تقاريرجولة مع الإبداعفن وثقافةمنوعات

يعشقه الأطفال والكبار.. “الأراجوز” فن عريق يتحدى الاندثار

هاجر العيادي

من منا لا يتذكر الفنان الكبير الراحل “” وشهرته التي كان سببًا فيه ، ومن منا لم يفاجئه دور الفنان العالمي في الفيلم الذي يحمل اسم “الأراجوز”.

وهل ينسى أي منا ذلك المشهد العبقري في فيلم “الزوجة الثانية” عندما حمل الأراجوز حلًا سحريًا لفاطمة، التي أبدعت دورها الفنانة سعاد حسني للخروج من مأزق الطلاق من زوجها والزواج من العمدة.

فخلال سير الأحداث نجح صناع العمل في تجسيد الأزمة من خلال عرض “الأراجوز والبنت اللي اسمها كشكليوز”، والذي ظهرت خلاله حكمة الفيلم “الحب مش بالعافية”، واستمدت منها الفلاحة البسيطة خطتها الذكية في إفساد خطة العمدة لتطليقها من زوجها والزواج منها.

تراث فني عريق، وتاريخ كبير من الإبداع يرتبط بهذه الشخصية التي ترتبط في ذهن جمهورها بالمسرح الشعبي القديم، والأشكال العديدة من الفُرجة الشعبية التي عرفها العرب في زمن ليس بالبعيد، وكانت تلبّي جزءًا من حاجة الناس إلى فن المسرح والحكايات.

فن الأراجوز الذي أبدعته قريحة الفنان الشعبي، قاد فيما بعد لمسرح العرائس، وسبق فن الكارتون والصور المتحركة الذي نشاهدها اليوم على التلفزيونات، ورغم ذلك لا زالت فقرة الأراجوز هي الفقرة المحببة للأطفال في أي حفل يحضرونه خاصة بهم.

إحياء عروض الأراجوز

لكن هذا الفن العريق بدأ يندثر نوعًا ما في عالمنا العربي، وهو ما دفع لظهور مبادرات لإحيائه والحفاظ عليه.

في هذا السياق كشفت فرقة “ومضة” لعروض خيال الظل والأراجوز في عن تدشينها للمهرجان الأول لهذا الفن، والذي يهدف لاستعادة عروض الأراجوز في مختلف الأماكن والفضاءات الثقافية والتفاعلية.

وجاءت هذه الخطوة للتعجيل بإجراءات صون الأراجوز المصري والحفاظ عليه كأحد الفنون الإنسانية الهامة، والذي تم تسجيله على قوائم اليونسكو في 28 نوفمبر من العام الماضي.

في هذا الإطار تحتضن مصر في الفترة من 24 إلى 28 نوفمبر الجاري فعاليات مهرجان الأراجوز المصري.

يقول المشرف على المهرجان، ، مؤسس فرقة “ومضة” التي حافظت على هذا الفن من الاندثار وأعادته إلى واجهة التراث الشعبي المصري، إن المهرجان يقام بالتعاون مع عدد من الجهات والمؤسسات التعليمية مثل جامعة حلوان وجامعة القاهرة وساقية الصاوي وتحرير لونج وبيت السناري وغيرها من فضاءات ثقافية عامة ومستقلة.

كما أكد معد ملف الصون العاجل، أن المهرجان يسعى إلى إلقاء الضوء أكاديميا وجماهيريا على فن الأراجوز وعلى من تبقى من كنوزه البشرية الحية على قلتها على قيد الحياة، إلى جانب تكريم عدد من لاعبيه الشعبيين.

برنامج حافل وفقرات متعددة

وفيما يخص برنامج المهرجان فعلى مدار أسبوع كامل سيؤثث فقرات متعددة لتقديم الأراجوز بمختلف أنواعه، على غرار  “زواج بالنبوت” وتدور أحداثه حول رغبة الأراجوز في الزواج ومحاولة والد العروس خداعه، و”الست اللى بتولد” الذي يروي ولادة فلفل الذي يطلب الزواج فور ولادته، و”الأراجوز ومراته”، ويتضمن المشكلات الزوجية.

وإلى جانب هذا ستقدم فرقة “ومضة” عددًا من عروضها الخاصة، فضلاً عن أراجوز دوت كوم، وعلي الزيبق، وصندوق الحكايات، إضافة إلى أن العرض الأخير سيكون عرضًا مستلهمًا من عروض الأراجوز الشعبي التي تم توظيفها ضمن العروض المعاصرة والحديثة.

كما ستعتمد عروض الأراجوز على التباين الارتجالي والتفاعل بين كل من الدمية والملاغي والجمهور، وهي من بطولة الفنانين: علي أبو زيد سليمان، ومحمود سيد حنفي، ومصطفى الصباغ، وصلاح بهجت، من تأليف وإخراج د. نبيل بهجت.

تدريب وندوات

من جهة أخرى تقدم ورشة مفتوحة للتدريب على صناعة الدمى المختلفة للأراجوز وآلة “الأمانة” وطريقة استعمالها وصناعة وسائط العرض (البرفان – والباردة – والخيمة)، وذلك من خلال لاعبين شعبيين للاستفادة من خبراتهم في هذا المجال …

كما سيتم تقديم عدد من المحاضرات والندوات عن فن الأراجوز وطبيعته ومفردات تكوينه وفلسفته وآليات عمله وطرق الاستفادة منه في الوسائل التعليمية والتربوية داخل المدارس والجامعات المصرية مصحوبة بعرض مواد ثقافية وأفلام نادرة، وكيفية إعداد ملف الأراجوز من الفقد إلى الاستعادة.

وإلى جانب هذا تم تخصيص معرض يضم أكثر من 100 عروسة مختلفة تعود لمائة عام تقريبا، وهي مجموعات خاصة بلاعبين قدامى، سيتم عرضها لأول مرة خلال هذا المهرجان.

تنوع لتجنب الاندثار

يذكر أن فعاليات المهرجان تتميز بالتنوع لتتناسب مع آليات الصون العاجل من التوعية والحماية والانتشار والتسجيل والتدريب، وكدعوة للجهات المعنية رسمية وغير رسمية لممارسة دورها في حفظ الموروث الشعبي المصري.

ومن هذا المنطلق تسعى إدارة المهرجان إلى إلقاء الضوء أكاديميًا وجماهيريًا على فن الأراجوز وحمايته باعتباره من الكنوز البشرية الحية، فمن تبقى من لاعبيه على قيد الحياة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، لذلك يعمل الفعالية على تكريم عدد من ممارسي هذا الفن من اللاعبين الشعبيين.

النوع الثالث من الفن المصري

على صعيد آخر يعد الأراجوز هو النوع الثالث من الفنون المصرية، الذي يتم تسجيله في قائمة التراث الثقافي غير المادي في اليونسكو، ففي عام 2008 أدرجت السيرة الهلالية في هذه القائمة، وفي عام 2016 أدرج فن التحطيب (رقصة فلكلورية) كتراث مصري غير مادي.

لمن لا يعرف الأراجوز

الأراجوز أو القراقوز وهناك من يسميها دمى متحركة، هي كلمة ذات أصل تركي لكلمة “قره قوز” والتي تتكون من مقطعين هما “قره” بمعنى سوداء و”قوز” بمعنى عين، وبذلك يصبح المعنى العام لكلمة “قره قوز” هو “ذو العين السوداء” وذلك دلالة على سوداوية النظر إلى الحياة.

مسرح الأراجوز

وينقسم مسرح الأراجوز إلى مساحتين داخلية وخارجية، فمن الخارج هو عبارة عن عربة، أما من الداخل فالعربة عبارة عن مسرح بكل معايير البناء المسرحي في أبسط أشكاله، والعربة متنقلة بين الأحياء الشعبية حسب الموالد والأعياد.

التقنيات المستعملة

وتعدّ عروض الأراجوز أحد الأشكال التي تنتمي إلى ما يعرف باسم في مصر، وتعتمد على استخدام دمية يدوية تقليدية يحركها شخص بأصابعه من خلف ستار، ويحكي قصصًا بصوت مميز تتناول المعاناة التي تواجه البسطاء في حياتهم اليومية بشكل فكاهي، يدفع بالحاضرين إلى الضحك على همومهم.

إلى جانب أنه كان يمزج الكثير من المعلومات، ما جعله إحدى أهم وسائل نقل المعرفة عبر العصور، كما أنه كان وسيلة مهمة لاستفزاز الحس الوطني والسياسي للشارع المصري.

مميزات فن الأراجوز

ومن سمات الدمية، أنها تصدر صوتًا مميزًا، إذ كان لاعب الأراجوز قديما يستعين بوضع قطعة من النحاس في فمه، ثم استبدلها بقطعة من “الأستانلس” توضع فوق اللسان، تحديدًا في منتصف الحلق ليخرج منها الصوت الذي يبهر الجميع.

كما يطلق لاعبو الأراجوز على تلك القطعة المستعملة لتغيير الصوت “الأمانة”، فهي بالنسبة لهم صوت الحق الذي يعكس الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد.

تاريخية الأراجوز

يقول المصريون، إن فن الأراجوز يعود إلى عهد الفراعنة، وكان يطلق عليه “إرجوس” التي تعني حرفيًا “يصنع كلامًا معينًا”، ومنها اشتقت كلمة أراجوز، وهو اسم يعود إلى العصر العثماني، حيث كان يسمى وقتها “قراقوز”، وتعني الـ“عين السوداء”، وسمي بهذا الاسم ليعكس فكرة النظر إلى الحياة بمنظار أسود، وازدهر هذا الفن الساخر في أواخر العصر المملوكي قبل الغزو العثماني لمصر.

الأقرب إلى الوجدان

كما يعتبره البعض من الفنون القديمة الشيقة والمحببة إلى قلب ووجدان الطفل، وكانت منتشرة انتشارًا كبيرًا في ربوع مصر من أقصاها إلى أقصاها، حيث كان يطوف لاعبو الأراجوز شوارع وحواري القرى والمدن، لعرض فقراتهم على الناس مقابل قروش قليلة، يحصلون عليها من الجمهور مقابل استمتاعهم بتلك العروض.

لسان حال المواطن

فيما يصفه آخرون بكونه  لسان حال المواطن العادي، وصديقه وصانع بهجته، وكان العرض الرئيسي لمسارح العرائس في مصر، فلا يخلو مسرح منه، لقدرته على معالجة الأمور الحياتية اليومية التي تواجه البسطاء بشكل فكاهي ساخر.

وأحيانا ما كان يأخذ دور الدعاية والإعلان والنشر، وجاءت كلمات الشاعر الراحل “صلاح جاهين”، في مسرح عرائس “الليلة الكبيرة” بين الأراجوز وحضرة العمدة، التي قام بتلحينها المبدع “سيد مكاوي”، لتصف حال الموالد الشعبية في مصر بشكل رائع، من خلال مجموعة عرائس صممها الفنان “ناجي شاكر”  فقال: “يا حضرة الأراجوز قولي، نعم يا عمدة عاوز إيه، منين يروحوا المتولي، امدح نبينا وصلي عليه، اللهم صلي عليه”.

ما وراء الأخشاب

ويختبئ الأراجوز خلف لوح من الخشب يقال عليه المسرح، وهو عبارة عن عربة علي هيئة متوازي مستطيلات، يرسم عليها صورة للأراجوز وبعض الشخصيات التي تشاركه في التمثيل، وفي مقدمة العربة ستارة سوداء.

أدوار متعددة

ومن أبرز الشخصيات المشهورة التي لعبت دوراً مؤثراً مع الأراجوز، نجد الفتوة، والخواجة، والشاويش، وعثمان، وزوجته نفوسة، وزوجته السمراء بخيتة.

ولاعب الأراجوز قادر على تغيير صوته ليجسد كل الشخصيات الموجودة في الرواية، ومن أهم الإكسسوارات التي يستخدمها في هذه العروض العصا الطويلة والزمارة والبطانية.

المسرح الحقيقي للشعب

من جهة أخرى يقول متابعو الأراجوز إنه يمثل المسرح الحقيقي للشعب المصري الذي اختار الفضاء العام  والشارع والحقول والأسواق مكانًا لعروضه، ويعتبر من أشهر الدمى الشعبية في مصر على الإطلاق، وارتبطت عروضه بشكل أساسي بالشارع، وتنوعت أهم موضوعاته بين الزواج والتعليم، والتجنيد، والعمل، والموت .

الدمية الساخرة

وفي العصر الحديث، كان الأراجوز سببًا في ظهور مسرح العرائس الشعبي، الذي تأسس عام 1960 علي يد المونولوغيست المصري محمود شكوكو، الذي كان يلقب بـ“شارلي شابلن العرب”، فكان يرتدي جلبابه وطرطوره الشهيرين ليقدم عروض مصاحبة مع الأراجوز.

كما يعتبر الراحل مصطفى عثمان المعروف فنيًا باسم أكبر وأشهر لاعب أراجوز في مصر، وهو أحد تلاميذ الفنان القدير محمود شكوكو.

وعمل بفرقة “ومضة” التي حافظت على هذا الفن من الاندثار، حيث قام بتدريب الشباب داخل وخارج مصر على كيفية التعامل مع تلك الدمية فأضحك بفنه ملايين الأطفال حول العالم، حيث ظل يحمل رسالة الأمل والفرح والبهج إلى أن توفي.

صحيح أن فن  الأراجوز فن الضحك والمتعة والنقد.. فن سعد به الكثيرون ولا يزال بنظر البعض، لكن على ما يبدو أن هذا الفن بات يعيش اليوم صراعًا من أجل البقاء أمام زحمة الفضائيات وسيطرة ، فهل ينجح أصحاب هذا الفن في الحفاظ عليه من الاندثار؟.

Advertisements

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: