب والقوى السياسية، واختلافاتها العميقة حول محاصصات السلطة. كما أن البلاد أصبحت مرتعًا خصبًا للتدخلات الخارجية، التي أصبحت تستثمر بقوة في صراعات القوى الحزبية والحركات المناطقية المسلحة.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: