تقاريرصوت أمريكامنوعات

لماذا يبتسم الأمريكيون دائمًا مهما كانت الظروف؟

علي البلهاسي

“سر الابتسامة الأمريكية” كان عنوان فيديو نشره موقع قناة الحرة الأمريكية مؤخرًا، حاول من خلاله البحث عن سبب تميز الشعب الأمريكي بالابتسام دائمًا مهما كانت الظروف.

ويطرح الفيديو تساؤلاً هامًا، وهو: لماذا يبتسم الأمريكيون كثيرًا، ولماذا يستغرب الكثيرون ابتساماتهم؟، ويحاول الإجابة على هذا التساؤل بقوله إن الأمريكيين يبتسمون حتى من دون سبب وجيه ظاهر، وعندما تراهم مبتسمين فهم ربما سعداء، أو واثقون من أنفسهم، أو على طبيعتهم وحسب، ويبتسمون أحيانًا لمنح الآخرين شعورًا بالراحة.

لكن شعوبًا أخرى قد تجد هذا غريبًا، فقد قال باحثون إن دولاً كاليابان والهند وكوريا الجنوبية وروسيا تعتبر الوجه المبتسم أقل ذكاءً من الوجه الجدي، وربطوا ابتسامات السكان بمستوى استقرار بلدانهم، فكيف لك أن تبتسم ومستقبل بلدك على المحك، وهذا ما يفسر ربما ندرة ابتسام الروس عند التقاط الصور.

دراسة معاصرة وجدت أن التنوع يدفع الأمريكيين إلى الابتسام، فبوجود مهاجرين لا يتحدثون لغتك تبتسم أكثر لبناء الثقة، لأن الابتسامة أسهل وسائل التواصل بين البشر.

عندما افتتحت ماكدونالد فروعًا لها في روسيا خلال التسعينيات اضطرت التدريب موظفيها على الابتسام. ويمكن القول إن ابتسامة الأمريكيين هي منتج لثقافة البلد، وحالها هو حال أي منتج آخر، فهم يحاولون جاهدين تصديرها للخارج.

 

ظاهرة محيرة

إلى هنا انتهى اجتهاد موع قناة الحرة في البحث عن سر الابتسامة الأمريكية، لكننا قررنا البحث أكثر عن هذا الموضوع والتعمق فيه، ووجدنا أن هناك الكثير من التقارير الإعلامية والخبراء تحدثوا عن هذا الأمر باعتباره ظاهرة ملفتة للنظر، وتحتاج للبحث عن حقيقتها وأسبابها.

ووفقًا لتقرير نشره موقع “مبتعث” تشير العديد من التقارير إلى أن انتشار الشعور بالبهجة والمرح بالمجتمع الأمريكي أمر ملفت للنظر، فالزائر الأجنبي للولايات المتحدة يصعب عليه آلا يلاحظ ارتسام البسمة على وجوه قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي، سواء العاملين في المحلات التجارية، أو بين أبناء الطبقة الوسطى الأمريكية، الذين عادة ما يبادروك بابتسامة في الطرقات، أو في الإعلانات وغالبية برامج التلفزيون الأمريكي.

وهذا الظاهرة تبدو محيرة للبعض وتدفعهم للتساؤل حول سر ابتسامة الأمريكيين؟ والأسباب التي تدفعهم إلى الابتسام دائمًا؟ وكيف اكتسب هذه العادة الطيبة عبر التاريخ؟

ولأن هذه الظاهرة حيرت الكثيرين منذ وقت طويل، فقد وجدنا دراسة مهمة في هذا الصدد نشرت في دورية (جريدة التاريخ الاجتماعي) Journal of Social History، الصادرة عن جامعة جورج مايسون George Mason University الأمريكية، في عددها الصادر في خريف عام 2005، وقامت بإعداد هذه الدراسة المتميزة وقتها كريستينا كوتشيميدوفا، أستاذة الإعلام والثقافة بجامعة نيويورك، وهي بلغارية الأصل.

 

الخضوع للثقافة

تبدأ الدراسة بمقدمة نظرية تؤكد على أن الثقافات تفرض على أبناءها الالتزام بعواطف وأفكار معينة، وبأساليب تعبير معينة عن تلك العواطف والأفكار، وأن الخضوع لثقافة ما، لفترة كافية وبكثافة مناسبة، قد يغير من فكر وعواطف الفرد، بشكل يجعله خاضعًا لتلك الثقافة دون أن يدري.

فلو عاش الإنسان في ثقافة يغلب عليها شعور التفاؤل، على سبيل المثال، فإنه لابد وأن يعتقد بمرور الوقت بأن التفاؤل هو الشعور المناسب للإنسان، وأنه ينبغي عليه أن يشعر بالتفاؤل مادام سليمًا نفسيًا وعقليًا، لذا يحرص هذا الفرد على تدريب نفسه على إظهار التفاؤل والشعور به إلى درجة أنه قد يُحرّم على نفسه الشعور بالتشاؤم، على الرغم من أن وجود قدر من التشاؤم لديه قد يكون أمرًا طبيعيًا.

وهذا بالضبط ما حدث في الثقافة الأمريكية – كما ترى كريستينا كوتشيميدوفا – والتي تعتقد أن التطورات المختلفة التي مر بها المجتمع الأمريكي منذ القرن الثامن عشر، جعلت من البهجة العاطفة الأكثر شيوعًا وسيطرة على الثقافة الأمريكية، لدرجة أعجزت الأمريكيين على التعامل مع مشاعر الإحباط التي قد تصيب بعضهم، ولدرجة جعلت من البهجة أداة قد تستخدم للإضرار بحقوق بعض فئات المجتمع، وتوظيفها كأدوات لإسعاد الآخرين تحت قيود ثقافة البهجة الطاغية.

 

بداية حزينة

تقول المؤلفة إن الثقافة الأمريكية في بداياتها – خلال القرن الثامن عشر – سيطر عليها شعور بالحزن والشجن – مثلها في ذلك مثل الثقافة الأوربية في ذلك الوقت، وهنا ترى المؤلفة أن انتشار الشجن خلال تلك الفترة ارتبط بانتشار ثقافة تؤكد على العواطف القوية الجياشة، وعلى رأسها الحزن والبكاء، الذي كان ينظر إليه على أنه علامة على الحكمة، لذا مارسه السياسيون والجماهير على حد سواء.

 

ثقافة جديدة

في المقابل ساهمت التطورات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي مرت بها أوربا والولايات المتحدة، مع تقدم القرن الثامن عشر، في صعود ثقافة جديدة فضلت البهجة على الحزن كفضيلة بالمجتمع.

فعلى المستوى الفكري والفلسفي قادت الحداثة إلى الفردية باحتفالها بالإنسان وبقدراته، وبدعوتها للإنسان للسيطرة على ظروفه، وقهر أسباب ومشاعر الضعف والحزن لديه.

على النحو نفسه دعا مفكرو عصر التنوير الإنسان بالاهتمام بذاته، والاعتناء بها ماديًا وروحانيًا، والإصرار على تحقيق السعادة في الحياة الدنيا.

وعلى المستوى الاجتماعي، تقول المؤلفة إن الطبقة الوسطى الأمريكية (البيضاء) شعرت بالرخاء الاقتصادي والفرص المتاحة أمامها، وطالبت أبناءها بالتحكم في مشاعرهم كطريق لتحقيق النجاح، كما طالبتهم بالبهجة والتفاؤل والإيجابية، والاستبشار بالظروف الجديدة، حتى أصبحت البهجة معيارًا للانتماء للطبقة الوسطى، التي أصبحت تنظر إليها كفضيلة ضرورية للحفاظ على التماسك واستمرار التقدم الاجتماعي.

لذا انتشرت في أوساط الطبقة الوسطى الأمريكي مشاعر رافضة لليأس وللحزن وللدموع، ولمن يعجزون عن مساعدة أنفسهم.

 

أسباب البهجة

تقول كريستينا كوتشيميدوفا إن الأوربيين – الذين زاروا أمريكا – في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر بدأوا يشعروا بأن أمريكا تقدمت على أوربا في ثقافة البهجة، وانشغل بعضهم بمحاولة تفسير أسباب هذا التقدم، ومن بينها ما يلي:

أولاً: الأمريكيون شعب حديث، صاحب تاريخ قصير، لا يمتلك الأشجان والأحزان والمآسي التاريخية التي تكتظ بها تواريخ وذاكرة الأمم الأكبر عمرًا.

ثانيًا: الديمقراطية الأمريكية، ومؤسساتها القوية، والوفرة الاقتصادية، أشعروا المواطن أمريكي بالاطمئنان، والتفاؤل بخصوص المستقبل، وبالراحة المادية، وهي مشاعر ضرورية لمساندة الشعور بالبهجة.

ثالثًا: ثقافة الطبقة الأمريكية خلت من التأكيد المبالغ فيه على أساليب اللياقة التقليدية في المعاملة، إذ تميزت ثقافة الطبقة الأمريكية الوسطى (البيضاء) بقدر كبير من البساطة والمساواة والتخلي عن التعقيدات، مما ساعد البهجة على الانتشار بأمريكا، مقارنة ببعض المجتمعات الأوربية التي عرفت الطبقية والتقاليد الاجتماعية المُحافظة.

رابعًا: تنتشر في المجتمع الأمريكي نوع من الفلسفة التي يمكن وصفها بالفلسفة الشعبية أو الجماهيرية، وهي تركز بشكل عام، من خلال سيل لا ينتهي من الكتابات، على تسليح المواطن الأمريكي بالأفكار والأساليب الفكرية والحياتية المختلفة، التي تساعده على الشعور بالبهجة بشكل مستمر، كالرياضة والتغذية السليمة والأفكار المساعدة.

 

الابتسامة اختراع أمريكي

هناك مناسبة جميلة يحتفل بها العالم كل عام وهي “اليوم العالمي للابتسامة”، ومنذ عام 1999 اعتاد العالم الاحتفاء بهذا اليوم في الأسبوع الأول من أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام، وذلك بعد أن أعلنه الرسام الأمريكي هارفي بيل، الذي صمم عام 1963 أول ابتسامة كشعار لإحدى شركات التأمين في الولايات المتحدة، وذلك بعد طلبها منه أن يبتكر رمزًا مشرقًا يسهل تذكره على بطاقة الشركة.

وفاق نجاح هذا الرمز جميع التوقعات. وبدأ هذا الوجه لاحقًا بالظهور على القمصان والقبعات والمغلفات والبطاقات البريدية، حتى إن مكتب البريد الأمريكي أصدر طابعًا يحمل هذا الرمز.

وبعد وفاة هارفي في عام 2001، تم إنشاء مؤسسة تحمل اسم “Harvey Ball World Smile Foundation” لتكريم اسمه، وتعتبر هذه المؤسسة هي الراعي الرسمي لليوم العالمي للابتسامة.

وفي هذا اليوم تفاعل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي عبر وسم “اليوم العالمي للابتسامة”، و”يوم الابتسامة العالمي”، ليعبروا فيه عن امتنانهم لمن يبتسمون في وجوههم، وداعين للتخلص من مشاعر الحزن واستبدالها بما يبهج أيامهم ويشعرهم بالرضا والحبور.

 

الابتسامة تطيل العمر

الابتسامة العريضة تمنحك عمرًا مديدًا، وهذا ما توصل إليه باحثون أمريكيون بعد دراسة صور لـ230 لاعبًا شاركوا في رابطة البايسبول الأمريكية وبدؤوا بممارستها في عام 1950. ومن خلال الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة واين ستايت يونيفرستي في مدينة ديترويت الأمريكية، اتضح أن اللاعبين الذين كانت ابتسامتهم عريضة عاشوا لفترة أطول من نظرائهم الذين كانت بسماتهم عادية.

وأوضح إرنست أيبيل الأستاذ في أمراض النساء والتوليد وعلم النفس في الجامعة، أن الابتسامة العريضة مؤشر على السعادة وعلى الموقف الإيجابي لصاحبها، موضحاً أنه من “الصعب تصنّع السعادة عندما نبتسم”.

وجمع الباحثون معلومات عن اللاعبين لمعرفة السبب الذي جعل بعضهم يعيش لفترة أطول من غيره فاطلعوا على سجلاتهم الجامعية وأوضاعهم العائلية والاجتماعية وأعمارهم وطولهم وما إذا كانوا يميلون إلى النحافة أو البدانة وفق مقاييس مؤشر كتلة الجسم.

وطلب من مجموعة من المتطوعين شاركوا في الدراسة من دون أن يطلعوهم على أهدافها تقرير ما إذا كانت ابتسامات اللاعبين التي وضعت أمامهم تستحق درجة أولى نزولاً إلى الرقم 3 لمعرفة الارتباط بين السعادة التي تظهر على وجوههم من خلال بسماتهم أو ضحكاتهم وطول أو قصر أعمارهم.

ولاحظ الباحثون أنه في الأول من يونيو عام 2009 مات جميع اللاعبين باستثناء 46 فربطوا بين تلك الابتسامات التي كانت تشع عند التقاط صورهم خلال المباريات وبين طول أعمارهم.

وأكد العلماء أن البسمة الحقيقية أو المثالية التي ترتسم على الوجوه من دون تصنّع هي بسمة “دوشيمي” وهو اسم عالم الأعصاب الفرنسي التي حدد معالمها، وهي تلك التي ترتفع فيها الوجنتان وزوايا الفم إلى أعلى وتظهر تجعدات خفيفة على جانبي العينين.

وابتسامة دوشيني تربط العضلات الزيجوماتية للخد والعين مكونةً أرجل الغراب التي تدل على أن الابتسامة صادقة، وأن المبتسم سعيد حقًا.

وربطت دراسات سابقة بين الابتسامة الطبيعية التي تعكس سعادة صاحبها وبين نجاحه في حياته الدراسية والمنزلية ورضاه عن حياته.

وقالت مؤلفة كتاب ” كيف نكون سعداء”، سونجا ليمبو ميرسكي، وهي أستاذة في علم النفس من جامعة كاليفورنيا” إن الابتسامة على الأرجح تعكس سعادة اللاعبين”، مضيفة أنها البسمات تعكس السعادة والتفاؤل أو المرونة في الحياة”.

 

لماذا يجب أن تبتسم؟

تقول الأم تريزا -الراهبة الراحلة ذات الأصول الألبانية، والحاصلة على جائزة نوبل للسلام لعام 1979-: “على الشخص أن يبتسم حتى في تلك الأوقات التي يكون من الصعب فيها الابتسام، فابتساماتنا تجعل الوقت الذي نقضيه معًا رائعًا، دعنا يقابل بعضنا بعضًا دائمًا بابتسامة، فالابتسامة هي بداية الحب”.

وهناك مثل ياباني يقول: “الأقوى هو من يبتسم”، وهذا المثل يسعى إلى منحك شعور بالقوة من خلال رسم ابتسامة لطيفة على وجهك دائمًا، مما يمنحك شعورًا بالبهجة والسرور من نفسك وممن حولك. فالابتسامة لغة عالمية عابرة للحدود، وتنقل مشاعر الود، وتُعرب عن الفرح، وتعزز صحة الإنسان.

ومن فوائد الضحك والابتسام أنه يحسن آلية التنفس، ويعزز جهاز المناعة، كما يقلل من الاضطرابات النفسية كالتوتر والقلق والاكتئاب ويزيل التفكير السلبي، ويحفز الدورة الدموية بالجسم، ويخفف من الآلام، ويرخي العضلات ما يساعد على الاسترخاء، كما يزيد جريان الدم في الجسم.

وتنشّط الابتسامة الدماغ، وتحرك 44 عضلةً في وجه الإنسان، خاصةً تلك الموجودة حول الفم والعضلات الموجودة أيضاً حول العينين.

ومن جهة أخرى فللضحك مع الآخرين فوائد كثيرة، ومنها أنه يعمل على تقليل الصراعات والمشاحنات بين الأفراد، كما يعزز العمل الجماعي، ويجذب الآخرين، ويقوي العلاقات.

وتؤثّر الابتسامة في الآخرين عن طريق إسعادهم وبثّ مشاعر الفرحة والبهجة إليهم، وتجعل الشخص محبوبًا بين الناس، كما تضفي الجاذبية عليه، وتساعد الإنسان على تخطي بعض مواقف حياته المفصلية والصعبة.

 

أسرار الابتسامة

تؤكد العديد من الدراسات أن الابتسامة ليست مجرد تعبير تلقائي تقوم به الشفتان بمجرد التعرض لموقف يدفع للابتسام، ولكنها وسيلة توصلك سريعًا للتخلص من التوتر والقلق، وتزيد من الحب والجاذبية، وغيرها من الفوائد التي ستجعلك تحافظ عليها كسلوك وعادة يومية.

بسبب أنشطة العقل المعقدة التي تحدث عند رؤية شخص يبتسم، فإن الابتسام معدٍ، فقد أثبتت الدراسات أن مجرد رؤية شخص يبتسم تنشط المنطقة الدماغية التي تتحكم في حركة الوجه، الأمر الذي يؤدى إلى الابتسام.

والابتسام في مواقف العصيبة ليس أمرًا سهلًا، لهذا عندما تتعرض لضغط نفسي، حاول الابتسام لتهدئة نفسك.

فقد أثبتت بعض الدراسات الفوائد الصحية للابتسامة في هذه المواقف، حيث إن المشاركين في الدراسة الذين كانوا يبتسمون كانت ضربات قلبهم أقل معدل من الآخرين الذين كانت تعبيرات وجههم محايدة.

كما أن الابتسامة يمكن أن تساعدك على إدارة الإجهاد والقلق عن طريق إفراز الأندورفين، وهو إحدى المواد الكيميائية التي تجعلك أكثر سعادة. وبحسب دراسة نشرت في المجلة الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي فإن الابتسام يجعلك تبدو أكثر جاذبية، وتقوى الجهاز المناعي، حيث تساعد الجسم على إنتاج خلايا الدم البيضاء التي تساعد في مكافحة الأمراض.

أيضًا إذا كنت تريد التقرب إلى بعض الأصدقاء فعليك بالابتسامة، فقد وجدت الدراسات أن الأشخاص الاجتماعيين هم أولئك الذين يبتسمون أكثر من غيرهم، فالابتسامة هي تعبير عن استعدادك للحديث والتفاعل مع الناس.

وتساعد الابتسامة على كسر الحاجز النفسي بينك وبين الناس، كما تجعلك تشعر بالراحة، فقد وجدت دراسة أن الابتسام مفيد جدًا في الحالات التي تشعر فيها بالحرج.

وإذا كنت ترغب في تحسين مصداقيتك لدى البعض، حاول أن تبتسم أكثر، فالثقة لا تأتى بسهولة، ولكن الابتسامة قد تساعدك عل اكتسابها، ففي دراسة أجرتها جامعة بيتسبرج على عدد من الأشخاص، أثبتت أن الناس الذين ابتسموا كانوا أكثر جدارة بالثقة من غيرهم.

كما تلعب الابتسامة دورًا كبيرًا في نجاح أصحاب الأدوار القيادية، فقد اكتشف مجموعة من الباحثين من جامعة مونبلييه أن الابتسام هو إحدى أساليب القيادة الناجحة التي أثبتت فاعليتها.

 

الابتسامة المثالية

اكتشف باحثون وخبراء سر الابتسامة المثالية، وقالوا إن الأشخاص من أمثال ممثلة هوليوود الشهيرة جوليا روبرتس يتمتعون بتلك الابتسامة، وهم أكثر جاذبية بسبب تماثل وتوازي بؤبؤ العين والأسنان لديهم. ويرى أطباء الأسنان أن الأمر له علاقة بتموضع الأسنان والعيون، وهو مسألة مهمة فيما يخص تلك الابتسامة الآسرة.

واكتشف أطباء أسنان أجروا بحوثًا حول الابتسامة المثالية أنه كلما زاد التوازي بين خط بؤبؤ العين وخط الأسنان، زادت روعة الابتسامة.

وأشرف على الدراسة د. فاسيليكي كويدو من جامعة مينيسوتا الأميركية ونشرت نتائجها في JOURNAL OF PROSTHETIC DENTISTRY.

ويقول القائمون على الدراسة إن النتائج من شأنها أن تساعد الناس على إدراك أن الابتسامة المثالية تعود إلى التماثل في الوجه، وليس الأسنان فقط، ولاحظوا أن الابتسامة المثالية لا يمكن تحقيقها دائمًا، من خلال تعديلات في الأسنان.

وحتى يكتشف الباحثون سر الابتسامة الآسرة أجروا بحثًا عبر الانترنت باستخدام كلمات مثل «أفضل ابتسامة»، أو «الابتسامة المثالية» أو هوليوود.

وتم اختيار 108 صور لرجال وسيدات من المشاهير، واستخدامها منها صور لـ 32 من الرجال و68 صورة لسيدات، والتقطوا صورا لمائتين من طلبة الأسنان. ومن خلال الكمبيوتر تم حساب مدى توازي الخطوط ما بين خطوط بؤبؤ العيون والأسنان.

وتبين بعد التدقيق أن السيدات من المشاهير يتميزن بتماثل أكبر عن المشاهير من الذكور، وأن الإناث من طلبة الأسنان يتميزن بتماثل أكثر من نظرائهن الرجال.

 

المبتسم الحزين

قام علماء بدراسة تأثير الابتسامة على الآخرين، فوجدوا أن الابتسامة تحمل معلومات قوية تستطيع التأثير على العقل الباطن للإنسان، ووجدوا أن لكل إنسان ابتسامته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد، وأن كل ابتسامة تحمل تأثيرات مختلفة أيضًا.

وعندما قاموا بتصوير هذه الابتسامات وعرضها بشكل بطيء وجدوا حركات محددة للوجه ترافق الابتسامة، وأن الإنسان نفسه قد يكون له أكثر من نوع من الابتسامة، وذلك حسب الحالة النفسية وحسب الحديث الذي يتحدثه والأشخاص الذين أمامه.

ويعتقد العديد من البيولوجيين أن الابتسامة بدأت كعلامة خوف. واستطاعت بعض الأبحاث أن تقتفي تاريخ الابتسامة إلى ثلاثين مليون سنة من ثورة تطور الكائنات إلى “ابتسامة خوف” انبثقت من القرود الذين يستخدمون غالبًا الأسنان المرصوصة لكي يظهروا بأنهم غير قادرين على الأذى.

لأن الناس يحكمون على الآخرين من خلال مظهرهم وتصرفاتهم الخارجية، فهم يعتقدون أن أصحاب الوجه البشوش والابتسامة الدائمة، هم الأكثر سعادة والأكثر حظًا، بينما قد يكون الظاهر يعكس صورًا مخالفة تمامًا للواقع أو ما هو داخل الفرد.

فقد أثبتت الدراسات العلمية المختصة في الطب النفسي وتحليل الشخصيات، أن معظم الأفراد الذين يتسمون بوجه دائم الابتسامة، ولا يشكون كثيرًا من مشاكل الحياة التي يمرون بها، هم الأكثر همًا وحزنًا، فغالبًا ما تكون هذه الابتسامة مجرد ستار يخبئون وراءه أحزانهم وآلامهم، عن العالم من حولهم، حتى لا يزعجوا غيرهم بمشاكلهم.

لذلك فإن معظم هذه الشخصيات هم الأكثر حساسية والأكثر قدرة على تحمل المشاكل والمسئوليات، والأكثر بحثا عن راحة وسعادة الآخرين، حتى إذا كان ذلك على حساب أنفسهم.

 

وجه آخر للابتسامة

وفي نفس الإطار تحذر دراسة من تحوُّل الابتسامة إلى أداة وظيفية تُخفي وراءها الكثير من التضليل. فوفقًا لورقة بحثية أجراها فريق من الباحثين في “معهد التقنيات الإبداعية” بجامعة كاليفورنيا الجنوبية الأمريكية، برعاية من مختبر أبحاث الجيش الأمريكي، فإن الابتسامة ربما كان لها وجه آخر غير إيجابي.

وأوضحت أن الأشخاص الذين يبتسمون وقت الانتصار تزيد فرص فشلهم في المرات اللاحقة؛ لأن ابتسامتهم تثير غيظ خصومهم، وتدفع منافسيهم للعمل بصورة أكبر لمنعهم من إعادة تحقيق النجاح. وفي المقابل، فإن مَن يبتسمون وقت الخسارة قد تكون فرصتهم أكبر في النجاح في المرات المقبلة؛ لأن خصومهم قد يتعاطفون معهم.

وأجرى القائمون على البحث مباريات في لعبة “الكرات الذهبية” الشهيرة بين 370 لاعبًا، جرى تقسيمهم للدخول في منافسات ثنائية مباشرة فيما بينهم.

وتعتمد لعبة “الكرات الذهبية” على التنافس بين اثنين من المشاركين، بحيث يكون على كلٍّ منهما الاختيار بين “وعائين” مكتوب في أحدهما كلمة “تشارك” والأخرى “سرقة”، فإذا اختار أحدهما كلمة “سرقة” واختار الآخر كلمة “تشارك” حصل “السارق” على المبلغ كاملاً أما الآخر فيرحل خالي الوفاض، وإذا اختار المتنافسان كلمة “سرقة”، رحلا معًا وهما خاليا الوفاض، أما إذا اختارا معًا كلمة “تشارك” فإنهما يقتسمان المبلغ.

وفي الدراسة التي نحن بصددها، حصل كل لاعب على 30 دولارًا، بالإضافة إلى تذاكر “يا نصيب” إضافية بقيمة 100 دولار تم منحها للفائزين وفق عدد مرات فوزهم.

وجرت مراقبة اللاعبين باستخدام برامج تتبُّع لقياس مشاعرهم في أثناء اللعب، ومراقبة ردود أفعالهم المختلفة، وانفعالاتهم، وحركات عضلات الوجه: بدايةً من الخدود والذقن والجبهة وانتهاءً برصد دموعهم وحركات شفاههم.

وتوصل الباحثون إلى أن دوافع اللاعبين كان يتحكم فيها معيار المكسب والخسارة، إذ إن مَن فازوا وابتسموا تعبيرًا عن الانتصار عرَّضوا أنفسهم بعد ذلك للعقاب على يد الخاسرين، أما الخاسرون الذين تقبلوا خسارتهم بابتسامة، فكان ذلك بمنزلة دعوة لمنافسيهم للتعاطف معهم في المستقبل، وتعبيرًا عن تقبُّلهم فكرةَ النجاح المتبادل، لذا جرت معاملتهم من جانب منافسيهم ببعض الرفق، وزادت فرصهم المستقبلية في الفوز.

ويشير جوناثان جراتش، مدير البحوث الإنسانية الافتراضية في المعهد، وأحد المشاركين في البحث: “نحن نعتقد دومًا أن العاطفة هي عدو العقل، ولكن الحقيقة هي أن التعبير عن العواطف يستهدف إظهار قيمة الأشياء”، مشددًا على أن الابتسامة لها وجوه كثيرة أخرى تحمل دلالاتٍ مختلفةٍ عن تلك التي تتركها الصورة النمطية الوحيدة التي تجعل من الابتسام مرادفًا للنجاح والسعادة.

تعليق
الوسوم
اظهر المزيد

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يرجى التبرع لدعم راديو صوت العرب من أمريكا

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين