أخبار العربتقاريرتقارير قضايا عربية

الرئيس الفصيح.. هل ينجح قيس سعيد في تعزيز الهوية العربية بتونس؟

- هاجر العيادي

ليس هناك متعة تشعر بها أجمل من تلك التي تصل لك عندما تشعر بأنك قدمت شيئًا يستحق التقدير؛ وهي معادلة قد لا يستطيع الكثيرون أن يقوموا بها، تتلخص باختصار فيما قاله ديل كارينجي: “لا تجعل قانونك: أنا أعمل لأعيش.. بل اجعل قانونك: أنا أعمل لأحقق ذاتي”.

فلكل بصمته الخاصة قي الحياة، وكما يقال: “ضع بصمتك وأترك أثرًا يدل على وجودك”، هكذا يبدو الرئيس التونسي منذ بدايته، وفق متابعين.

فهو شخص مميز عن غير سابقيه من رؤساء تونس، انطلاقًا من ديباجة كلامه واستعماله اللغة العربية، إلى استقلاليته وعدم انتمائه لأي حزب سياسي، وصولا إلى تدوين كتاب التكليف بتشكيل الحكومة بخط يده.

يشار أن رسالات التكليف السابقة كانت عادة ما ترقم بالحاسوب وتعتمد التاريخ الميلادي.

خطوة غير مسبوقة

وقد أثار خط قيس سعيد في لرئيس الحكومة الكثير من الجدل، فهو ليس شبيهًا بكل الخطوط، وعلى ما يبدو وفق مدونين أنه أظهر موهبته كشخص يجيد الخطوط العربية المعروفة في المغرب العربي والشرق كخطاط محترف.

ووفقًا لمختصين فإن الخط الذي جون به قيس سعيد خطاب تكليف الحكومة يسمى بالخط المغربي، وهو خط معروف لدى أكثر الخطاطين في العالم العربي.

ضجة على مواقع التواصل

وأبهرت الرسالة التي خطها الرئيس التونسي رواد مواقع التواصل، وكان الأمر مثيرًا لدرجة أنه طغى على الجدل المتعلق باسم رئيس الوزراء الذي تباينت الآراء حوله.

وراجت صورة من كتاب التكليف مرفقة بإشادات بجمالها وبـ “سابقة كتابة رئيس الدولة وثيقة رسمية بخط يده”.

وعبّر كثير من التونسيين وغيرهم عن إعجابهم بتميّز الرسالة، كلّ بطريقته، فهناك من وصفها بأنها من معلّقات هذا الزمن!، ومن قال إن كتابة التكليف بهذه الطريقة هي “من التفاصيل التي تصنع هيبة الدولة”.

ومن المعلّقين من قرأ في استخدام رسالة من الرئيس و”تأكيدًا على الانتماء المغاربي لتونس، وربما إشارة إلى إعادة إحياء المغرب العربي الكبير”.

وثمّة من فسّر استخدام بأنه “إحياء للهويّة العربية” و”اعتزاز بالانتماء العربي لتونس”.

لكن ما شدّ بعض الناس في الرسالة هو استخدام التقويم الهجري مع التقويم الميلادي في تحديد تاريخ التكليف. وهناك من دقّق في استخدام تسمية “ربيع الأنور” لشهر ربيع الأول الذي ولد فيه النبيّ محمّد.

وتوالت التعليقات والردود بين من رأى في استخدام التقويم الهجري مؤشرات “أسلمة للدولة” و”سيطرة للإسلاميين” وبين من رأى في هذه التأويلات مبالغة لا مبرّر لها.

ولم يفوّت التونسيّون فرصة التندّر على هذه الرسالة، حيث شبّهها البعض بـ “رسالة من ملك الحبشة إلى عظيم الروم”، خاصة مع تداول صورة لقيس سعيّد يوقّع كتاب التكليف بـ “الريشة” أو الدواة، وشبهها البعض بأنها “مرسوم الباب العالي”.

ولع اللغة

ويعرف عن الرئيس التونسي ولعه باللغة العربية في كلامه وخطاباته، حيث تميز باستعماله اللغة العربية الفصحى، وهو ما شدّ التونسيين له، والذين لم يتعودوا على فصاحة الرئيس في الخطاب، ولا على وضوح الكلمات والجمل والتعبيرات.

ومن هذا المنطلق كتب البعض عن لغته وعنه قائلين: “لغة قوية ومواقف تبدو واثقة، ومرحلة جديدة يدخلها التونسيون بكثير من الآمال والأحلام، وبرغبة جامحة في تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وفي النهوض بتونس وإخراجها من مواسم الهرج التي مرّت بها”.

انتصار للغة العرب

وفي نفس الإطار يقول آخرون إن الأمر مختلف تمامًا مع قيس سعيد، الذي تجري العربيّة الفصيحة على لسانه بطلاقةٍ لا تكلّف فيها، وسلاسةٍ لا تقعُّر في أدائها، فتشعرُ أنَّ العربيّة قريبةٌ محبّبة وأنّ كلَّ الأحاديث عن جفاف الفصحى وقربها من النّفس تغدو هشيما تذروه الرّياح أمام الثّقة التي تتحدّر فيها الكلمات من فمه كالماء الزلال.

وفي ذلك انتصارٌ للغة العربيّة لأنّها ستكون اللّسان الذي يتحدث به رئيس تونس في أعوام قادمة، مما سيجعلها قريبةً أكثر من نفوس هذا الشّعب، وسيكون ذلك دافعًا إلى مزيدٍ من الإقبال على التّعامل بها ومعها، فإنَّ الجماهير مجبولةٌ على التّأثّر بقادتها في سلوكهم وأفكارهم.

لذا فإنَّ من أوضح مظاهر انتصار اللغة العربيّة في تونس، ومن أعظم وسائل خدمتها في السّنوات القادمة هو أن يكون قيس بن سعيد على سدّة الرّئاسة بلسانه العربيّ المبين.

بلاغة القول وترقب الفعل

وإلى جانب هذا يلاحظ المتابع لمسيرة الرئيس التونسي أن جل كلماته كانت بليغة اللغة والعواطف، على الرغم من كونها لم تطرح أية حلول، ولم تصرح بكيفية مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها البلاد.

وقد بررها بعض المتابعين له لاعتبار كونها صادرة عن رجل يدخل  لأول مرة أبواب الشأن العام والعمل السياسي والوظيفة على مستوى إدارة الدولة، مشيرين في نفس السياق أن الأيام القادمة ستكون كفيلة بفهم ما سيتم الاعتماد عليه في ترجمة طوباوية الرئيس الجديد إلى فعل حقيقي على أرض الواقع بتشعباته المختلفة على حد تعبيرهم .

أول ظهور على الخط

وجدير بالذكر أن الظهوره الأول مرة لأستاذ القانون الدستوري قيس سعيد كان عقب ثورة 2011، ليعتاد بعد ذلك على البروز عديد المرات في عدة منابر تلفزيونية لشرح وتحليل المسائل القانونية والدستورية المرتبطة بالقضايا السياسية.

وقد تلمّسوا فيه شخصية مختلفة وطريفة في آن واحد، بسبب طريقة كلامه وأسلوب خطابه الذي يعتمد أساسًا على اللغة العربية الفصيحة والتحدث بجدية ودون تشنج ودون توقف، حتى أصبح يلقب بـ”الروبوكوب” أو الرجل الآلي.

صعود نجم سعيد

وصعد نجم قيس سعيد في السياسة التونسية منذ إعلانه اعتزام الترشح للانتخابات الرئاسية بصفته مرشحاً مستقلاً، فظهرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي باسمه تدعو إلى الالتفاف حوله ودعمه للفوز في هذا الاستحقاق الانتخابي، يقودها خاصة طلبة جامعيون.

وتزايد الاهتمام به وبترشحه، ونجح في الاستئثار بنصيب واسع من المساندة، حتى برز اسمه في استطلاعات الرأي وتصدر نوايا تصويت التونسيين.

وحافظ سعيد على تلك السمة في كل لقاءاته، وآخرها في المناظرة التلفزيونية لمرشحي الرئاسة.

شبيه الزعيم حبيب بورقيبة

على صعيد آخر هناك من رأى في قيس سعيد شبيهًا بالزعيم ورئيس تونس الأسبق الحبيب بوقيبة، فهما قريبان نوعًا ما من بعضهما، فعلى سبيل المثال فكما تميز قيس سعيد بخطه الذي ظهر في مناسبات عدة، عُرِف بورقيبة بتوقيعه الخاص في زمنه، فضلا عن تاريخه الحافل إضافة إلى تبني الرئيسين لمشروع ثقافي.

 

المشروع الثقافي

وتجديد المشروع الثقافي، فكرة طرحها الرئيس التونسي المنتخب، قيس سعيد، خلال مناظرة تلفزيونية. والملفت أن سعيد لم يتحدث عن مشروع ثقافي يبدأ من الصفر، بل تحدث عن تجديد مشروع قائم بدأه الزعيم التونسي الراحل بعد الاستقلال.

وهو مشروع انقسم إلى شقين أولها التعليم الذي اعتبره بورقيبة حجر الأساس لتطوير المجتمع التونسي، وكانت مجانية التعليم وإجباريته من أول القرارات التي اتخذها، وحرص على افتتاح المدارس حتى في القرى النائية.

وثانيها تمثل في إصدار مجموعة قرارات هدفت إلى دعم الأنشطة الثقافية، من مسرح وسينما وفن تشكيلي وشعر، وكانت الوزارات والمؤسسات والبنوك وشركات التأمين مطالبة بدعم الأنشطة الفنية والثقافية، بتخصيص نسبة 1% من أرباحها للاستثمار الثقافي.

نتائج المشروع الثقافي

ولكن للأسف سرعان ما انقلب ذلك المشروع، وعلى الرغم أنه بات ينظر للمجتمع التونسي على أنه مجتمع حداثي منفتح على العالم، إلا أنه وبشهادة الكثيرين سقط في أول امتحان ينجزه، وفوجئ الجميع داخل تونس وخارجها، بأن الشباب التونسي بعد الثورة، سجل المركز الأول، وفق عدة إحصائيات، بكونه اتجه إلى التطرف.

وانضمت أعداد كبيرة من التونسيين إلى صفوف داعش، لتلتحق بساحات القتال، داخل والعراق وليبيا، لدعم ما عرف بدولة الخلافة، وفي هذا الصدد حمل بعض الأطراف الفاعلة في السيادة آنذاك مسؤولية ذلك، فيما برر البعض ذلك كونه فشل لنظام سابق تعود جذوره إلى قديم الزمان.

حاجة تونس لثورة ثقافية

من جهة أخرى يرى بعض المراقبين أن قيس سعيد كان على حق، عندما اقترح في مناظرته، إدخال مادة الفلسفة في التعليم، حتى في المراحل الابتدائية، وهذه ليست طوباوية كما وصفها البعض، بل هي قمة الحكمة، وهي المخرج لملء الفراغ الذي خلفته مناهج التعليم على مدى عقود.

وهو على حق، عندما أشار إلى حاجة تونس لثورة ثقافية، تعيد استقطاب مبدعيها وتسويقهم ليأخذوا المكانة التي يستحقونها. فالاستثمار في الثقافة اليوم، أكثر أهمية من الاستثمار في الفلاحة والصناعات الثقيلة، على حد تعبير المثقفين.

” النخبة التونسية

ولعل الباحث في تطور اللغة العربية في تونس  يلاحظ انها عاشت مراحل عدة  وعرفت عديد المحطات.

ففي النصف الأول من القرن العشرين، شرعت فرنسا في تطبيق مشروعها الاستعماري المتمثل في “فرنسة” النّخبة التونسيّة لتكون لها خاضعة ومطيعة وخادمة لمصالحها التي تهدف إلى تذويب الهوية، وتدميرها.

وقد اعتمدت في ذلك على مستشرقين ابتكروا نظرية لغوية تقول إن اللغة العربية أصبحت لغة ميتة تمامًا مثلما كان حال اللغات الشرقية القديمة، واللغة اللاتينية.

لذلك يتوجّب على النخبة التونسية إنْ هي أرادت حقا أن تكون في قلب العصر الحديث وليس خارجه أن تكتب وتتكلم بلغة موليير.

ورغم المجهودات الهائلة التي بذلتها، لم تتمكن فرنسا الاستعمارية من إنجاح مشروعها المذكور إذ لم يستجب لها سوى مثقفين مزيفين.

لغة عصرية

ومن هذا المنطلق حارب المثقفون المشروع الفرنسي بطرق مختلفة ومتنوعة. ولكي يثبت أن اللغة العربية لا تزال نابضة بالحياة، وقادرة بالتالي على أن تكون لغة عصرية وحديثة، كتب محمود المسعدي في الثلاثينات من القرن الماضي أثريه المهمين “السد”، و”حدث أبوهريرة قال…”.

ومن خلال هذين الأثرين أعاد المسعدي الذي كان عارفًا بالآثار الأدبية العظيمة التي تركها العرب وأيضا بالآداب الأوروبية القديمة والحديثة، إلى اللغة العربية إشراقها مثلما كان حالها في عصر الجاحظ والتوحيدي وابن المقفع والمعري وغيرهم. كما مكنها من توطين وغرس مفاهيم فلسفية حديثة جاء بها الفلاسفة الوجوديون في ألمانيا وفرنسا من أمثال شوببنهاور، ونيتشه، وسارتر، وكامو.

ومثل ساندور بيتوفي في المجر، وأوغستينو نيتو في أنغولا، وماتزيني في إيطاليا، وخوزيه مارتي في كوبا، اتّخذ المسعدي من إحياء اللغة العربيّة وسيلة لمواجهة المستعمر الذي كان يعمل على طمسها للقضاء على الهويّة التونسيّة، ومسخها.

مثقفون وعراقيل

في الأثناء ظهر في تلك الفترة العديد من المثقفين والشعراء والأدباء، وقد لعبوا دورًا محوريًا في تحديث الثقافة التونسيّة، باعثين الحياة في اللغة العربية التي ظلت على مدى قرون مديدة، تعاني من التحنط والتيبّس، لتصبح قادرة على أن تعكس الواقع في تحولاته، وأن تسمي الأشياء بأسمائها.

وهذا ما فعله الشابي في مجال الشعر والنقد الأدبي، والطاهر الحداد في مجال الفكر الاجتماعي، وعلي الدوعاجي، ومحمد العريبي في مجال القصة.

وعقب الاستقلال، وتحديدا في الستينات من القرن الماضي، سعى دعاة الفرنسة إلى فرض وجودهم من جديد إلاّ أن التيارات الأدبية المتأثرة بالحركات الطلائعية في أوروبا، وفي بلدان المشرق العربي تمكنت من إخماد أصواتهم.

مسخ وتشويه

لكن عرفت اللغة العربية في تونس خلال السنوات السبع الماضية نوعًا من  المسخ والتشويه وفق متابعين  الإكثار من استعمال كلمات فرنسية في الخطاب السياسي والإعلامي، وذلك في مجال الإعلانات أيضا كما أشاروا إلى أن الذين  يقومون بذلك هم أبناء تونس للأسف من الإعلاميين والسياسيين لاسيما، ومع انتشار الفوضى، وتكاثر الملل والنحل السياسية والأيديولوجية والدينية.

ووفقا لهذا انتشرت بين التونسيين لغة هجينة لا هي بالعربية الفصيحة، ولا بالدارجة، ولا بالفرنسية، بل هي مزيج من اللغات الثلاث. وكل هذا يتم باسم الديمقراطية وحرية التعبير!

والغريب في الأمر أن المؤسسات التربوية، ونقابات التعليم تبدو غافلة عن هذه المعضلة اللغوية، وتجاهها لا تظهر أدنى اهتمام. بل قد تساهم في تغذيتها بطرق مباشرة أو غير مباشرة لتصبح واقعا لا يمكن الخلاص منه.

وإذا ما تواصل الأمر على هذه الصورة، فإن الأجيال القادمة ستكون ضحية هذه اللغة الهجينة التي لا تصلح لا للأدب ولا للشعر ولا للفكر، بل فقط للثرثرة الفارغة والمملة. وعندما يُجرّد شعبٌ من لغته ومن ثقافته ومن أصالته، فإن هذا لا يعني سوى الحكم عليه بالإعدام كما قال ميلان كونديرا.

ترسيخ اللغة العربية

ورغم نص الدستور في فصله الأول أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة لتونس، وتأكيد التوطئة بأن تونس دولة عربية متجذرة في انتمائها الحضاري والجغرافي وتتقاسم مع الوطن العربي اللغة والثقافة، يظلّ استخدام اللغة العربية دون المستوى المطلوب وبما يتماشى مع هذه الموجبات الدستورية وهوية الشعب التونسي.

وهو ما دفع مجموعة من نواب البرلمان تونس السنة الماضية لتقديم مقترح قانون يتعلق بترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها، ولكن لازال هذا المقترح على رفوف البرلمان.

في النهاية فإن اعتماد الرئيس التونسي اللغة العربية وسيلة لتخاطبه مع الجميع وتدوين كتاب تكليف اسم رئيس الحكومة بخط يده في خطوة مسبوقة قد يجعلاه الرئيس الاستثنائي في تونس  على غير سابقيه.

لكن لا نعرف بعد على وجهه اليقين فيما إذا كان قيس سعيد قد كتب الخط وفي جعبته خطط  بمقدورها تحقيق برامج طموحة، كما حلم كل التونسيين وهم يفرغون أصواتهم لقيس سعيد.

فعلى ما يبدو خطاب التكليف واضح، خذوا ما شئتم من حقائب، لكن لا بد من تشاور على الحقيبتين السياديتين الخارجية والدفاع . يبقي أن نقول أن التكليف معلق على شرط، وإن كان في ظاهره التشاور.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: